قمة “أنقرة” رسائل أمريكية أوربية لإيران

قمة “أنقرة” رسائل أمريكية أوربية لإيران

تستضيف العاصمة التركية ( أنقرة) يومي 7و8 تموز 2026 القمة السادسة والثلاثون لحلف شمال الأطلسي، تتركز المحاور الرئيسية للقمة على خمسة ملفات ( ترميم الشرخ البيني بعد حرب إيران، واختبار إمكانية إحداث اختراق تفاوضي أو عسكري في الملف الأوكراني الروسي وإعادة توزيع الأعباء الدفاعية مع ترسيخ هدف الإنفاق عند 5٪ وإطلاق ثورة صناعية دفاعية).
سيعتمد موضوع مهم يتعلق بمدى التعاون الجاد بين دول حلف شمال الأطلسي بعد المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية والتي شكت نقطة خلاف رئيسي بين الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول الحلف، حيث لم يتم مساندة واشنطن بالقدر الذي كانت تتوقعه إدارة الرئيس دونالد ترمب، وستكون أمام رؤوساء الدول مهمة سياسية اقتصادية تتسع شموليتها من الدفاع الأمني عن أوروبا إلى منظمومة تشمل ممرات الشرق الأوسط وسلاسل الإمدادات والدور الميداني وطبيعته الذي يتعين القيام به، ضمن نظرية سياسية قائمة على أن أمن الشرق الأوسط يدخل ضمن دائرة الحسابات الأطلسية بعد المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، ولم يعد أمن الخليج العربي والشرق الأوسط قضية إقليمية، بل أصبح جزءًا من الأمن الأطلسي، وهو مايعني أن أي اتفاق مع إيران سيقاس بمدى تأثيره على أمن الملاحة والطاقة والصواريخ والوكلاء الإقليميين.
وأمام هذا الاهتمام الأوروبي، سيكون من أولويات الاجتماع الموسع تهدئة الأجواء المتوترة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقادة الدول الحليفة، لتقريب وجهات النظر وتأكيد الحرص الدائم الذي تلتزم به أوروبا في البقاء على علاقات متميزة ودائمة مع واشنطن بعد الانتقادات الكبيرة التي َوجهها الرئيس الأميركي لأعضاء في حلف الأطلسي متهمًا إياهم بعدم بذل ما يكفي لمساعدة الولايات المتحدة في حرب إيران، مع التلويح بإمكانية الانسحاب من التحالف أو تجاهل ميثاق الدفاع المشترك ، وهنا من الممكن النظر إلى أن قمة أنقرة ليست محطة تفاوض مع إيران بحد ذاتها، بل محطة لإعادة تشكيل ميزان القوة الذي ستجري في ظله المفاوضات، لذلك قد تكون مخرجاتها أكثر تأثيرًا في مستقبل التفاوض من أي جولة تفاوضية قادمة.
واذا نجحت القمة الأطلسية في تقليص، الخلافات الأمريكية الأوروبية، فإن موقف المفاوض الأمريكي سيصبح أكثر قوة، أما إذا برزت خلافات داخل الحلف حول كيفية التعامل مع إيران، فقد تحاول طهران استثمارها لتحسين شروطها التفاوضية، وهنا تبرز الأهمية السياسية التي وردت على لسان الرئيس ترامب بقوله ( أن حلف الناتو يحتاج إلى تحديث، وأنه يفرض عبئا ثقيلًا على الولايات المتحدة الأمريكية)، وهو الكلام الذي جاء في سياق انتقادات حادة لقادة الدول الاوربية الحليفة بعد رفضهم الاستجابة لدعوته إلى دعم جهود إعادة فتح مضيق هرمز.
التوجه الاستراتيجي في تأكيد الشراكة السياسية والاقتصادية والعسكرية لدول حلف الأطلسي مع عديد من دول العالم، تم عبر تخصيص فقرة رئيسية في البرنامج الرسمي للقمة الأطلسية في 7 تموز 2026، تبدأ باجتماع لوزراء خارجية مبادرة (إسطنبول للتعاون) وهي برنامج شراكة أطلقه الناتو في قمة إسطنبول 2004، يهدف إلى تعزيز التعاون الأمني الثنائي مع قطر والبحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة، وهو ما يشير للاهتمام الجاد والفاعل في تعزيز صناعة الدفاع والاستثمار في الإنتاج الدفاعي والذي أصبح من أولويات حلف الأطلسي، ومن خلاله سيعقد منتدى (صناعة الدفاع) في 7 تموز 2026 بمركز مؤتمرات أنقرة بمشاركة كبار مسؤولي الناتو والدول الحليفة والشركاء إلى جانب قادة قطاع الصناعة.
تكتسب أهمية انعقاد القمة السادسة والثلاثون انها تُعقد في وقت يشهد فيه العالم تطورات جيوسياسية واسعة ونقاشات داخلية تمس مستقبل علاقة حلف الأطلسي مع حلفائها وشركائها وموقعها وتأثيرها في هيكلية النظام الدولي، وسيكون من أهم قرارات القمة ما يتعلق بمسار الحرب الروسية الأوكرانية ونتائج المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية وآثارها العميقة على الأوضاع السياسية والامنية في المستويين الإقليمي والدولي، في لحظة حاسمة يعاد فيها ترتيب وبناء الهيكل الأمني الأوروبي ويتعرض مستقبل الشرق الأوسط لمتغيرات سياسية تعيد بنائه من جديد، وهو ما سيفرض عملية توحيد الموقف الغربي تجاه إيران والتي ستكون حاضرة بقوة، وهو الهدف الذي تسعى إليه الولايات المتحدة الأمريكية لبلورة موقف أطلسي يدعم أي تفاوض مع إيران من موقع قوة بحيث يقترن الانفتاح الدبلوماسي باستمرار الضغط العسكري والاقتصادي، وارسال رسالة لإيران أن تعزيز الصناعات العسكرية للناتو ليس موجهًا لروسيا فقط، وإنما يمتلك القدرة والامكانية على الاحتواء السياسي والعسكري لطهران اذا ما فشلت مفاوضاتها مع واشنطن، وعليها أن تدرك أن الدبلوماسية والحوار والتفاوض تستند جميعها لقوة الردع وليس العمل لتقديم تنازلات مجانية، وأن هناك رسالة مزدوجة لإيران من القمة تحمل موقفين ثابتين، يتمثلان بالقول أن الباب لايزال مفتوحًا أمام التسوية السياسية، لكن فشل المفاوضات سيقود إلى اصطفاف غربي أكثر تماسكاً وقدرات ردع اعلى.
أن الاتجاه الدولي السياسي والأمن يتجه نحو إعادة تشكيل موازين للقوى في الشرق الأوسط، فأين سيكون موقع إيران ودول المنطقة والقوى الإقليمية في هذا النظام الجديد، هذا ما ستؤول إليه نتائج القمة الأطلسية في أنقرة.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية