معمر فيصل خولي
الجامع ايا صوفيا الذي ظل مكانًا للعبادة لمدة 481 سنة منذ أن فتح السلطان محمد الفاتح مدينة القسطنطينية في عام 1453م، تحول بعد قيام الجمهورية التركية المعاصرة 29 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1923م، وإلغاء الخلافة العثمانية في 3 آذار/ مارس عام 1924م، في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1934م تم اغلاقه، وفي عام 1935 تحول إلى متحف ومنع كمال أتاتورك الصلاة فيه. هذا التحول جاء منسجمًا مع ما كان يظن به اتاتورك أنه يقدم رؤية تحديثية للمجتمع التركي، تسير الدول نحو التحديث لكن ليس على حساب موروثها الديني والاجتماعي والقيمي.
لذلك، وقبل عدة أيام احتفلت الدولة التركية بالذكرى السادسة على إعادة افتتاح ايا صوفيا كجامع لأداة العبادة . بعد تحويله كمتحف في عهد مؤسس الجمهورية التركية كمال اتاتورك والسؤال الذي يطرح في هذا السياق .. هل تركيا بشكل عام واسطنبول بشكل خاص واللتين تزخرا بالجوامع والمساجد كانت بحاجة إلى إعادة هذا الافتتاح؟
استلم حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا، والدولة التركية تعاني من عدة أزمات لعل أبرزها أزمة الهوية التي بدأت قصتها مع السياسات التي انتهجها كمال اتاتورك فيما يتعلق بالهوية الثقافية التركية، وجد المجتمع التركي نفسه مع الجمهورية في حالة تناقض تام بين الموروث التاريخي والثقافي والجغرافي العثماني وبين الواقع السياسي والثقافي والقانوني للجمهورية الجديدة، واستمر هذا التناقض لعقود حتى مجيء حزب العدالة والتنمية فمن خلال سياساته التي تبناها في مختلف المجالات وخاصة في المجال الثقافي – الديني تمكن إلى حد بعيد أن تكون العلمانية التركية علمانية محايدة وغير معادية للهوية الثقافية . والدليل على ذلك إعادة افتتاح جامع إية صوفيا الذي يعد رمزًا دينيا واجتماعيًا.
وفي 10تموز/ يوليو عام 2020م، أصدرت المحكمة الإدارية العليا، وهي أعلى سلطة قضائية في تركيا حكماً ببطلان قرار تحويل آيا صوفيا إلى متحف، ما يعني أنّه سيعود مسجداً بعد 86 عاماً من تحويله لمتحف. وكانت اليونسكو قد أبلغت تركيا باعتراضها تحويل المتحف إلى مسجد عبر سفير تركيا لدى المنظمة، معتبرةً أنّ على تركيا إبلاغ المنظمة بأيِّ تغييرات قد تطرأ على آيا صوفيا لتتأكّد من عدم إجراء تعديل يمسّ “القيمة العالمية البارزة لآيا صوفيا” وفق تعبير المنظمة. كما عبرت بعض الدول الأوروبية كفرنسا واليونان والاتحاد الأوروبي عن اسفهم لهذا الحكم القضائي، لكن الدولة التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية لم تعر أي اهتمام لهؤلاء، ومضت في طريقها لتصحيح الخطأ التاريخي بحق هذا الجامع.
وفي 24 تموز/ يوليو من ذات العام، أعيد افتتاح ايا صوفيا جامعًا للعبادة، وبهذه المناسيبة قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان : ” في الواقع لم يكن هذا القرار الذي تم اتخاذه خلال فترة الحزب الواحد عام 1934 خيانة للتاريخ فحسب، بل أيضا ضد القانون؛ لأن “آيا صوفيا” ليست ملكا للدولة ولا أي مؤسسة، فهي ملك لوقف السلطان محمد الفاتح، مؤكدا حقوق تركيا التاريخية والقانونية التي تعود إلى 567 سنة”.
بعد ما يقارب قرن على تأسيس الدولة التركية وفق أسس علمانية اتاتورك، يتضح أن أن تجاهل الهوية الثقافية الإسلامية من السياق السياسي التركي أمرًا ليس ممكنا، واستعادة تركيا حزب العدالة والتنمية لموروثها الإسلامي العثماني.
