معمر فيصل خولي
لم تكن لتركيا صناعات دفاعية مستقلة حتى نهاية الحرب الباردة، ومع وصول حزب العدالة والتنمية بدأت تركيا في تقليل اعتمادها على مصادر التسليح الأجنبي. وانسجامًا مع هذا التوجه العسكري الجديد في الدولة التركية. ففي يوم الثلاثاء الفائت، وضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، توقيعه على أول صاروخ “تايفون بلوك-4″ فرط صوتي إنتاج وطني.
وفي هذه المناسبة قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، :”إن تركيا تتجاوز مرحلة جديدة في مساعيها نحو تحقيق الاستقلال الكامل في الصناعات الدفاعية، مشيرا إلى افتتاح منشآت إنتاج ومراكز بحث وتطوير وتسليم منظومات صاروخية وأنظمة دفاع جوي متقدمة”. وفي البعد الجيوستراتيجي أكد الرئيس رجب طيب أردوغان: ” أن تركيا تسعى للعب دور فاعل في تشكيل النظام الدولي الجديد، لامتلاكها قدرات صناعية وتكنولوجية متقدمة”.
أما اقتصاديًا، ومع مجيء حزب العدالة والتنمية إلى حكم تركيا نمت الصناعات العسكرية الدفاعية التركية، وهذا ما أشار إليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حيث انخفض الاعتماد على الخارج من 80% إلى 20%. وتجاوزت المبيعات القطاع 20 مليار دولار. وبلغ الانفاق على البحث والتطوير نحو 3.5 مليارات دولار. وتنفيذ أكثر من 1400 مشروع بقيمة إجمالية تقارب 100 مليار دولار.
وفي هذا السياق أيضًا، قال أردوغان:” إن صادرات الصناعات الدفاعية تجاوزت 10 مليارات دولار العام الماضي، بينما بلغت نحو 1.9 مليار دولار في الربع الأول بزيادة 12.1%، مؤكدا أن الهدف هو الوصول إلى 11 مليار دولار بحلول عام 2028، والدخول ضمن أكبر عشر دول عالميا في هذا المجال”. هذه الأرقام تنسجم مع رؤية المجلس الأمن القومي التركي لعام 2026م، كما تعكس أيضًا تعكس التحول العميق في العقيدة العسكرية التركية.
وبهذا الانتاج الذي لم يأت بسرعة فائقة جدًا أو في وقت قصير للغاية،بل جاء نتيجة تراكم يمتد لعقود داخل برنامج الصواريخ بعيدة المدى “الباليستية”، والذي يعد تقدمًا عسكريًا وتكنولوجيًا للدولة التركية، انضمت تركيا رسميًا لنادي الدول للصواريخ الفرط صوتية إلى جانب كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية. وهذا الإنتاج يدل أيضَا على أن تركيا لم تعد مستوردة ومستهلكة للتكنولوجيا فقط بل تنتجها وتدمجها في عقيدتها العسكرية.
هذا الإنتاج الصاروخي ليس مجرد صاروخ للردع بل يأتي في سياق بناء وتعزيز تركيا من قدراتها العسكرية لمواجهة أي تهديدات عسكرية أو وجودية للدولة التركية، لاسيما بعد أحداث السابع من أكتوبر عام 2023م، وما ترتب عليها من نتائج سلبية أصابت ما يسمى بمحور المقاومة، ودعوات نتنياهو لإقامة إسرائيل الكبرى وليس بالضرورة اقامتها عبر التوسع الجغرافي وإنما فرض إرادتها على الدول في بيئتها الإقليمية، وهو ما يعرف في العلاقات الدولية في نظرية ” التأثير”.
كما إن هذه المنظومة الجديدة من الصواريخ رسالة من تركيا إلى دول الجوار من الخصوم كاليونان والقبرص التي تتسم علاقتها معهما بعداء تاريخي وجيوسياسي عميق وتناقض المصالح في شرق البحر المتوسط، بأن تركيا لديها القدرة العسكرية في الحفاظ على مصالحها الحيوية حتى لو اضطرت إلى استخدام القوة العسكرية في سبيل ذلك.
يأتي هذا التقدم التركي في مجال إعادة بناء قوتها العسكري في الوقت الذي تتزايد فيه المخاطر والتحديات الأمنية والعسكرية على المستوى العالمي، وتهدف تركيا من هذا التقدم في مجال البرنامج الصاروخي أن تكون جزءًا فاعلًا ضمن توزنات القوة العالمية المتغيرة، بعد أن تآكل النظام الدولي ومؤسساته الدولية كالأمم المتحدة التي لم يكن لها دور يذكر في وقف حرب إسرائيل على غزة أو حرب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران فقرار وقف اطلاق النار في تلك الحالتين لم يكن قرارًا صادر عن هيئة الأمم المتحدة المعنية في حل النزاعات بين الدول بالطرق السلمية وإنما قرارًا دوليا اقتضته مصالح الدول المنخرطة أو الداعمة للحرب.
يبدو أن شهر نيسان / إبريل ليس فقط شهرًا للاحتفال بموسم أزهار التوليب في تركيا وإنما أيضًا بداية مرحلة من التقدم العسكري في مجال القدرات الصاروخية في مرحلة ما بعد الردع، لتضع تركيا نفسها على خارطة التوازنات الجيوسياسية في نظام عالمي يعاني من الاضطراب.