مقايضة البرنامج النووي ببقاء النظام الإيراني

مقايضة البرنامج النووي ببقاء النظام الإيراني

جاء إعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في السابع عشر من نيسان 2026 أن (مضيق هرمز مفتوح أمام جميع السفن التجارية للفترة المتبقية من وقف إطلاق النار، وأن القرار يتماشى مع خطوة إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان)،ليلقي الضوء على العديد من الاحتمالات القائمة والمتعلقة بالمبادرة الباكستانية وكيفية التعامل مع الشروط الأمريكية والغايات الإيرانية وإمكانية عقد الجولة الثانية من المفاوضات الأمريكية الإيرانية في ( اسلام آباد) والخروج بصيغ فاعلة وأدوات ميدانية تساهم في تعزيز عملية وقف القتال والاعداد لاتفاق سياسي واقتصادي شامل يفضي إلى عملية تفكيك للبرنامج النووي الإيراني وطرح فكرة التعويض المالي الذي تطلبه إيران لقاء تسليمها مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ والبالغ (400) كغم وكما اوضحته الرسالة التي سلمت إلى رئيس أركان الجيش الباكستاني ( عاصم منير) والسعي الحثيث لمناقشة كل القضايا المتعلقة ببرنامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وتحديد مدياتها بما لا يؤثر على الأمن الإقليمي وأمن الدول المجاورة لإيران وإيقاف الدعم الذي تقدمه قيادات فيلق القدس والحرس الثوري إلى وكلائها وادواتها في الشرق الأوسط والوطن العربي لتنفيذ مشروعها السياسي في التمدد والنفوذ.
تابعت الولايات المتحدة الأمريكية القرار الإيراني والذي تحدث عنه الرئيس دونالد ترامب قائلاً (لقد أعلنت إيران للتو أن مضيق هرمز مفتوح بالكامل وجاهز لعبور كامل.. شكرا)
ولكنه أكد أمرًا مهمًا وهو أن (الحصار البحري الأمريكي سيظل ساريا بالكامل فيما يتعلق بإيران ‌فقط، إلى حين ‌إتمام اتفاقنا معها بنسبة 100٪، والعمل مستمر من أجل إتمام العملية بسرعة كبيرة لأن معظم النقاط تم التفاوض عليها بالفعل) .
سعى المسؤولين الإيرانيين للحفاظ على ما تبقى لهم من إمكانيات عسكرية تمثل جزء من قوتهم الصاروخية التي تعتبر حالة ردع مقابل لأي هجمات جوية ومواجهة عسكرية محتملة وحماية لأنهم القومي، وتخصيب لليورانيوم بنسب معتدلة لأغراض سلمية، مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية وإطلاق الأموال المجمدة وعودتها لسوق الطاقة العالمية وتعزيز علاقتها مع دول العالم وترميم علاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن فقدت مرشدها الأعلى علي خامنئي وعدد من قياداتها السياسية والعسكرية والأمنية وانكشف عمقها الميداني ومجالها الجوي والبحري بضرب البنية التحتية لقواتها وسفنها وناقلاتها البحرية العسكرية وضعفت امكانية ودور ميليشياتها ووكلائها في الإقليم وتحطيم مصانع أسلحتها وذخائرها ومؤسساتها البحثية وجامعاتها ومراكزها الأمنية والعسكرية وجسورها وطرقها ومطاراتها، واضطرارها للتفاوض والجلوس على طاولة الحوار مع الولايات المتحده الامريكيه.
تسعى إيران للتمسك باصول عقيدتها السياسية وبنيتها الاستراتيجية التي قامت عليها منذ شباط 1979، لأنها تدرك أنها لم تخسر مواجهة عسكرية أو جولة ميدانية من الضربات الجوية والصاروخية والاغتيالات السياسية، وإنما تعرضت لخسارة جسيمة تمثلت في شبكة نفوذها الإقليمي ومنظومة الردع المباشر وسياستها في نقل أي مواجهة لها إلى ميدان أراضي بلاد أخرى ضمن عملية الاحتواء والابتعاد عن حافة الهاوية.
ويرى المسؤولين الإيرانيين القائمين الأن على إدارة شؤون بلادهم، إن إيران لم تخسر المواجهة العسكرية مع القوات الامريكية والإسرائيلية لأن نظامها السياسي لم يسقط ولم تتحق أهدافهما وبقي قائمًا في المشهد العام الإيراني، ولكنها تحاول الابتعاد عن حقائق جوهرية بمقتل قياداتها وتضررت بنيتها العسكرية والاقتصادية وضعفت امكانياتها وادواتها في الردع واستمرارها في المواجهة الميدانية، وتحاول أن تمنح شعوبها حالة من الأمن والاطمئنان وجرعات من التفاؤل والأمل والتشدد في معالجة حالة الضعف الذي أصاب بنية النظام وهيكليته السياسية والعسكرية والأمنية وعمق أزماته الاجتماعية وزاد من مشاكله الداخلية.
أن ما اقدمت إليه المؤسسات العسكرية الإيرانية وادواتها ووكلائها ومليشياتها من استهداف للاقطار مجلس التعاون الخليجي العربي ، ايقظت حالة المواجهة الحقيقية ورسمت ملامح مستقبل العلاقة السياسية بينهم، وثبت بالواقع الميداني ما كان العديد يحذر منه من مشروع إيران التوسعي وأهدافها في التمدد والهيمنة، وهذا ما سيعطي قدرًا من الاعداد الميداني عبر خطط استراتيجية تعزز فيها عواصم الخليج العربي من قدرتها الدفاعية وتطوير منظموتها العسكرية وتوسيع خياراتها الأمنية مع قوى دولية وإقليمية والبحث عن بدائل استراتيجية لنقل النفط والغاز عبر الأنابيب بعيدًا عن مضيق هرمز وباب المندب، رغم أن الحوثيين لم يدخلوا في بداية المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية ولكنهم استخدموا صواريخهم وارسلوها إلى مدن تل أبيب حيفا في الأيام الأخيرة.
تدرك إيران وهي تخوض غمار المفاوضات مع الولايات المتحده الامريكيه أنها تعرضت لقصف منشآتها النووية في حزيران 2025 وانتقلت من حروب عابرة وبالوكالة إلى مواجهة مفتوحة مباشرة إصابتها في عمقها الداخلي مع بداية يوم 28 شباط 2026 وادت إلى مقتل قائدها الروحي والسياسي ومرشدها علي خامنئي وعدد كبير من قيادتها الميدانية في الحرس الثوري ووزاراتها الدفاعية والاستخبارية والعلمية، إن مواجهة واقع الحال يعطي المفهوم السياسي العام مجال للمرونة واستخدام الطرق والوسائل للوصول إلى الغايات المنشودة عبر برغامتية محسوبة وأهداف محددة، وهذا ما فعله الوفد المفاوض الإيراني وما أقدم عليه المسؤولين الإيرانيين في حواراتهم وجلساتهم مع الوسيط الباكستاني في زيارته إليهم بعاصمتهم ( طهران)، وسعت إيران إلى استخدام ملف البرنامج النووي كردع استراتيجي لها وعملت على التفاوض عليه للحصول على أهدافها برفع الحصار الاقتصادي وسلامة وبقاء نظامها السياسي، وادركت أنها لا تستطيع المطاولة الاقتصادية وتحمل الأعباء المالية كما هي في المطاولة السياسية التفاوضية، واعتمدت طهران على قدرتها في إطالة أمد المواجهة والجلوس لطاولة المفاوضات أملًا في انتزاع صفقة سياسية تتيح بقاء نظامها والابتعاد عن أي عقوبات إضافية تضعف بنيتها الاجتماعية والاقتصادية والتي سبق وأن أدت إلى انهيار عملتها المالية وزيادة التضخم المالي واتساع البطالة في عموم المجتمع الإيراني ووسعت من الاحتجاجات والتظاهرات الميدانية لأبناء الشعوب الإيرانية، وهي تعلم جيدًا أن تداعيات نهاية المواجهة مع الولايات المتحده الامريكيه وإسرائيل سيشكل لها تحد حقيقي في مواجهة ازمتها الداخلية لنظام انهكته الحرب وستتكشف آثارها ونتائجها مع مرور الزمن، فالضربات الجوية والتي بلغت (13) ألف طلعة تتطلب عملية إعادة اعمار كبيرة وعلى النظام مواجهتها بشكل مباشر مع تعامل دقيق مع أي انقسامات داخلية وأزمات سياسية تعصف بنظامه تؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني.
تبقى العقيدة السياسية والعسكرية الإيرانية قائمة على ثوابت محددة، يتمسك بها المسؤولين الإيرانيين مهما كانت مواقعهم ومراكزهم وظروف ادارتهم لدولتهم، على أن الهدف الرئيس الأهم لهم هو الحفاظ على النظام السياسي وبقائه مهما بلغت التضحيات ومهما كان الثمن.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة