الموازنة العراقية منذ 2003: هل كانت المشكلة في حجم الأموال أم في طريقة إدارتها؟

الموازنة العراقية منذ 2003: هل كانت المشكلة في حجم الأموال أم في طريقة إدارتها؟

الباحثة شذا خليل*

تُعد الموازنة العامة المرآة الحقيقية للسياسات الاقتصادية لأي دولة، فهي لا تعكس حجم الإيرادات والإنفاق فحسب، بل تكشف أيضاً مستوى الشفافية، وكفاءة إدارة المال العام، ومدى التزام الحكومات بمبادئ المساءلة والحوكمة الرشيدة. وفي الاقتصادات الريعية، مثل العراق، تكتسب الموازنة أهمية مضاعفة لأنها تمثل الأداة الرئيسة لتحويل الثروة النفطية إلى مشاريع تنموية واستثمارات قادرة على تحقيق النمو المستدام.

ورغم أن قانون الإدارة المالية العراقي رقم (6) لسنة 2019 رسّخ مبدأ الشفافية وألزم بنشر البيانات المالية وفق المعايير الدولية، فإن العديد من التقارير الدولية، وفي مقدمتها مسح الموازنة المفتوحة (Open Budget Survey)، ما زالت تشير إلى وجود تحديات تتعلق بإتاحة المعلومات المالية، ومشاركة المواطنين في الرقابة على الإنفاق العام، ومستوى الشفافية في إدارة المال العام. ولا تقتصر أهمية هذه المؤشرات على الجوانب القانونية، بل تمتد إلى تأثيرها المباشر في ثقة المستثمرين، وكفاءة المؤسسات، وقدرة الدولة على تحقيق التنمية المستدامة.

ويواجه الاقتصاد العراقي تحديات كبيرة رغم امتلاكه واحدة من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم. فما زال يعتمد بصورة رئيسية على عائدات النفط، في حين تعاني مؤسسات الدولة من الفساد الإداري، وضعف التنويع الاقتصادي، وتراجع ثقة المواطنين بالقطاع المصرفي، إضافة إلى تأثيرات الصراعات السياسية والإقليمية. ومنذ عام 2003، شهدت الموازنات العامة نمواً غير مسبوق، إلا أن هذا التوسع المالي لم يتحول دائماً إلى تنمية مستدامة أو بنية تحتية متطورة أو اقتصاد أكثر تنوعاً.

لذلك، فإن قراءة الموازنة العراقية لا ينبغي أن تقتصر على حجم الأموال المخصصة أو أرقام الإنفاق، بل يجب أن تمتد إلى تقييم كيفية إدارة هذه الموارد، ومدى قدرتها على تحقيق التنمية، وتعزيز الاستثمار، وتحسين الخدمات العامة، وبناء مؤسسات مالية أكثر كفاءة وشفافية. ومن هذا المنطلق، يحاول هذا المقال تحليل تطور الموازنات العراقية منذ عام 2003، وقراءة ما تكشفه الأرقام عن واقع الاقتصاد العراقي، وأسباب الفجوة بين ضخامة الموارد المالية ومستوى التنمية، وفرص الإصلاح المالي والمؤسسي في المرحلة المقبلة.يُعد العراق من أغنى دول العالم بالموارد النفطية، إذ يمتلك خامس أكبر احتياطي نفطي مثبت عالمياً، وهو ما وفر للدولة خلال العقدين الماضيين إيرادات مالية ضخمة انعكست على ارتفاع غير مسبوق في حجم الموازنات العامة. إلا أن هذه الوفرة المالية لم تنعكس بالمستوى نفسه على التنمية الاقتصادية أو جودة الخدمات أو تنويع الاقتصاد، الأمر الذي يثير تساؤلاً جوهرياً: هل كانت المشكلة في محدودية الموارد، أم في طريقة إدارة هذه الموارد؟

في عام 2003 بلغت الموازنة العراقية نحو 6.1 مليارات دولار، لتكون أول موازنة بعد سقوط النظام السابق. وخلال سنوات قليلة فقط، ارتفعت الموازنات تدريجياً مع تحسن إنتاج النفط وارتفاع أسعاره، إذ تراوح متوسطها بين 50 و70 مليار دولار خلال الفترة من 2004 إلى 2010.

ومع استمرار ارتفاع أسعار النفط، تجاوزت الموازنة حاجز 82 مليار دولار عام 2011، ثم 100 مليار دولار في عام 2012، وارتفعت إلى أكثر من 118 مليار دولار في عام 2013. أما موازنة عام 2014 فقد بلغت نحو 150 مليار دولار، إلا أنها لم تُقر بسبب الأزمة الأمنية والسياسية التي رافقت اجتياح تنظيم داعش لعدد من المحافظات.

وفي السنوات اللاحقة، تراجعت الموازنات إلى ما بين 80 و100 مليار دولار نتيجة الحرب ضد داعش وانخفاض أسعار النفط العالمية، قبل أن تعود للارتفاع تدريجياً، لتصل في الموازنة الثلاثية للأعوام 2023–2025 إلى نحو 135 مليار دولار سنوياً، وهي الأكبر في تاريخ العراق الحديث.

ومن خلال هذه الأرقام، يتضح أن حجم الإنفاق الحكومي تضاعف أكثر من 22 مرة مقارنة بعام 2003، وهو توسع مالي استثنائي يعكس حجم الإيرادات النفطية التي دخلت خزينة الدولة خلال العقدين الماضيين.

النفط… المحرك الأساسي للموازنة

تكشف الموازنات العراقية عن حقيقة اقتصادية واضحة، وهي أن النفط ظل المصدر الرئيس للإيرادات العامة، إذ شكل أكثر من 90% من دخل الدولة في معظم السنوات.

وهذا يعني أن توسع الموازنة لم يكن نتيجة نمو القطاعات الإنتاجية الأخرى، مثل الصناعة أو الزراعة أو السياحة أو التكنولوجيا، بل جاء في معظمه نتيجة ارتفاع أسعار النفط وزيادة الصادرات النفطية.

وبالتالي أصبحت السياسة المالية العراقية مرتبطة بصورة مباشرة بأسواق الطاقة العالمية؛ فعندما ترتفع أسعار النفط تتوسع الموازنة، وعندما تنخفض تبدأ الضغوط المالية بالظهور، سواء على الإنفاق الاستثماري أو حتى على الإنفاق التشغيلي.

الأزمات كشفت هشاشة النموذج الاقتصادي

تكشف سنوات 2014 و2020 و2022 جانباً آخر من المشهد المالي العراقي. ففي هذه السنوات لم تُقر موازنات كاملة، واضطرت الدولة إلى اعتماد قاعدة الصرف بنسبة 1/12 من موازنة السنة السابقة لتغطية النفقات الأساسية.

ولا يمثل ذلك مجرد إجراء محاسبي، بل يعكس محدودية قدرة النظام المالي على التخطيط طويل الأجل في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية.

كما أن توقف إقرار الموازنة يؤدي إلى تأجيل المشاريع الاستثمارية، وإبطاء تنفيذ مشاريع الإعمار، وإرباك القطاع الخاص، وإضعاف ثقة المستثمرين، لأن الاستثمار يحتاج إلى رؤية مالية مستقرة وواضحة.

هل تعني الموازنة الأكبر اقتصاداً أقوى؟

قد يبدو وصول الموازنة إلى 135 مليار دولار سنوياً مؤشراً على قوة الاقتصاد، إلا أن التحليل الاقتصادي يشير إلى أن حجم الموازنة وحده لا يكفي للحكم على الأداء الاقتصادي.

فالاقتصادات القوية لا تُقاس فقط بحجم الإنفاق الحكومي، وإنما بقدرتها على تحويل هذا الإنفاق إلى إنتاج، وفرص عمل، واستثمارات، ونمو في القطاعات غير النفطية.

فإذا بقيت غالبية الموازنة موجهة إلى الرواتب، والنفقات التشغيلية، والدعم، دون تحقيق توسع موازٍ في الصناعة والزراعة والخدمات الحديثة، فإن الأثر التنموي سيكون محدوداً مهما ارتفع حجم الإنفاق.

أين ذهبت مئات المليارات؟

منذ عام 2003، دخلت إلى العراق مئات المليارات من الدولارات عبر الموازنات العامة. ومع ذلك، ما زالت البلاد تواجه تحديات في الكهرباء، والمياه، والطرق، والإسكان، والبطالة، والخدمات الصحية والتعليمية.

وهذا لا يعني أن جميع الأموال أُهدرت أو لم تحقق نتائج، لكنه يشير إلى أن حجم الموارد المالية لم ينعكس بصورة متناسبة على مستوى التنمية.

ومن هنا يبرز دور كفاءة الإنفاق العام، وجودة التخطيط، والرقابة المالية، والشفافية، ومحاربة الفساد، باعتبارها عوامل لا تقل أهمية عن حجم الإيرادات نفسها.

الإصلاح المالي… الفرصة الحقيقية

تشير التوجهات الحكومية الخاصة بموازنة عام 2026 إلى السعي نحو توسيع الحيز المالي، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وتطبيق الحوكمة الرقمية.

وإذا اقترنت هذه السياسات بإصلاحات مؤسسية حقيقية، فقد تمثل بداية تحول في إدارة المالية العامة، من خلال تعزيز الرقابة الإلكترونية، وتقليل الهدر، وتحسين تحصيل الإيرادات، وزيادة كفاءة الإنفاق.

لكن نجاح هذه المرحلة لن يعتمد على حجم الموازنة الجديدة، بل على قدرة الحكومة على توجيه الموارد نحو مشاريع إنتاجية، وتحسين بيئة الاستثمار، ودعم القطاع الخاص، وتنويع الاقتصاد.

الخاتمة

تكشف الموازنات العراقية منذ عام 2003 عن مفارقة اقتصادية واضحة؛ فقد شهدت البلاد واحدة من أسرع الزيادات في الإنفاق الحكومي في المنطقة، إلا أن هذه الزيادة لم تتحول بالكامل إلى تنمية اقتصادية مستدامة أو بنية تحتية تتناسب مع حجم الموارد المتاحة.

واليوم، يقف العراق أمام فرصة جديدة. فإذا نجحت الحكومة في تحويل الموازنة من أداة للإنفاق إلى أداة للتنمية، وربطت الإنفاق بالإنتاج، وعززت الشفافية، وحاربت الفساد، وشجعت الاستثمار، فإن الموازنات المقبلة قد تمثل بداية مرحلة اقتصادية مختلفة.

أما إذا استمرت الموازنة رهينة الاعتماد المفرط على النفط، وارتفع الإنفاق التشغيلي على حساب الاستثمار، فإن ضخامة الأرقام ستظل مؤشراً على حجم الإنفاق، لا على حجم التنمية. فالتحدي الحقيقي أمام العراق لم يعد زيادة الإيرادات، بل إدارة هذه الإيرادات بكفاءة وتحويلها إلى اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.

وحدة الدراسات الاقتصادية /مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية