هل كانت الحرب جزءًا من لعبة أكبر؟ قراءة في فرضية المصالح المتبادلة بين واشنطن وطهران

هل كانت الحرب جزءًا من لعبة أكبر؟ قراءة في فرضية المصالح المتبادلة بين واشنطن وطهران

الباحثة شذا خليل*
مقدمة: ما الذي لا نراه؟

ليست كل الحروب تُحسم في ساحات القتال، وليست كل الانتصارات تُقاس بعدد الصواريخ أو الطائرات التي أُطلقت. فهناك وجه آخر للصراعات، لا يظهر في البيانات العسكرية ولا في المؤتمرات الصحفية، بل يتجلى في أسواق النفط، وأسعار التأمين، وحركة رؤوس الأموال، وأسواق السلاح، وقرارات المستثمرين.

لهذا يطرح هذا المقال فرضية تحليلية لا تدّعي وجود اتفاق سري بين الولايات المتحدة وإيران، ولا تستند إلى وثائق تثبت ذلك، وإنما تنطلق من سؤال يستحق النقاش: هل يمكن أن تؤدي الحروب، حتى بين خصوم معلنين، إلى نتائج تحقق مصالح متوازية لأكثر من طرف، من دون أن يعني ذلك وجود تنسيق مباشر بينهم؟

التاريخ يقدم أمثلة عديدة على أن الخصوم قد يخرجون من الأزمة بمكاسب مختلفة في الوقت نفسه. لذلك فإن قراءة النتائج الاقتصادية والسياسية قد تكون، في بعض الأحيان، أكثر أهمية من الاكتفاء بمتابعة تطورات الميدان العسكري.

النقطة العمياء الأولى: عندما يصبح الخوف سلعة عالمية

في الاقتصاد الحديث، لا تقتصر قيمة السلعة على النفط أو الغاز أو الذهب، بل قد تصبح المخاطر نفسها سلعة قابلة للتسعير. فكلما ارتفع مستوى التوتر في منطقة حيوية مثل مضيق هرمز، ارتفعت معه أقساط التأمين على السفن، وازدادت تكاليف النقل البحري، وأصبح المستثمرون أكثر حذراً في قراراتهم.

ولا يشترط أن يتوقف تصدير النفط حتى تتأثر الأسواق؛ ففي كثير من الأحيان، يكفي أن يشعر المتعاملون بأن احتمال التعطيل قد ازداد، فتبدأ الأسعار بالارتفاع تحسباً للمستقبل. لذلك فإن الأثر الاقتصادي للحرب يبدأ أحياناً قبل أن تقع أكبر المعارك، لأن الأسواق تتفاعل مع التوقعات بقدر تفاعلها مع الوقائع.

ومن هنا يبرز سؤال تحليلي مهم: إذا كانت تكلفة الخوف ترتفع مع كل تصعيد، فمن هي القطاعات أو الدول التي تستفيد من هذا الارتفاع؟ ومن هي الأطراف التي تتحمل فاتورته؟

النقطة العمياء الثانية: النفط… السلاح الذي يعمل حتى من دون إطلاق رصاصة

يُنظر إلى النفط عادة بوصفه مورداً اقتصادياً، لكنه في الأزمات يتحول إلى أداة تأثير جيوسياسي. فمجرد الحديث عن احتمال تعطل الملاحة في مضيق هرمز يدفع الأسواق إلى إعادة تقييم أسعار الطاقة.

وهذا لا يعني أن جميع المنتجين يستفيدون بالقدر نفسه، كما لا يعني أن جميع المستوردين يتضررون بالدرجة نفسها. إلا أن ارتفاع الأسعار يمنح بعض الدول المصدرة إيرادات أكبر على المدى القصير، بينما تتحمل الاقتصادات المستوردة تكاليف إضافية في الوقود، والنقل، والصناعة، والغذاء.

وهنا تظهر مفارقة لافتة؛ فقد يكون التهديد بإغلاق الممرات البحرية أكثر تأثيراً اقتصادياً من الإغلاق الفعلي، لأنه يبقي الأسواق في حالة ترقب مستمرة، ويجعل تكلفة المخاطرة جزءاً من سعر كل برميل نفط.

النقطة العمياء الثالثة: اقتصاد الحروب لا يقتصر على ساحات القتال

كلما ارتفعت التوترات الإقليمية، ازداد الطلب على أنظمة الدفاع الجوي، والطائرات المسيّرة، والذخائر، والخدمات الأمنية، والتقنيات العسكرية. ولا يقتصر الأمر على الحكومات، بل يمتد إلى شركات الدفاع، وشركات الأمن البحري، وشركات التأمين، التي قد تواجه زيادة في الطلب على خدماتها، وإن كانت تتحمل في الوقت نفسه مخاطر أكبر.

هذا لا يعني أن الحرب «مفيدة» اقتصادياً في مجملها؛ فالكلفة البشرية والمادية تبقى مرتفعة. لكنه يوضح أن آثارها الاقتصادية لا تتوزع بالتساوي، وأن بعض القطاعات قد تشهد نمواً مؤقتاً بينما تعاني قطاعات أخرى من التراجع وعدم اليقين.

النقطة العمياء الرابعة: مضيق هرمز… أكثر من ممر بحري

ينظر كثيرون إلى مضيق هرمز باعتباره ممراً تعبر منه ناقلات النفط، لكن أهميته تتجاوز ذلك بكثير. فهو يمثل نقطة استراتيجية تؤثر في حسابات الطاقة، والأمن البحري، والسياسة الدولية.

كلما ارتفعت المخاطر في هذا الممر، ازدادت أهمية القوى القادرة على حماية الملاحة أو التأثير فيها، وازدادت أيضاً قيمة البدائل، مثل خطوط الأنابيب أو الموانئ الأخرى. ومن ثم، قد تدفع الأزمات الدول إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الخاصة بأمن الطاقة وتنويع طرق الإمداد.

بمعنى آخر، فإن الصراع لا يغيّر فقط حركة السفن، بل قد يغيّر خريطة الاستثمارات والتحالفات لسنوات قادمة.

هل يمكن أن تكون النتائج أهم من النوايا؟

قد يختلف المحللون في تفسير أسباب التصعيد، لكنهم يتفقون غالباً على أن نتائجه تعيد توزيع المكاسب والخسائر. لذلك، فإن السؤال الأكثر إثارة ليس فقط: لماذا اندلعت الأزمة؟ بل أيضاً: من استفاد من آثارها؟

الإجابة لا تكون بالبحث عن نظرية واحدة تفسر كل شيء، وإنما بدراسة مجموعة من المؤشرات، مثل:

من استفاد من ارتفاع أسعار الطاقة؟
من شهد زيادة في الإنفاق الدفاعي؟
من واجه تكاليف أعلى في الشحن والتأمين؟
وكيف أثرت الأزمة في موازين النفوذ الإقليمي وفي قرارات الاستثمار؟

هذه الأسئلة لا تثبت وجود تفاهمات خفية، لكنها تساعد على فهم أن النتائج الاقتصادية للحروب قد تكون معقدة ومتعددة الأوجه، وأن المستفيد من الأثر ليس بالضرورة هو الطرف الذي بدأ الصراع أو أنهى القتال.

الخاتمة

قد لا تكون أهم قصة في هذه الأزمة هي ما حدث في ساحة المعركة، بل ما حدث بعدها في أسواق النفط، وأسعار التأمين، وقرارات المستثمرين، وتحالفات الطاقة.

فالحروب تنتهي عادة باتفاق سياسي أو بوقف لإطلاق النار، لكن آثارها الاقتصادية قد تستمر سنوات، بل وقد تعيد تشكيل أولويات الدول واستراتيجياتها.

وربما يبقى السؤال الأكثر إثارة للتأمل مفتوحاً: إذا كان الجميع يعلن أنه دفع ثمناً باهظاً، فمن الذي خرج في النهاية بأكبر المكاسب الاقتصادية والسياسية؟ وهل تكشف قراءة النتائج أحياناً ما لا تكشفه قراءة البيانات العسكرية؟

الوحدة الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية