المبادرة الباكستانية من الدبلوماسية إلى خفض التصعيد

المبادرة الباكستانية من الدبلوماسية إلى خفض التصعيد

تتجه الانظار الدولية والإقليمية إلى ما ستسفر عنه الجولة السياسية التي انطلق فيها رئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير في زيارته لإيران واحتمالية توجهه إلى الولايات المتحدة الأمريكية إذا ما تمكن من التوصل إلى نتائج إيجابية خلال المباحثات التي أجرها مع المسؤولين الإيرانيين واختتمها بلقاء القائمين على مؤسسة خاتم الأنبياء وبعض من قيادات الحرس الثوري الإيراني، والتي أراد منها إيصال رسائل من الإدارة الأمريكية تتعلق بمسار الجولة الثانية من المفاوضات الأمريكية الإيرانية والتي سبق وأن انطلقت الجولة الأولى منها من العاصمة الباكستانية ( اسلام آباد)، ومدى قناعة الإيرانيين بمناقشة الأنشطة النووية وتفكيك البرنامج النووي والتوقف عن تخصيب اليورانيوم إلا بنسب لها علاقة بالجوانب العلمية والتقنية والصحية مع تسليم كمية المخزون من اليورانيوم بنسبة 60٪ والمبالغ (400) كغم لدولة أخرى أو شرائه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.
أن إيران تدرك حجم المخاطرة التي تتعرض لها نتيجة نجاح القوات الامريكية من إتمام الحصار البحري في مضيق هرمز على سواحلها وموانئها وصادراتها وواردتها وكمية الخسائر المالية التي تتكبدها نتيجة عدم موافقتها على فتح مضيق هرمز والالتزام بمرور السفن والناقلات الحاملة للطاقة واعتمادها مبدأ فرض الرسوم والاتاوات المالية خلافًا لقانون البحار وحقوق الدول المشاطئة والتعرض للمصالح الاقتصادية الدولية والإقليمية.
تُشير التقديرات إلى أن الحصار الأمريكي على موانئ إيران قد يكبدها خسائر مباشرة تتجاوز 400 مليون دولار يوميا، نتيجة تعطيل النقاط الحيوية مثل ميناء بندر عباس الذي يستأثر وحده بنحو 55% من إجمالي التجارة البحرية الإيرانية، وميناء الإمام الخميني (محافظة خوزستان) والذي يعتبر بوابة البلاد الرئيسية للغذاء، حيث يستقبل 53% من واردات السلع الأساسية، مما يعني أن تعطل عمليات الشحن سيؤدي مباشرة إلى نقص المواد الأولية وموجات تضخم غير مسبوقة، إضافة إلى جزيرة جزيرة خارك المنفذ الإستراتيجي لتصدير 90% من النفط الخام، ويتوقع أن يخلف توقفها خسارة يومية بقيمة 140 مليون دولار.
واذا ما استمرت إيران في ممانعتها وعدم استجابتها للوساطة الباكستانية والتحركات الإقليمية فإن أوجه التصعيد في مضيق هرمز ينذر بمواجهة واسعة، بعد فرض الولايات المتحدة حصارًا بحريًا على إيران، وأي تحرك عسكري في مضيق هرمز قد يواجه تحديات خطيرة نظرًا لضيق الممر واعتماد إيران على اتباع وسائل وأدوات تتم بزرع الألغام البحرية واستخدام والطائرات المسيرة وتهديد استقرار إمدادات الطاقة عالميًا.
أن استمرار الحصار الاقتصادي الأمريكي لإيران يؤدي بها إلى تكبد خسائر كبيرة تقدر ب (276) مليون دولار يوميًا مع خسارة في مجمل الواردات من السلع الرئيسية تبلغ ( 159) مليون دولار، وهذا ما يشكل أزمة خانقة مالية جسيمة تزيد من معانة الداخل الإيراني وتساهم في تصعيد حالة الرفض الشعبي والمعاناة اليومية وترفع من كاهل المكابدة التي تثقل حياة أبناء الشعوب الإيرانية، وأن الجهات السياسية والاقتصادية الإيرانية تعلم جيدًا أن خسارتها المادية وضررها الاقتصادي يبلغ (435) مليون دولار يوميًا بواقع (13) مليار شهريًا.
اعتمدت الآليات الأمريكية سياقًا ميدانيًا وسياسة واضحة في فرض الحصار على سفن جميع الدول الداخلة إلى الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية أو المغادرة منها، وتشمل جميع الموانئ الإيرانية المطلة على الخليج العربي وخليج عُمان، ولن تعيق قوات سنتكوم حرية الملاحة للسفن العابرة لمضيق هرمز من وإلى الموانئ غير الإيرانية.
إذا لم تنجح المبادرة الباكستانية وتمسكت إيران بادعاءاتها حول تعوضها عن الخسائر وعدم موافقتها على تفكيك برنامجها النووي وإيقاف التخصيب مرحلة أولى مهمة في نجاح المفاوضات، فإنه من الممكن أن نكون أمام عدة احتمالات تشمل العودة للتصعيد العسكري وانعدام التهدئة القائمة واتساع فجوة الخلافات بين واشنطن وطهران، وإمكانية قيام القوات الامريكية والإسرائيلية بضربات عسكرية محدودة وقصف جوي على البنى التحتية للصناعات العسكرية والمنشأت الصناعية الإيرانية.
استندت الزيارة الباكستانية إلى إيران على عدة احتمالات واراء لمحاولة الابتعاد عن أي عودة للقتال، والأخذ بالعرض النهائي الذي قدمه نائب الرئيس الأمريكي ( جي دي فانس) بعد مغادرته العاصمة ( اسلام آباد) والإشارة إلى أن الإدارة الأمريكية ستمهل طهران بعض من الوقت لدراسة العرض الأمريكي مع التزام أكيد من إيران بأنها لن تسعى إلى تطوير أسلحة نووية.
وجاء الضغط الأمريكي عبر الحصار البحري والتلويح بالتصعيد العسكري والعودة للقتال مرة أخرى، ليجعل عملية الوساطة الباكستانية تجري تحت استئناف المفاوضات بأسلوب الضغط والردع المستمر عبر التهديد بتدمير البنية التحتية للطاقة مالم يتم التوصل لاتفاق بشأن وضع حد للمواجهة العسكرية واتباع السبل الكفيلة لانجاح المبادرات الإقليمية،
وهذا ما جعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصرح مساء يوم السادس عشر من نيسان 2026 بأن إيران (وافقت على كل شيء تقريبًا) وأكد أن إيران وافقت على عدم امتلاك سلاح نووي، وعلى تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب وعدم امتلاكها سلاح نووي مدة عشرين عامًا ، معلنًا أمكانية ذهابه إلى إسلام أباد إذا تم التوصل لاتفاق شامل.
أن قيام إيران بالموافقة على الشروط الأمريكية يعني أنها فقدت جزءًا مهمًا من قدرتها على الردع والدفاع ولم تعد القوة القادرة على تهديد جيرانها أو التمدد والهيمنة في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي وتنفيذ أهدافها في تحقيق مشروعها السياسي الإقليمي وتخليها عن وكلائها وادواتها في الإقليم.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة