بعد شهر من الحرب في الشرق الأوسط: صدمة الطاقة والتجارة تهز الاقتصاد العالمي

بعد شهر من الحرب في الشرق الأوسط: صدمة الطاقة والتجارة تهز الاقتصاد العالمي

عامر العمران 

دخلت الحرب في الشرق الأوسط شهرها الثاني، اذ لاتزال الحدث الابر على مستوى العالم، ليس فقط بسبب تأثيرها المباشر على المنطقة، بل لما تسببه من صدمات اقتصادية تمتد إلى كل الأسواق العالمية. منذ اندلاع النزاع، شهدت أسواق الطاقة ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار النفط والغاز، نتيجة تعطّل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 30% من النفط العالمي و20% من الغاز الطبيعي المسال. هذا الاضطراب لم يقتصر على الأسعار، بل امتد ليشمل تكاليف النقل والتأمين وتأثيرها المباشر على سلاسل الإمداد العالمية، مما يجعل كل سلعة تقريباً أكثر تكلفة للوصول إلى الأسواق.
التجارة الدولية عانت بشكل واضح، فالشحن البحري أصبح أكثر تعقيداً، وتم تغيير طرق السفن لتجنب المناطق الساخنة، مما أدى إلى زيادة أمد الرحلات وتكاليفها. الرحلات الجوية ألغيت أو أعيد جدولتها في المراكز الحيوية الخليجية، مما أثر على حركة البضائع والأفراد على حد سواء. سلاسل الإمداد للمدخلات غير الطاقية، مثل المواد الخام والمكونات الصناعية، تعرضت لاضطرابات كبيرة، بينما أثرت هذه الأزمة بشكل حاد على شحنات الأسمدة والمواد الغذائية، إذ يمر نحو ثلث شحناتها عبر مضيق هرمز، ما يرفع من المخاطر على الأمن الغذائي العالمي.
اما مضيق باب المندب، الذي كان يمر عبره نحو 9% من التجارة العالمية، تراجعت حصته إلى 4% نتيجة المخاطر الأمنية، مع احتمال انخفاضها أكثر في حال تصاعد الهجمات.
الأسواق المالية لم تكن بمنأى عن هذه الصدمة؛ إذ شهدت تقلبات كبيرة في مؤشرات الأسهم والعملات والسلع خلال الشهر الأول من النزاع.
اما أسعار النفط فقط تجاوزت 115 دولاراً للبرميل، الامر الذي يمثل كابوساً تضخمياً، مع احتمال تباطؤ النمو، خاصة في الدول المستوردة للطاقة. توقعات التضخم العالمي كانت قد ارتفعت بنسبة تصل إلى 1.2 نقطة مئوية في بعض الاقتصادات، في حين يمكن أن يصل التضخم إلى 4% خلال 2026 إذا استمرت الحرب، وهو ما يشير إلى ضغط متزايد على المستهلكين والشركات.
الدول المصدرة للطاقة قد تستفيد جزئياً من ارتفاع الأسعار، لكن التأثير السلبي على الاقتصاد العالمي لا يمكن تجاهله. ارتفاع تكلفة الطاقة يؤثر على الإنتاج والنقل والتشغيل في القطاعات غير النفطية، بينما تواجه الدول المستوردة للطاقة ضغوطاً مالية متزايدة تهدد ميزان المدفوعات والنمو الاقتصادي.
الحرب أيضاً أعادت تشكيل خرائط التجارة، وأظهرت هشاشة سلاسل الإمداد العالمية أمام الصدمات الجيوسياسية. شركات كثيرة تبحث الآن عن بدائل فورية لتأمين المواد الخام والسلع الأساسية، في حين أن الدول المستوردة تواجه تحديات مزدوجة بين ارتفاع الأسعار واضطراب الإمدادات.
ما يظهر بوضوح حتى الآن، وفق صندوق النقد الدولي، أن المخاطر الاقتصادية تتصاعد وأن طول مدة الحرب واتساعها الجغرافي سيكونان العامل الحاسم في تحديد حجم هذه التداعيات. تأثيرات هذه الأزمة لن تكون متساوية بين الدول، لكنها بلا شك ستترك أثرها العميق على كل الأسواق العالمية، سواء من ناحية التضخم، أو النمو، أو استقرار التجارة وسلاسل الإمداد. العالم اليوم يقف على حافة صدمة اقتصادية واسعة، وما يحدث في الشرق الأوسط أصبح عاملاً أساسياً في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي على المدى القصير والمتوسط.
يمكن القول إن هذه الحرب اختبار حقيقي لصمود الاقتصاد العالمي أمام الصدمات غير المتوقعة. فكل ارتفاع في الأسعار، كل اضطراب في سلاسل الإمداد، وكل تذبذب في الأسواق المالية هو بمثابة تذكير صارخ بأن العالم امام إزمة حقيقية، وأن استمراها سيضاعف المعاناة على الجميع. وعليه الحكومات، المؤسسات، والشركات أمام تحديات جسيمة، بينما يترقب المستهلكون والمستثمرون كيفية تجاوز هذا الإعصار الاقتصادي، الذي قد يعيد رسم خريطة القوة والاقتصاد العالمي للأعوام القادمة.