اختيار ” ذو القدر ” … هل تسير إيران نحو التشدد أو الانفتاح على العالم ؟

اختيار ” ذو القدر ” … هل تسير إيران نحو التشدد أو الانفتاح على العالم ؟

يأتي تعيين محمد باقر ذو القدر أمينًا عامًا لمجلس الأمن القومي الإيراني في ظل تصاعد حدة المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية واستهداف مقرات واماكن وهيئات وقيادات الحرس الثوري مع موافقة مبدئية للمرشد مجتبى خامنئي على التفاوض المباشر لإيجاد حلول سياسية تفضي إلى اتفاق حول محور العلاقة القادمة مع الولايات المتحدة الأمريكية وتفكيك البرنامج النووي الإيراني وإيقاف العمل في تطوير مديات الصواريخ الباليستية والوضع العام في مضيق هرمز وإيجاد هيئة دولية لادارته.
أن أهمية المنصب السياسي الأمني الذي كلف به ( ذو القدر) كونه على ارتباط مباشر بمراكز القرار السياسي والاستخباري والمكاتب الرئيسية التي ترتبط بالمرشد الأعلى، وما يميز عملية التكليف أنها أعطت المسؤولية لشخص يتمتع بخبرة أمنية وعسكرية في إدارة الملفات الإستراتيجية المتعلقة بأمن الدولة الإيرانية ومشروعها العقائدي السياسي في التمدد والنفوذ، كما أن الأمر يؤكد حاجة القيادة الإيرانية لرجل يستطيع من العودة لإدارة الملف السياسي وملأ الفراغ الذي أحدثه غياب علي لاريجاني الذي تم استهدافه من قبل الدوائر الاستخبارية الإسرائيلية في الثامن عشر من آذار 2026 والذي اعتبر غياب
لشخصية سياسية كان لها دور بارز في هيكلية المؤسسة القيادية الإيرانية.
وعندما تستلم شخصية عسكرية أمنية مهمة الإشراف على المجلس الأعلى للأمن القومي، يعني قيامها بتنفيذ المهام الأساسية التي تحمي النظام وتشمل وضع الإستراتيجيات العامة للأمن القومي والسياسة الدفاعية وادامة التنسيق مع جميع الدوائر والمؤسسات العسكرية، وتحديد أطر إدارة الملفات المتعلقة بالبرنامج النووي والعلاقات الإقليمية والدولية.
تمثل عملية اختيار ( محمد باقر ذو القدر) نظرة واقعية لتوجه النظام الإيراني نحو الاعتماد على المسار الأمني في إدارة الدولة وتنفيذ سياساتها الاستراتيجية في مرحلة مهمة من التاريخ السياسي الإيراني الذي تتعرض فيه الدولة لمواجهة عسكرية إسرائيلية أمريكية واسعة.
ولد ( ذوالقدر) في مدينة فارس جنوب إيران سنة 1954، وعمل قبل لجان الاغتيالات والعمليات الخاصة التي كان يطلق عليها (مجموعة الأصولية الأمنية) وقام اغتيال أحد المستشارين الإيرانيين في الأحواز في عهد شاه إيران، وعمل في اللجان الثورية والتحق بالحرس الثوري الإيراني أثناء الحرب العراقية الإيرانية ثم تولى مسؤولية التدريب في تشكيلات الحرس ومارس دوره مساعدًا لشؤون التعبئة في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، لينتهي الأمر به نائبًا للقائد العام للحرس الثوري، وينظر إليه كشخصية عسكرية قيادية أمنية تتمتع بخبرة واسعة وأنه من المشاركين في تشكيلة الهرم السياسي والأمني لإيران منذ عام 1979.
تواجد ( محمد باقر ذو القدر) على رأس المؤسسة الأمنية الإيرانية، يمثل هيمنة النفوذ الأمني للحرس الثوري على السياسة العامة لإيران ومستقبل نظامها وبقائه والتمسك بتنفيذ أسس وركائز المشروع الإيراني في منطقة الشرق الأوسط والتي كانت من سمات وملامح المحاور الرئيسية في علاقات إيران بمحورها الإقليمي والعربي عبر عقود من الزمن، كما سيكون له دور ميداني في إدامة زخم العلاقة مع جميع الأجهزة الأمنية الإيرانية التي تتميز بتعدد مراكز القرار فيها وتوحيد صلاحيات فيلق القدس ووزارة الاستخبارات والجهاز الأمني للحرس الثوري وأستخبارات الشرطة، لمنع أي حالة من التضارب والتباعد بينها في ظرف خاص ومهم تعانيه إيران في مواجهتها الضربات الجوية والصاروخية الأمريكية الإسرائيلية، وتوسيع الجهد الأمني الميداني في كشف الخلايا الداخلية والشبكات الأمنية التي تعمل لصالح واشنطن وتل أبيب والتي كان لها نشاطها المؤثر أثناء المواجهة في حزيران 2025.
يحاول النظام الإيراني عبر اختياره لرئيس جديد للمجلس الأمن القومي أن يؤكد أنه لايزال متماسكًا في حالة الردع المباشر مع الولايات المتحدة وإسرائيل وأنه يتمتع بمستويات عالية من المواجهة رغم الخسائر الكبيرة في منظموماته العسكرية والأمنية وعلى كافة المستويات والتي كانت من اولوياتها مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وقيادات سياسية وأمنية عليا.
وهناك العديد من الأسئلة التي يمكن طرحها بعد الاختيار الأمني الإيراني الجديد لخلافة علي لاريجاني، هل سيكون هناك مفاوضات حقيقية واتفاق مستقبلي ووضع أسس واضحة لمستقبل النظام الإيراني وكيفية إدارة الدولة فيه ومعطيات التعامل مع أي قيادة جديدة، في ظل وجود قيادات أمنية تتميز بتمسكها بالعقيدة السياسية والاستخبارية ذات الأبعاد الاستراتيجية التي تمثل حقيقة الدور الإقليمي الإيراني، وهل سيكون هناك حالة من التوازن السياسي في ظل الضغوط الأمريكية التي تفرض على القيادة الإيرانية بعد النتائج الميدانية للمواجهة العسكرية التي مضى عليها ثلاثة أسابيع؟
القيادات العسكرية في فيلق القدس والحرس الثوري الإيراني ترى في التفاوض مع إدارة الرئيس دونالد ترمب حالة انكسار لها وضعف في المناورة، فأي عملية تنازل دون وجود أدوات ضاغطة أو موازية في الحوار الثنائي قد لا تفضي لتسويات عادلة، بل تفضي إلى مزيد من الضغوط السياسية مما يكبد النظام الإيراني خسائر مهمة ذات أبعاد استراتيجية على المستوى الإقليمي.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة