عامر العمران
في كركوك، لا يخرج النفط من باطن الأرض فحسب، بل تخرج معه أسئلةٌ ثقيلةٌ بحجم الثروة التي تختزنها تلك الأرض. مدينةٌ نامت على بحرٍ من الذهب الأسود، لكنها لم تستيقظ بعد على رخاءٍ يوازي ما قدمته لخزائن الدولة على مدى عقود. فبين وفرة الموارد وشحّ التنمية، وبين غنى الأرض وتواضع العائد، تقف كركوك شاهدةً على واحدة من أكثر المفارقات الاقتصادية إثارةً في العراق الحديث. هنا تتجاور آبار النفط مع حقول القمح، وتتقاطع طرق التجارة مع مسارات السياسة، لكن المدينة التي أغنت الوطن ظلت تبحث عن نصيبها من الازدهار. فكيف تحولت كركوك، وهي منبع الثروة ومهد الصناعة النفطية العراقية، إلى نموذجٍ لاقتصادٍ يصدّر الموارد أكثر مما يصنع التنمية؟ ولماذا بقيت عاصمة النفط بعيدةً عن أن تصبح عاصمةً للاقتصاد؟
ثروة نفطية هائلة… عوائد تنموية محدودة
منذ اكتشاف حقل بابا كركر عام 1927، لعبت كركوك دوراً محورياً في صناعة النفط العراقية، وتحولت إلى ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني. لكن بعد ما يقرب من قرن من الإنتاج النفطي، لا تزال المدينة تطرح سؤالاً اقتصادياً معقداً: لماذا لم تنجح كركوك في التحول إلى عاصمة اقتصادية للعراق رغم الثروة الهائلة التي تختزنها أراضيها؟
تمتلك كركوك مقومات استثنائية تجعلها مؤهلة لتكون أحد أهم المراكز الاقتصادية في البلاد. فهي تضم مجموعة من الحقول النفطية العملاقة، أبرزها كركوك وباي حسن وخباز وجمبور، وتقدر احتياطاتها بنحو 9 مليارات براميل. فيما تقدر دراسات أخرى احتياطات حقل كركوك وحده بنحو 10 مليارات برميل. وتنتج المحافظة بحسب تقديرات وزارة النفط بين 300-320 ألف برميل يوميا. وفي بعض السنوات تجاوز إنتاج المحافظة 400 ألف برميل يومياً، وهو ما يشكل نسبة تتراوح بين 3% إلى نحو 10% من إجمالي الإنتاج اليومي للعراق، ويمثل مورداً مالياً ضخماً يدر مليارات الدولارات سنوياً وفقاً لمتوسطات أسعار النفط العالمية.
إمكانات معطلة خارج قطاع النفط
غير أن المفارقة تكمن في أن هذه الثروة لم تتحول إلى قاعدة تنموية واسعة داخل المحافظة. فكما هو الحال في أجزاء كبيرة من الاقتصاد العراقي، بقيت كركوك أسيرة النموذج الريعي القائم على استخراج الموارد الطبيعية وتصديرها دون تطوير حلقات إنتاجية وصناعية قادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية. فالنفط يوفر الإيرادات، لكنه لا يوفر فرص العمل بالقدر الذي توفره قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن القطاع النفطي، رغم مساهمته بأكثر من 90% من إيرادات العراق العامة، لا يستوعب سوى نسبة محدودة من القوى العاملة.
ولا تقتصر إمكانات كركوك على النفط وحده. فالمحافظة تمتلك أراضي زراعية واسعة تتجاوز مليوناً ونصف المليون دونم، وتعد من أبرز مناطق إنتاج القمح والشعير في العراق. كما تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي يجعلها نقطة وصل بين بغداد ومحافظات الشمال وإقليم كردستان، وهو موقع يمنحها فرصاً كبيرة لتكون مركزاً تجارياً ولوجستياً محورياً.
إلا أن هذه المزايا ظلت إلى حد كبير غير مستثمرة بالشكل المطلوب. فقد أثرت عقود من التوترات السياسية والخلافات الإدارية على استقرار البيئة الاستثمارية، ما دفع العديد من المشاريع إلى التوقف أو التأجيل. كما أدى ضعف البنية التحتية الصناعية إلى غياب الصناعات التحويلية المرتبطة بالنفط والغاز، وهي الصناعات التي كان يمكن أن تخلق آلاف الوظائف وتدعم الاقتصاد المحلي بعيداً عن الاعتماد على القطاع الحكومي.
وتجسد كركوك بوضوح ما يعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ “لعنة الموارد”، وهي الحالة التي تفشل فيها المناطق الغنية بالثروات الطبيعية في تحقيق التنمية المستدامة بسبب الاعتماد المفرط على مورد واحد. فبدلاً من أن تصبح الثروة النفطية منصة للتنويع الاقتصادي، تتحول إلى عامل يحد من تطور القطاعات الأخرى ويجعل الاقتصاد أكثر عرضة للتقلبات.
كما أن جزءاً من المشكلة يرتبط بطريقة إدارة العائدات النفطية. فعلى مدى عقود، ذهبت الإيرادات إلى الموازنة العامة للدولة، بينما لم تحصل المحافظة على استثمارات تتناسب مع حجم مساهمتها في الاقتصاد الوطني. ونتيجة لذلك، بقيت تحديات البنية التحتية والخدمات وفرص العمل حاضرة رغم الثروة المتدفقة من باطن الأرض.
كيف يمكن لكركوك ان تصبح عاصمة اقتصادية؟
اليوم، تبدو الفرصة متاحة أكثر من أي وقت مضى لإعادة صياغة الدور الاقتصادي لكركوك. فالمدينة قادرة على التحول إلى مركز للصناعات البتروكيماوية، والصناعات المرتبطة بالطاقة، والتخزين والنقل والخدمات اللوجستية، فضلاً عن تطوير قطاعها الزراعي ليصبح أحد محركات الأمن الغذائي في العراق. لكن تحقيق ذلك يتطلب رؤية اقتصادية تتجاوز منطق استخراج النفط إلى بناء اقتصاد متنوع ومستدام.
ختاما، لا يكمن التحدي الحقيقي أمام كركوك في زيادة إنتاج النفط، بل في تحويل هذه الثروة إلى تنمية ملموسة. فالتاريخ أثبت أن المدن لا تقاس بما تملكه من موارد فقط، بل بقدرتها على استثمار تلك الموارد لصناعة مستقبل اقتصادي أكثر استقراراً وازدهاراً. ومن هنا يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستظل كركوك مدينة تنتج النفط للعراق، أم أنها ستنجح أخيراً في التحول إلى مدينة تصنع الثروة والتنمية معاً؟
