لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي ضيق يفصل الخليج العربي عن بحر العرب، بل أصبح اليوم أحد أخطر الملفات الاقتصادية في العالم. فكلما تصاعدت التوترات العسكرية في المنطقة، ارتفعت احتمالات تعرض شريان الطاقة العالمي للاختناق، ومعه تتجدد المخاوف من موجة تضخم جديدة قد تعصف بالاقتصاد العالمي في وقت لم يتعاف فيه بالكامل من آثار السنوات الماضية.
إن خطورة مضيق هرمز لا تكمن في موقعه الجغرافي فقط، بل في حجم الطاقة التي تمر عبره يومياً. فجزء كبير من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال القادمة من دول الخليج يعتمد على هذا الممر البحري، ما يجعل أي اضطراب فيه قضية عالمية تتجاوز حدود الشرق الأوسط. لذلك، فإن الأسواق المالية لا تنظر إلى أي تصعيد عسكري في المنطقة باعتباره حدثاً إقليمياً، بل باعتباره متغيراً قد يعيد رسم توقعات النمو والتضخم وأسعار الفائدة حول العالم.
اللافت للنظر أن أسعار النفط لا ترتفع فقط عندما تتوقف الإمدادات فعلياً، بل ترتفع أيضاً بسبب ما يسمى في الاقتصاد بعلاوة المخاطر الجيوسياسية. فالمستثمرون يتعاملون مع احتمال تعطل الإمدادات على أنه تكلفة إضافية، فيسارعون إلى شراء العقود الآجلة للنفط، مما يدفع الأسعار إلى الارتفاع حتى قبل وقوع أي نقص حقيقي في المعروض. وهذا ما يفسر القفزات السريعة التي شهدتها الأسواق مع تصاعد التوترات الأخيرة.
لكن السؤال الأهم هو: هل يستطيع العالم تحمل نفط يتجاوز 90 أو حتى 100 دولار للبرميل لفترة طويلة؟
الإجابة ليست بسيطة. فالاقتصاد العالمي يدخل هذه المرحلة وهو يعاني أصلاً من تباطؤ النمو، وارتفاع مستويات الدين العام، وأسعار فائدة لا تزال مرتفعة في العديد من الاقتصادات الكبرى. وإذا استقرت أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة، فإن ذلك سيضيف ضغوطاً جديدة على الشركات والمستهلكين في آن واحد.
أول المتضررين سيكون قطاع النقل العالمي. فارتفاع أسعار الوقود يعني زيادة تكاليف الشحن البحري والجوي والبري، وهو ما سينعكس مباشرة على أسعار السلع الغذائية والمنتجات الصناعية والإلكترونية. وستجد الشركات نفسها أمام خيارين: إما تحمل هذه الزيادة وتقليص هوامش أرباحها، أو نقلها إلى المستهلك النهائي عبر رفع الأسعار، وهو السيناريو الأكثر شيوعاً.
وهنا تبدأ الحلقة الاقتصادية الأكثر خطورة. فارتفاع أسعار السلع يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم، وعندما يعود التضخم إلى الارتفاع، تجد البنوك المركزية نفسها مضطرة إلى الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة أو حتى رفعها مجدداً، رغم أن كثيراً من الاقتصادات كانت تأمل في بدء دورة من خفض الفائدة لدعم النمو.
وهذا يعني أن أزمة مضيق هرمز، إذا استمرت، قد لا تتحول إلى أزمة نفط فقط، بل إلى أزمة نقدية أيضاً. فكل ارتفاع جديد في أسعار الطاقة قد يؤخر خطط التيسير النقدي في أوروبا والولايات المتحدة، ويزيد من كلفة الاقتراض على الحكومات والشركات والأفراد.
أما الدول المستوردة للطاقة، فإنها ستكون الأكثر عرضة للضغوط. فارتفاع فاتورة استيراد النفط يوسع العجز التجاري، ويضغط على العملات المحلية، ويرفع تكاليف الإنتاج، ويؤثر في القدرة الشرائية للأسر. وفي المقابل، قد تحقق الدول المصدرة للنفط إيرادات أعلى، لكن هذه المكاسب قد تكون مؤقتة إذا أدى ارتفاع الأسعار إلى تباطؤ الاقتصاد العالمي وانخفاض الطلب لاحقاً.
ومن زاوية أخرى، فإن أزمة مضيق هرمز قد تسرّع التحول نحو مصادر الطاقة البديلة. فكل أزمة نفطية كبرى في التاريخ دفعت الاقتصادات الكبرى إلى البحث عن بدائل تقلل اعتمادها على الوقود الأحفوري. ولذلك قد تستفيد شركات الطاقة المتجددة، والسيارات الكهربائية، وتقنيات تخزين الطاقة، إذا اقتنع المستثمرون بأن التوترات الجيوسياسية ستظل عاملاً دائماً في أسواق النفط.
لكن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية، وهو تأثير الأزمة على أسواق المال. فالمستثمرون عادة ما يتجهون في أوقات التوتر إلى الأصول الآمنة مثل الذهب والدولار والسندات الحكومية، بينما تتعرض الأسهم، خاصة أسهم القطاعات الحساسة للطاقة والنقل والصناعة، لضغوط بيعية. وفي المقابل، قد تحقق شركات النفط والغاز مكاسب كبيرة نتيجة ارتفاع الأسعار وتحسن الأرباح.
ورغم كل هذه المخاطر، فإن التاريخ يشير إلى أن الأسواق كثيراً ما تبالغ في تسعير السيناريوهات الأسوأ. ففي العديد من الأزمات السابقة، ارتفعت أسعار النفط بسرعة ثم تراجعت عندما اتضح أن الإمدادات لم تتعرض لانقطاع فعلي. وهذا يعني أن العامل النفسي يلعب دوراً لا يقل أهمية عن العامل المادي في تحديد اتجاه الأسعار.
ومع ذلك، فإن استمرار التوترات لفترة طويلة يحمل مخاطر أكبر من مجرد ارتفاع مؤقت في الأسعار. فإذا تراجع عدد السفن العابرة للمضيق، أو ارتفعت تكاليف التأمين البحري بشكل كبير، فإن العالم قد يواجه اضطرابات في سلاسل الإمداد تشبه، من حيث التأثير الاقتصادي، ما حدث خلال جائحة كوفيد-19، وإن كانت الأسباب مختلفة.
في النهاية، لا يكمن الخطر الحقيقي في مضيق هرمز وحده، بل في هشاشة الاقتصاد العالمي نفسه. فبعد سنوات من التضخم المرتفع، وأسعار الفائدة القياسية، والديون الضخمة، أصبحت قدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص الصدمات أقل مما كانت عليه قبل عقد من الزمن. ولهذا، فإن أي اضطراب طويل الأمد في أحد أهم ممرات الطاقة في العالم قد يتحول من أزمة إقليمية إلى اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد العالمي على الصمود.
ويبقى السؤال الأكثر إثارة للجدل: هل ما نشهده اليوم هو أزمة عابرة ستنتهي بانفراج سياسي، أم أن العالم يدخل مرحلة جديدة يصبح فيها “الخطر الجيوسياسي” جزءاً دائماً من تسعير النفط والطاقة، بما يفرض واقعاً اقتصادياً مختلفاً لعقد كامل قادم؟
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
