كيف حوّلت الصين الطاقة إلى محرك للنمو، بينما ما زال العراق يدفع كلفة غياب الاستراتيجية؟

كيف حوّلت الصين الطاقة إلى محرك للنمو، بينما ما زال العراق يدفع كلفة غياب الاستراتيجية؟

* الباحثة شذا خليل

في الاقتصاد الحديث، لا تُقاس قوة الدول بحجم ما تمتلكه من النفط والغاز والثروات الطبيعية فحسب، بل بقدرتها على إدارة تلك الموارد وتحويلها إلى إنتاج وقيمة اقتصادية وثروة مستدامة. ومن بين القطاعات التي تكشف بوضوح كفاءة الإدارة الاقتصادية يأتي قطاع الكهرباء، لأن الطاقة لم تعد مجرد خدمة تقدم إلى السكان، بل أصبحت البنية الأساسية التي تقوم عليها الصناعة والزراعة والنقل والتكنولوجيا والاستثمار والتجارة.

ومن هذا المنطلق، فإن المقارنة بين العراق والصين في مجال الطاقة لا تهدف إلى وضع بلدين مختلفين في الحجم السكاني والقدرات المالية والصناعية في ميزان واحد، وإنما إلى تحليل الفارق بين نموذجين في إدارة الموارد. فالصين تعاملت مع الطاقة باعتبارها أداة للتنمية والتصنيع والتنافس الاقتصادي، بينما ما زال العراق يتعامل مع الكهرباء في كثير من الأحيان بوصفها أزمة تشغيلية موسمية تتطلب مزيدًا من الإنفاق المؤقت.

العراق: دولة نفطية تستورد الطاقة

يمتلك العراق احتياطيات نفطية كبيرة، كما يتمتع بموارد مهمة من الغاز الطبيعي والغاز المصاحب لإنتاج النفط. ومع ذلك، ما زالت منظومة الكهرباء تعتمد بدرجات متفاوتة على الغاز المستورد، وعلى شراء الطاقة من المنتجين المحليين، وعلى الربط الكهربائي مع دول الجوار، في الوقت الذي تستمر فيه خسارة كميات كبيرة من الغاز المحلي بسبب الحرق وعدم اكتمال البنية التحتية اللازمة لمعالجته واستثماره.

ويكشف هذا التناقض عن مشكلة أعمق من مجرد نقص الوقود أو ضعف الإنتاج. فدولة تمتلك موارد واسعة من النفط والغاز، لكنها تضطر إلى استيراد الطاقة أو الوقود اللازم لإنتاجها، تواجه خللًا في إدارة الموارد وفي ترتيب الأولويات الاستثمارية.

وتشير الموازنات والإنفاق الحكومي إلى تخصيص مبالغ كبيرة لقطاع الكهرباء خلال السنوات الأخيرة. لكن السؤال الاقتصادي الأهم لا يتعلق فقط بحجم الأموال المنفقة، بل بطبيعة هذا الإنفاق: كم منه ذهب إلى بناء أصول إنتاجية جديدة، وكم منه استُهلك في تغطية النفقات اليومية والمحافظة على تشغيل منظومة تعاني أصلًا من اختلالات مزمنة؟

يشمل الإنفاق التشغيلي في قطاع الكهرباء استيراد الغاز اللازم لتشغيل محطات التوليد، وشراء الكهرباء المنتجة من المحطات الاستثمارية المحلية، واستيراد الطاقة من دول الجوار، ودفع الرواتب، وتمويل أعمال الصيانة، وشراء قطع الغيار والوقود، وتغطية المصروفات الإدارية والفنية المرتبطة باستمرار الخدمة.

هذه النفقات ضرورية لتشغيل المنظومة، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة الأزمة. فعندما تذهب الحصة الأكبر من الموارد إلى تشغيل النظام القائم بدلًا من تحديثه وتوسيعه، تتحول الموازنة إلى أداة لإدارة العجز، لا إلى وسيلة لإنهائه.

أما الإنفاق الاستثماري الحقيقي، فيتمثل في إنشاء محطات توليد جديدة، وتحديث المحطات القديمة، وتطوير شبكات النقل والتوزيع، واستثمار الغاز المصاحب، وخفض الضائعات الفنية والتجارية، وإدخال أنظمة القياس الحديثة، وتوسيع مشروعات الطاقة الشمسية والمتجددة، وبناء منظومة وطنية أكثر مرونة وكفاءة.

ومن هنا، يمكن فهم جوهر الأزمة العراقية: نسبة مهمة من الإنفاق اتجهت إلى الاستهلاك والتشغيل ومعالجة الاختناقات الآنية، بدلًا من تكوين أصول إنتاجية قادرة على خفض كلفة الطاقة وتقليل الحاجة إلى الاستيراد في المستقبل.

اقتصاديًا، يمثل هذا النمط اعتمادًا مفرطًا على الإنفاق الجاري مقارنة بالاستثمار الرأسمالي. وهو قد يحافظ على تشغيل المنظومة مؤقتًا، لكنه لا يبني قدرة إنتاجية مستقرة ولا يحقق أمنًا طويل الأمد للطاقة.

الصين: الاستثمار أولًا

في المقابل، تعاملت الصين مع الكهرباء بوصفها مشروعًا اقتصاديًا واستراتيجيًا طويل الأمد. لم تنظر الدولة إلى الطاقة باعتبارها خدمة منفصلة عن بقية القطاعات، بل ربطتها بسياسات التصنيع والتصدير والتكنولوجيا والتنمية الإقليمية وتعزيز القدرة التنافسية.

واعتمدت الصين على تنويع مزيج الطاقة بدلًا من الارتهان إلى مصدر واحد. فقد استثمرت في الفحم والغاز والطاقة النووية والطاقة الكهرومائية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية، بالتوازي مع تطوير شبكات النقل والتخزين والربط بين مناطق الإنتاج ومراكز الاستهلاك الصناعي والسكاني.

ويظهر هذا التوجه في المشروعات الكبرى التي تجمع بين أكثر من مصدر للطاقة، ومنها المشروعات الهجينة التي تدمج الطاقة الشمسية الكهروضوئية مع تقنيات الطاقة الشمسية المركزة والتخزين، بما يسمح بإنتاج الكهرباء على نطاق واسع وتقليل الانبعاثات وتحسين استقرار الشبكة.

لكن أهمية التجربة الصينية لا تكمن في مشروع بعينه، بل في فلسفة متكاملة تقوم على التخطيط لعقود طويلة، وتوجيه التمويل نحو البنية التحتية، وتوطين التكنولوجيا، وتنمية الخبرة الصناعية، وربط سياسات الطاقة بالأهداف الاقتصادية الكبرى للدولة.

الاستثمار أم التشغيل؟

هنا يظهر الفارق الأساسي بين التجربتين. فالعراق يخصص جزءًا كبيرًا من موارده للحفاظ على تشغيل المنظومة الحالية، بينما توجه الصين موارد ضخمة إلى إنشاء قدرات جديدة وتطوير التكنولوجيا وتقليل الكلفة المستقبلية.

وبعبارة أكثر وضوحًا، تنفق الصين اليوم لتخفض نفقات الغد، في حين يضطر العراق إلى تكرار الإنفاق كل عام للحفاظ على منظومة لم تُعالج اختلالاتها الهيكلية بصورة كاملة.

لا يعني ذلك أن الإنفاق التشغيلي غير مهم، فلا يمكن لأي منظومة كهرباء أن تستمر من دون وقود وصيانة ورواتب وإدارة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التشغيل غاية بحد ذاته، ويبتلع الموارد التي كان يفترض أن تُخصص لتحديث القطاع وزيادة قدرته الإنتاجية.

فالإنفاق الاستثماري ينشئ أصلًا اقتصاديًا يبقى لسنوات طويلة، مثل محطة جديدة أو شبكة نقل حديثة أو مشروع لمعالجة الغاز المصاحب. أما الإنفاق التشغيلي فينتهي أثره غالبًا بانتهاء السنة المالية، ثم تعود الحاجة إلى تخصيص مبالغ جديدة للغرض نفسه.

لذلك، فإن تقييم نجاح الإنفاق على الكهرباء لا ينبغي أن يعتمد على المبالغ المخصصة فقط، بل على النتائج التي تحققت: هل زادت القدرة الإنتاجية الفعلية؟ هل انخفضت الحاجة إلى الاستيراد؟ هل تحسنت ساعات التجهيز؟ هل تراجعت الضائعات؟ وهل أصبحت الشبكة أكثر موثوقية؟

أمن الطاقة جزء من الأمن الاقتصادي

تعتمد الاقتصادات الحديثة على مفهوم أمن الطاقة، أي قدرة الدولة على تأمين حاجتها من الكهرباء والوقود بصورة مستقرة وبأسعار يمكن تحملها، من دون التعرض المستمر للضغوط الخارجية أو تقلبات الأسواق والأزمات السياسية.

ويواجه العراق تحديًا واضحًا في هذا المجال بسبب اعتماده على الغاز والطاقة المستوردين. فأي اضطراب في الإمدادات، أو تغير في العلاقات السياسية، أو تأخر في المدفوعات، يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على تشغيل المحطات وساعات التجهيز.

إن الاعتماد الكبير على الخارج لا يمثل مشكلة فنية فقط، بل يشكل خطرًا اقتصاديًا وسياديًا. فالدولة التي لا تملك القدرة الكافية على تأمين وقود محطاتها تصبح سياستها الصناعية واستقرار أسواقها وحياة مواطنيها مرتبطة بقرارات ومصالح خارج حدودها.

أما الصين، فعلى الرغم من استيرادها جزءًا من احتياجاتها من الطاقة، فإنها خفّضت المخاطر من خلال التنويع الواسع للمصادر، والاستثمار في الإنتاج المحلي، وتطوير التقنيات، وبناء احتياطيات وبنية تحتية ضخمة للنقل والتخزين.

والدرس الذي يمكن للعراق الاستفادة منه ليس تقليد الصين حرفيًا، بل بناء نموذج وطني يتناسب مع موارده واحتياجاته. فالعراق يمتلك فرصة كبيرة لاستثمار الغاز المصاحب بدلًا من حرقه، وتوسيع الطاقة الشمسية، وتحسين كفاءة المحطات، وتحديث الشبكات، وتقليل الهدر.

الكهرباء ليست خدمة فقط، بل محرك للنمو

في الاقتصاد الحديث، كل ميغاواط إضافي يدخل إلى الشبكة الكهربائية يمكن أن يتحول إلى فرصة جديدة للإنتاج والاستثمار والتشغيل. فاستقرار الكهرباء يسمح للمصانع بزيادة ساعات العمل، ويشجع الشركات على توسيع نشاطها، ويمكّن المشروعات الصغيرة والمتوسطة من العمل من دون تحمّل التكاليف المرتفعة للمولدات والوقود والصيانة.

كما يسهم استقرار التجهيز في جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، لأن المستثمر يبحث عن بيئة قادرة على ضمان استمرار الإنتاج وتقليل المخاطر التشغيلية. ولا يمكن لأي دولة أن تبني قطاعًا صناعيًا تنافسيًا إذا كانت المصانع فيها تواجه انقطاعات متكررة أو تضطر إلى إنتاج الكهرباء بكلفة مرتفعة.

ويؤدي تحسن الكهرباء إلى خفض تكاليف الإنتاج، لأن الاعتماد على الشبكة الوطنية أكثر كفاءة من الاعتماد المستمر على المولدات الخاصة. وعندما تنخفض التكاليف، تصبح المنتجات المحلية أكثر قدرة على المنافسة، وتتوسع فرص التصدير، وتنخفض الحاجة إلى الاستيراد.

كذلك ينعكس استقرار الطاقة على سوق العمل، إذ إن توسع المصانع والمشروعات والخدمات يولد فرصًا مباشرة وغير مباشرة في مجالات الإنتاج والنقل والصيانة والهندسة والتكنولوجيا والإدارة.

ولا تقتصر آثار الكهرباء على القطاع الصناعي. فهي ترتبط بتحسين الإنتاج الزراعي، وتشغيل أنظمة الري والتخزين والتبريد، وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية، ودعم الاقتصاد الرقمي، وتحسين نوعية الحياة.

ولهذا، لا ينبغي النظر إلى الإنفاق على الكهرباء بوصفه إنفاقًا خدميًا فقط، بل باعتباره استثمارًا اقتصاديًا واجتماعيًا قادرًا على رفع معدل النمو وتحسين بيئة الأعمال وتعزيز استقرار الدولة.

وفي المقابل، يؤدي استمرار النقص في الكهرباء إلى ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع الإنتاج، ويجبر القطاع الخاص على الاعتماد على بدائل مكلفة، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار السلع والخدمات وعلى القوة الشرائية للمواطن.

من إدارة الأزمة إلى بناء القطاع

إن ما يحتاجه العراق ليس زيادة الإنفاق فقط، بل تغيير فلسفة إدارة قطاع الكهرباء. فالمشكلة ليست في غياب الموارد المالية بصورة مطلقة، بل في كيفية تخصيصها، وفي قدرة المؤسسات على تحويل الإنفاق إلى نتائج وأصول إنتاجية.

وتبدأ الإصلاحات المطلوبة باستثمار الغاز المصاحب بدلًا من حرقه واستيراد بدائل عنه، لأن هذا الغاز يمثل موردًا اقتصاديًا يمكن أن يخفض كلفة تشغيل المحطات ويعزز استقلال الطاقة.

كما يحتاج العراق إلى مراجعة العقود الاستثمارية وعقود شراء الطاقة لضمان تحقيق أفضل قيمة للدولة، وربط المدفوعات بالكفاءة والإنتاج الفعلي وجودة الخدمة.

ومن الضروري أيضًا توسيع الاستثمار في الطاقة الشمسية ومصادر الطاقة المتجددة، خصوصًا أن العراق يتمتع بمعدلات عالية من الإشعاع الشمسي، مما يجعله مؤهلًا لبناء قطاع واعد في هذا المجال.

ولا يمكن تحقيق إصلاح حقيقي من دون تطوير شبكات النقل والتوزيع، لأن زيادة الإنتاج وحدها لا تكفي إذا استمرت الضائعات الفنية والتجاوزات وسوء الجباية وضعف البنية التحتية.

كذلك يتطلب الإصلاح تعزيز الشفافية والرقابة على العقود والمشروعات والإنفاق، ونشر بيانات واضحة تمكّن الرأي العام والمؤسسات الرقابية من تقييم النتائج.

وفوق ذلك كله، يحتاج العراق إلى استراتيجية وطنية متكاملة للطاقة تمتد لعقود طويلة، ولا تتغير بتغير الحكومات والوزراء. فمشروعات الطاقة الكبرى تحتاج إلى استقرار في القرار، وتسلسل في التنفيذ، وربط بين قطاع الكهرباء وسياسات النفط والغاز والصناعة والبيئة والاستثمار.

الخلاصة

لا تكمن الفجوة بين العراق والصين في حجم الموارد الطبيعية، بل في كيفية إدارة هذه الموارد وتحويلها إلى طاقة منتجة ونمو اقتصادي.

لقد استخدمت الصين الاستثمار في الكهرباء لتوسيع الصناعة وتطوير التكنولوجيا وخفض الكلف وتعزيز أمنها الاقتصادي، بينما ما زال العراق ينفق جزءًا كبيرًا من موارده على معالجة نقص متكرر في الوقود والإنتاج والشبكات.

إن مستقبل قطاع الكهرباء في العراق لن يتحدد بحجم الموازنات التي تُخصص له، بل بقدرة الدولة على توجيه تلك الموازنات من الإنفاق المتكرر إلى الاستثمار المنتج، ومن استيراد الحلول المؤقتة إلى بناء القدرات المحلية، ومن إدارة الأزمة إلى إنهاء أسبابها.

فالعراق لا يحتاج إلى تمويل العجز سنة بعد أخرى، بل إلى إنشاء أصول ومؤسسات وبنية تحتية تدوم لعقود. وعندما تتحول الكهرباء من ملف خدمي وسياسي إلى مشروع اقتصادي وطني، يمكن للعراق أن يستثمر موارده الهائلة بصورة أفضل، وأن يؤسس لاقتصاد أكثر إنتاجًا واستقرارًا وتنافسية.

وحدة الدراسات الاقتصادية – مكتب شمال أمريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية