أهمية المنظومة الأمنية الخليجية أنها تحدد وضعًا ميدانيًا يتسم بالاستعداد والعمل بأساليب علمية وتقنية ويرسم ملامح سياسية تساهم لتعزيز الأمن والاستقرار ومواجهة التخرصات والاعتداءات بأسلوب تقني يتبع الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني ويعتمد البرامج والخطط الاستراتيجية في التعامل الإيجابي مع أي معلومات تهدد الأمن الوطني والقومي لاقطار الخليج العربي.
تواجه هذه المنظومة وسائل ممانعة لها اثبت حضورها في المواجهة الأخيرة بين واشنطن وطهران وأخذت ابعادها في عمليات عسكرية استخدمت فيها الأسلحة الحديثة من صواريخ باليستية وطائرات مسيرة وزوارق بحرية استهدفت البنى التحتية والأدوات العلمية التي تمثل البصمة الحقيقية الميدانية التي تمثلها المنظومة الأمنية الخليجية.
رأت إيران أن الأدوات التي تستند إليها موجبات وأولويات المنظومة والوسائل المتبعة في مواجهة أي مخاطر إقليمية، إنما تعني المنافسة المباشرة في مواجهة المخططات الإيرانية والاستحواذ والهيمنة على منطقة الخليج العربي، وبدأت من هنا باعتماد عمليات زيادة وسائل الضغط العسكري والأمن وأحداث فجوات رئيسية لإضعاف الدور الهام لهندسة الأوضاع الأمنية الخليجية، لأن أي تراجع في عمل المنظومة سيكون عامل كبير لتوسيع النفوذ الإيراني وزيادة القدرة على الضغط السياسي والأمني والبحري باستهداف اقطار الخليج العربي بمواردهم الاقتصادية وصادراتهم النفطية والغازية وتحجيم تجارتهم العالمية وإيقاف مشاريعهم التنموية ودعم مليشياتهم ووكلائهم في القيام بعمليات تتوافق والمشروع السياسي الإيراني الإقليمي.
الولايات المتحدة الأمريكية لها مصالحها وأهدافها في التواجد العسكري كونها تمتلك قوة كبيرة وقدرة على المواجهة الدائمة والتواجد المستدام، قد ترى في غياب الرؤية الخليجية الموحدة أولويات لها في ترتيب الأمن الإقليمي وفق حساباتها ورؤيتها الاستراتيجية وتعمل على إدارة التحالفات بصورة ثنائية أكثر منها جماعية، وهذا حاصل في علاقتها مع المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ودولة قطر، للحفاظ على ديمومة دورها وتأثيره بوصفها الضامن الأمني.
يبقى الدور الأكثر تواجدًا وحضورًا ميدانيًا هم ( وكلاء إيران) وتحديدًا الحوثيين الذين بدأوا باستهداف المنظومة الأمنية الخليجية في ظل الاعتداءات التي طالت الأراضي السعودية في منصف شهر تموز 2026 والتي ترتبط بتحالفات إقليمية أمنية عسكرية مع إيران، وهناك الأساليب والأدوات في اعتماد الأمن السيبراني كأداة في الاختراق والمتابعة الأمنية تجاه اقطار مجلس التعاون الخليجي العربي.
يعتمد التنسيق الإقليمي الإيراني الحوثي على استغلال حالة التفاوت في طبيعة التنسيق الأمني الخليجي المشترك والتباين في مواجهة قواعد الاشتباك بين اقطارهم والبطئ في اتخاذ القرار الجماعي لأي مواجهة مباشرة تجاه التهديدات الإيرانية مع الاختلاف الواضح في تقدير مستوى التهديد العسكري والأمن الذي تتلقاه اقطار الخليج العربي والتفاوت في القدرات البحرية والجوية، وتزداد قوة الأطراف الإقليمية ذات المصالح المتنافسة ( إيران ووكلائها) كلما تأخر تشكيل قرار أمني خليجي جماعي، برفع كلفة إدارة الأمن الإقليمي، أما الولايات المتحدة الأمريكية فإنها تهتم بإدارة الأوضاع الأمنية وفق مصالحها الاستراتيجية الخاصة أكثر من اعتمادها على دور الآخرين.
تتابين المواقف العربية الخليجية في تقدير التهديد الإيراني والتأثيرات التي يصيبها والآثار التي يحدثها، فمنهم من يعتبر التهديد الأمني الأخطر عبر شبكات التجسس وخطوط العلاقات مع الحرس الثوري والأجهزة الأمنية الإيرانية وهذا ما كشفت عنه المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية التي انطلقت في 28 شباط 2026 بالقبض على عديد من الشبكات والمنظمات التخريبية في بعض العواصم العربية الخليجية ( الكويت وقطر والبحرين والإمارات)، في حين يوجد من يعتمد الحوار السياسي والتفاوض الدبلوماسي والاحتواء أساسًا في العلاقة السياسية مع ايران، ووجود آلية مهمة تعتمد الجانب الاقتصادي مساحة مهمة في تحديد مديات التعامل الميداني مع طهران ، فاقتصاديات الخليج العربي تتأخذ من التجارة والاستثمار والطاقة والممرات البحرية عناصر مهة استراتيجية لها ، وهنا تبرز القيمة التي تقدرها كل دولة خليجية في درجة اعتمادها على كل عنصر من العناصر الاقتصادية والتي تختلف في تقدير مخاطرها وكيفية إدارتها، والرؤية الأكثر حضورًا في مواجهة التحديات الإيرانية يكمن في الوصول إلى قرارات موحدة ذات أبعاد سيادية تتابين في مدى الاعتماد على التحالفات الدولية أو القدرات الوطنية ذات العمل الخليجي الجماعي.
العقبة الرئيسة أمام هندسة الأمن الخليجي العربي ليست نقص القدرات العسكرية وإنما غياب التوافق الاستراتيجي حول تعريف عنصر ( التهديد) وأولويات الأمن وآليات اتخاذ القرار الجماعي، وعند تحقق هذا التوافق يصبح بناء المنظومة الأمنية المشتركة أكثر قابلية للتنفيذ واذا استمرت حالة التباين فقد يبقى التعامل قائمًا، لكنه سيكون في الغالب تنسيقًا هادئًا أكثر منه منظومة أمنية موحدة لها أهدافها ووسائلها التنفيذية.
أن صورة التباين أصبحت لها دلالتها في الاعتداءات التي طالت الأراضي السعودية من قبل الحوثيين والذي جاء في سياق تأثير إيراني لربط مسار الأحداث من الخليج العربي البحر الأحمر ضمن معادلة ضغط إقليمية واحدة، بحيث لا ينظر إلى مضيق هرمز وباب المندب كساحتين منفصلتين، بل ممرين بحريين مترابطين في حسابات الردع والضغط الإيراني، لتحقيق عدة أهداف منها ما تسعى إليه إيران في توسيع الضغط من الخليج العربي إلى البحر الأحمر مما يزيد تعقيد الأوضاع الأمنية ورفع الكلفة الاقتصادية عبر التأثير في مسارات التجارة والطاقة والتأمين البحري وبأن أي تصعيد في أحد الممرات البحرية تكون له انعكاسات في الممر الآخر وتعزيز التفاوض الإيراني وأوراقه في اي ترتيبات إقليمية ودولية تتعلق بمنظومة الأمن الخليجي العربي.
ان التحدي الأمني والعسكري لم يعد حماية مضيق هرمز أو باب المندب، بل بناء منظومة أمنية تتعامل مع الممرات البحرية بوصفها فضاءً استراتيجيًا مترابطًا، وأن أي اضطراب في أحدها قد ينعكس على أمن الطاقة والتجارة والاستقرار الاقتصادي في الإقليم بأكمله.
إحدى النتائج المهمة للمواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية، أنها وسعت من مفهوم الأمن الخليجي العربي ليشمل أمن البنية التحتية الحيوية والمياه والطاقة وطرق الإمدادات معتبرة أن الأمن الخليجي لم يعد يقتصر على الردع العسكري، بل أصبح يرتبط بقدرة الدولة على حماية مقوماتها الاقتصادية والبيئية، ولم يعد أمن الخليج يُقاس بميزان القوة العسكرية، بل بقدرة الدول على اتخاذ قرارها الجماعي.
تعتبر الإرادة السياسية أحد أهم عناصر هندسة منظومة الأمن الخليجي العربي التي تبنى عليها جميع أهدافها وغاياتها، فالطاقات العسكرية موجودة والقدرات الاقتصادية متوافرة والتقنية العلمية والتكنولوجيا الدفاعية في حالة من التطور المستدام والشراكات الدولية قائمة، لكنها سوف لا تتحول إلى منظومة أمنية متكاملة إلا إذا وجدت إرادة سياسية مشتركة تنتج قرارًا سياديًا جماعيًا.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
