اياد العناز
تصاعدت حدة الخلافات مرة أخرى بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بعد أن طلبت إيران تغيير مكان عقد المحادثات التي كان من المقرر إجراؤها في العاصمة التركية ( أنقرة)، ونقلها الى مدينة ( مسقط) عاصمة سلطنة عُمان لتكون متممة لجولات التفاوض التي توقفت في 10 حزيران 2025 ولقناعة القيادة الإيرانية بالوسيط العُماني الذي يمثل لها إطار استراتيجي في مجمل الحوارات التي جرت بحضور وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي وعدم رغبتها لتوسيع دائرة الحضور من عدة أطراف عربية إقليمية.
وجاء الرفض الأمريكي للطلب الإيراني، الذي ما لبث أن وافق على حضور الاجتماع الذي سيعقد يوم الجمعة 6 شباط 2026 بعد تدخل القيادات عربية واقليمية وفي خضم صراع وتحشيد عسكري واسع بوجود حاملة الطائرات ( يو إس إس أبراهام لينكولن) وطائرات الاستطلاع من طراز (RC-135) في مياه الخليج العربي، لرسم خرائط أنظمة الرادار والدفاعات الجوية واعتراض اتصالات الحرس الثوري واستخدامها كأداة ردع كبيرة ومؤشر اساسي لفرض اتفاق شامل عبر مباحثات ثنائية ومفاوضات ميدانية أو التوجه نحو المسار العسكري في توجيه ضربات شاملة وعلى إمدادات واسعة أكثر شمولية من الضربات الجوية التي طالت العمق الإيراني في 13 حزيران 2025، وهو ما لا يمكن أن تواجهه الإمكانيات الإيرانية مهما تعاظمت قدرتها ومهما كانت فعاليتها.
كان لحضور المبعوث الشخصي للرئيس الأمريكي ( ويتكوف) ولقائه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وطاقمه العسكري والأمنية في 3 شباط 2026، التأثير البالغ في تعزيز التوجه الأمريكي حول المسار العسكري، رغم موافقة واشنطن على اللقاء والاستماع للإيرانيين، فحزمة الأهداف الواسعة التي أعطيت من قبل إسرائيل المتعلقة ببرنامج الصواريخ الباليستية والبنية التحتية للمفاعلات النووية الإيرانية، وما تحدث به رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية بوجود مواقع نووية أعيد بناؤها وبنية الصواريخ التحتية ومراكز ومقرات القيادات العسكرية للحرس الثوري ، كفيلة بتمسك الإدارة الأمريكية بشروطها التي تتمحور حول قبول إيران، بتفكيك البرنامج النووي وتسليم كميات اليورانيوم المخصب التي تبلغ (400) كغم وإيقاف عملية التخصيب وتحديد مديات وابعاد برنامج الصواريخ الباليستية ورفع اليد عن دعم الفصائل والمليشيات المسلحة المتعلق بتنفيذ برنامج إيران السياسي الإقليمي، وهو ما ترفضه إيران وترى أنه يضعف قدرتها ونفوذها الإقليمي وردعها الميداني وحماية حدودها وامنها الوطني، ويشكل عامل مهم في الحفاظ على توازن القوى في الإقليم.
الأهم في عملية التفاوض، أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تسعى أن تكون شاملة في جميع جوانبها ( النووية والقدرة الصاروخية والتأثير الإقليمي والنفوذ السياسي)، في حين أن القيادة الإيرانية ترغب حصر المفاوضات في جانب السلاح النووي والامكانيات التسليحية المتعلقة بالبرنامج النووي، واعتبر برنامج الصواريخ الباليستية خط أحمر لا يمكن الاقتراب إليه، وهي من الأمور الجوهرية التي تعيق عملية التفاهم، وهو ما على الإيرانيين أن يدركوا مخاطره في رفصهم وتعنتهم وعدم استجابتهم للحلول الدبلوماسية والحوارات السياسية الدولية الإقليمية والعربية.
التدخلات السياسية تسعى لتسويات مستقرة وتنازلات تفضي لعمل مثمر يؤدي إلى اتفاق سياسي يرضى جميع الأطراف ويكون مدخل رئيسي تستكمل فيه إيران عملية رفع العقوبات الاقتصادية عنها وإطلاق أموالها المجمدة وإيجاد الحلول الجذرية لازماتها الاجتماعية والمالية.، وإلا فإن تشديد العقوبات مع استمرار التهديد بالعمل العسكري وتحديد أهداف ومواقع استراتيجية داخل الأراضي الإيرانية، إنما تكون نتائجه إضعاف تام لموقع إيران الإقليمي وشلل قدراتها وبداية لاسقاط نظامها السياسي.
وأمام هذه التطورات الميدانية والمتغيرات السياسية، ينصح التيار الإصلاحي الإيراني الذي يتزعمه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي ( أن المرونة السياسية) ضرورة جادة لرفع العقوبات وإنقاذ الاقتصاد الإيراني وتهدئة الاحتجاجات الشعبية والتي بمجملها تشكل حماية للنظام، في حين يعمل الطرف الثاني في بنية النظام الإيراني على التعامل بسياسة التعنت واظهار القوة، وهو ما تتمسك به قيادات الحرس الثوري وفيلق القدس والدائرة المقربة من المرشد الأعلى علي خامنئي الذين يرون أن أي استجابة للشروط الأمريكية إنما يعني انتحار للنظام وتجريدًا له من مقومات قوته وردعه الإقليمي وأحد اهم الأوراق التي بيده عند أي عملية للتفاوض أو الحوار.
منطقة الشرق الأوسط أمام منعطف خطير وأحداث جسيمة ووضع أمني يهدد جميع المرافق الحيوية والممرات الاستراتيجية، فالحشود العسكرية أتت لتنفيذ مهام قتالية أو تحقيق نتائج سياسية عالية بشروط أمريكية، على إيران أن تتعامل معها بشئ من التوازن والحكمة والهدوء وتجنب الهجوم الشامل والابتعاد عن سياسات التعنت وإطلاق التصريحات الشعبوية ، فهناك من يسعى لإرادة الحسم العسكري ومن يريد ضبط الإيقاع السياسي والتأثير الإقليمي، فالولايات المتحدة الأمريكية تدرك حقيقة التوجه الإيراني في سياسية اعتماد عامل الوقت لتحسين شروطها وإمكانية إثبات قدرتها وفرض ارادتها، وهو ما تتعامل معه بكل وضوح ودقة.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
