ملامح الجولة الأولى من المفاوضات الأمريكية الإيرانية في اسلام آباد

ملامح الجولة الأولى من المفاوضات الأمريكية الإيرانية في اسلام آباد

جاء الاعلان الرسمي لدولة الباكستان بالقيام بمهمة الوساطة السياسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بعد (40) يومًا من المواجهة العسكرية، والعمل الجاد الميداني للتوصل إلى تفاهم لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين عبر هدنة مؤقتة تكون مفتاح رئيسي من أجل السعي لاتفاق دائم يرضي جميع الأطراف.
استجابت واشنطن وطهران للنداء الباكستاني وأعلنت موافقتهما على المدة الزمنية المحددة التي أعلنتها (اسلام آباد)، وحددت ملامح اللقاء ووضعت أجندات الحوار وأعدت أدوات المفاوضات التي يرغب الجانب الباكستاني في الوصول بها لتسوية شاملة والخروج من الأزمة السياسية والمواجهة العسكرية التي كان لها تأثيرها على الأوضاع الإقليمية والدولية.
وتدرك القيادة الباكستانية حقيقة الأنماط السياسية التي يتمتع بها الإيرانيين في أي مفاوضات يخوضونها أو أي طريق للحوار يسلكونه والتي تتسم بالتشدد ، كما يعلمون جيدًا الاستراتيجية السياسية والعملية التي يتمتع بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب وسعيه لتحقيقها، ولهذا فهي أعدت نفسها لكل الاحتمالات التي قد تؤدي إلى إطالة أمد المفاوضات ووضعت بدائل وأساليب تحافظ فيها على استمرار المفاوضات والحفاظ على ديمومتها.
يمكن النظر إلى أولى النقاط المهمة التي أخذت أهميتها من النقاش في العمل على حل معضلة فتح مضيق هرمز وتامين الملاحة فيه وإمكانية الاتفاق على رؤية مشتركة أو حلول ميدانية تسارع في عملية السماح بتدفق الناقلات وسفن الشحن وتسير البواخر وحمايتها وعدم الأضرار بالتجارة الدولية واسواق الطاقة العالمية وتسهيل مرور البضائع المهمة من الأغذية والأسمدة ومواد الحديد والصلب والالمنيوم.
أدركت الإدارة الأمريكية أن الورقة الرابحة والمفتاح الرئيسي الذي تتمسك به إيران سيكون ( مضيق هرمز) فسارعت وبتوجيه واشراف من قبل الرئيس ترامب بالقيام بمهمة تطهير المضيق، حيث بدأت قوة من الجيش الأميركي في 11 نيسان 2026 باعداد الخطط الميدانية الظروف المناسبة لإزالة الألغام من مضيق هرمز بعبور سفنتين حربيتين أميركيتين هذا الممر المائي الحيوي، في مهمة حيوية لضمان خلو المضيق تمامًا من الألغام البحرية التي زرعها الحرس الثوري الإيراني ، وإنشاء ممر جديد لقطاع النقل البحري قريباً، لتشجيع حرية حركة التجارة.
تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز منذ بداية المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية باضطراب في إمدادات الطاقة العالمية ، في ظل اعتماد نحو 30٪ من شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً على هذا الممر البحري الحيوي، وقال ترامب في منشور له عبر وسائل التواصل الاجتماعي (نبدأ الآن عملية تطهير مضيق هرمز كخدمة لدول العالم أجمع، بما فيها الصين واليابان وكوريا الجنوبية وفرنسا وألمانيا وغيرها الكثير، من المثير للدهشة أنهم لا يملكون الشجاعة أو الإرادة للقيام بهذا العمل بأنفسهم) ، وأن جميع قوارب زرع الألغام الإيرانية الـ28 أصبحت في قاع البحر.
حاولت إيران التعامل مع مضيق هرمز ليس كممر بحري دولي يخدم مصالح ومنافع دول العالم ويلبي احتياجاتهم من الطاقة والمواد والبضائع الأساسية الداخلة في البنية التحتية لاقتصاد بلدانهم، وإنما اعتمدته اسلوب واضح للمقايضة العملية في أي مفاوضات ومنها ما يجري في العاصمة الباكستانية ( اسلام آباد).
ولكنها جوبهت برفض شديد من قبل الوفد الأمريكي المفاوض الذي أوضح أن القانون الدولي يقر أن المضايق الدولية ليست ملكًا لدولة واحدة وأن المرور فيها لا يجوز تعليقه وتحويله حالة سيادة،وأنه ليس اسلوبًا سياسيًا وعسكريًا لفرض واقع الحال بالقوة والبعد عن الشرعية الدولية.
أعتمدت إيران الأهمية الاقتصادية لمضيق هرمز وجعلته في أولى اهتماماتها في جلسة الحوار مع الجانب الأمريكي بحضور الوسيط رئيس الوزراء الباكستاني، واستخدمته حالة ضغط سياسي واقتصادي ضد الرئيس الأميركي ترامب وادارته في محاولة منها للحصول على مكاسب سياسية تؤدي إلى غايات اقتصادية برفع العقوبات عنها وإطلاق اموالها المجمدة، على أن تناقش بعدها الأمور الأساسية المعتمدة في تفكيك برنامجها النووي وتحييد قوتها الصاروخية وإيقاف دعمها للمليشيات والفصائل المسلحة في منظور مشروعها السياسي الإقليمي.
وأخذ مسار النقاش أسس قانونية وضغوط أمريكية تزامن مع عملية توسيع الانتشار العسكري الأمريكي بهبوط تسع طائرات في ثلاث قواعد مختلفة بالشرق الأوسط، ثمانية منها نوع (C17) المتخصصة بحمولة المعدات الثقيلة والعربات القتالية التي تعد العمود الفقري اللوجستي للقوة الجوية الأمريكية بنقل جنود مشاة البحرية ومعداتهم القتالية، وأما الطائرة الأخرى فهي نوع C5M والتي تستطيع حمل دبابتين إبرامز و6 طائرات مروحية ومئات من جنود البحرية الأمريكية، مع اقتراب وصول حاملة الطائرات الثالثة ( جورج بوش الأب) من سواحل المغرب تمهيدًا لدخولها منطقة العمليات في الشرق الأوسط مع ارسال (2000) جندي إضافي، مع إعطاء نص قانوني اقرته محكمة العدل الدولية (أن المرور البريء في المضائق الدولية زمن السلم لا يخضع لترخيص مسبق من الدولة الساحلية ما دام المرور بريئا) وهو المعنى المبسط لهذه القاعدة أن الدولة المشاطئة تملك حق الأمن والتنظيم والسلامة، لكنها لا تملك حق تحويل المضيق الدولي إلى بوابة إذن سيادي مطلق، وتحاول إيران الالتفاف على اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بقانون البحار التي وقعت عليها عام 1982 لكنها لم تصادق عليها، في حين أن سلطنة عُمان اعترفت بها وتم المصادقة عليها من قبلها عام 1989، ومضيق هرمز خليجيًا ليس ممرًا عاديًا بل إنه عقدة تصل المياه الخليجية بخليج عمان وبحر العرب، ومر عبره في النصف الأول من 2025 نحو 20.9 مليون برميل يوميًا، أي ما يعادل قرابة خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية.
وسوقت إيران وقبل بدأ المفاوضات بيانًا صدر من المجلس الاعلى للأمن القومي الايراني قال فيه ( أن أحد بنود اتفاق وقف إطلاق النار هو أن المرور عبر هرمز سيكون ممكنًا فقط بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية)، وهو ما يعني اصرارًا إيرانيًا على اعتماده بندًا أساسيًا في المفاوضات، وهو ما انتبهت إليه الولايات المتحدة الأمريكية واتخذت إجراءاتها العمليه في عملية التطهير.
يرى الإيرانيون أن ليس هناك ما يمكن أن يخسروه في إطالة المفاوضات أو خلافها بعد أن فقدوا رأس الهرم السياسي لنظامهم المرشد علي خامنئي وعديد كبير من قياداتهم السياسية والعسكرية ولم يتبقى منهم إلا القلة ومنهم من يفاوض الان مع المسؤولين الامريكان، ويسعون إلى إيجاد فواصل متماسكة تساعدهم على تحقيق غاياتهم برفع العقوبات الاقتصادية وإطلاق الأموال المجمدة وضمانات بعدم العودة للمواجهة العسكرية والحفاظ على نظامهم السياسي، وهذا ما يُسوق له قيادات الحرس الثوري الإيراني بأن المفاوضات تسير وفق رؤية قائد الثورة الإيرانية ومؤسس جمهوريتها الخميني.
أن المسؤولين الإيرانيين بين الاختيار المناسب في بقاء نظامهم وديمومة وجودهم والتعايش مع واقع إقليمي جديد ومغادرة سياسة الصبر الاستراتيجي والمرونة السياسية والبراغماتية الخامنئية.
إذا ما تحرر الوفد المفاوض الإيراني من هيمنة وتدخل قيادات الحرس الثوري فإنه يتمكن من الوصول إلى تفاهمات تتماشى مع اعتبارات وأسس قدمها شخصيات سياسية معتدلة واصلاحية أهمها ( محمد جواد ظريف ومحمد خاتمي) تسعى لحماية بلدهم ونظامهم والحفاظ على ما تبقى منه، والاستمرار الحوار المتبادل مع المفاوض الأمريكي وتحقيق اتفاق شامل يوصل النتائج ميدانية تنهي الأزمة السياسية القائمة وتمنع العودة للمواجهة العسكرية.

وحدة الدراسات الإيرانية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية