اياد العناز
تسعى إيران لأهداف محددة وغايات معينة بإعادة تشكيل قياداتها الأمنية والعسكرية عبر بناء هيكلية جديدة لمنظومة القيادة والسيطرة الميدانية، بتوحيد مركز القرار العسكري بدمج هيئة الأركان العامة مع مقر خاتم الأنبياء ليكون عامل إيجابي يساهم في معالجة حالة التباطؤ والتنسيق بين الجيش الإيراني والحرس الثوري في أي مواجهة قادمة أو فعل ميداني له علاقة بالردع المقابل.
أتى قرار المرشد الأعلى مجتبى خامنئي بجمع القيادات ذات الخبرة العسكرية والأمنية في قلب القرار السياسي الإيراني العطاء أهمية بارزة للمرحلة الراهنة التي يمر بها النظام بكل مؤسساته ودوائره التنفيذية والأمنية والعسكرية، ومن أبرزها انتقال محسن رضائي إلى أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، بما يعزز حضور الخبرة الميدانية المباشرة في صناعة القرار ورسم ملامح السياسة الداخلية وابعدها الخارجية وامتداداتها الإقليمية.
أصبحت العقيدة الأمنية الإيرانية في إطار محكم بتقديمها القيادات التي أدارت رحى المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية وإعطاء مساحة واسعة في احكام قبضتها على الأوضاع الداخلية، وابعدت الدور الميداني للقيادات السياسية، وهذا يعني أن المرحلة الحالية أصبحت ضمن معادلة سياسية أمنية قوامها (القدرة على البقاء وسرعة القرار واستمرار العمليات تحت الضربات الجوية والصاروخية الأمريكية الإسرائيلية).
ثم جاء القرار الأوسع حضورًا في طبيعية الإجراءات الأمنية بإعادة تشكيل جهاز الباسيج واعطائه الأولوية في توحيد الرؤية المشتركة بين تشديد الحالة على المشهد الداخلي ومنع أي اضطرابات وحركات شعبية واعتبرها امتدادًا للفعاليات العسكرية والتهديدات الخارجية وجعلها في منظومة واحدة لحماية الأمن القومي الإيراني.
جعل الحرس الثوري العمود الأساسي والسند الفعال لمنظومة القرار السياسي والتنفيذ الميداني والتعبئة العسكرية وإدارة الصراع في تعزيز دوره كقوة عسكرية مواجهة لأي احتمالات قادمة.
تعتمد إيران سياسية واقتصادية في تدعيم حالة الردع لها بإعادة تكوين قوتها وتحسين ادواتها الدفاعية ووسائلها القتالية، ثم تتجه لمرحلة متقدمة في اتباع خطوات متقدمة لتعديل مسار سلوكها الداخلي والإقليمي، فهي تدرك أن عليها البقاء على مساحة من الردع في مرحلة تخفيف التصعيد لكي لا تكون في حالة من الضعف عند أي حوار أو تفاوض قادم، بل تسعى لإظهار تماسك قياداتها الميدانية والفعلية وتعزيزها بقراراتها المشتركة ووحدة أرائها وادامة قدراتها الصاروخية وجاهزية دوائرها ومؤسساتها الأمنية ودعم أمنها البحري وإظهار صبرها الاستراتيجي في مواجهة استمرار الضربات الأمريكية.
تحقق هذه الخطوات لإيران انتقالة نوعية من بناء قوتها العسكرية إلى وضع آليات تحدد فيها انتقالها إلى مجال أكثر حضورًا تتمثل بهندسة فاعلة لمنظومة أمنية عسكرية جديدة.
تعتمد تحويل الخبرة الأمنية التي تراكمت خلال المواجهة العسكرية إلى مؤسسة قيادة أكثر انضباطًا ومركزية، وإذا ما تمكنت إيران من إنجاح في خطواتها هذه فإنها ستكون أقل أديولوجية في إدارة أدوات القوة، لكنها أكثر براغماتية وخطورة في استخدامها.
الانكسار الإيراني لا يغير من سلوك أدواتها، بل تعمل على استعادة تماسك منظومتها الأمنية الداخلية، ثم تتجه نحو الحوار الدبلوماسي والتفاوض السياسي من موقع قوة واقتدار لا من موقع الهزيمة والتردد، ويكون لإيران هدفها الذي تتمسك به والذي تراه من منظورها السياسي ومنطلقها الميداني، أن التفاوض ليس تنازلًا عن القوة، بل توظيف للقوة بعد استعادتها، وسنكون أمام معادلة مهمة ملامحها ( أن إيران كلما شعرت وادركت بأن الداخل تحت السيطرة، ازدادت قدرتها على تقديم تنازلات محسوبة في الخارج دون أن تعتبرها تهديداً لبقاء النظام).
إعادة توطين القوة الإيرانية وبناء اركانها تحقق للمسؤولين فرصة للتفاوض دون الابتعاد عنه أو رفضه، وتعمل على إحكام أمنها الداخلي لتدخل أي تسوية بثقة القادر على تحقيق أهدافه وفرض آرائه لا بصيغة النظام المنكسر.
تحديد أولويات وآليات التفاوض بين واشنطن وطهران، لن تحددها إيران وحدها، بل بالشروط التي تضعها واشنطن وأهمها (مضيق هرمز) الذي تريد حرية الملاحة الكاملة فيه وعدم خضوع المرور البحري لسيطرة إيرانية أو رسوم أو شروط سياس، وفي مقابل ذلك ستعرض إيران مطالبها بتخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة وتخفيف القيود على الموانئ وعودة صادراتها من الطاقة (النفط والغاز)، ثم الانتقال إلى ملفات رئيسية أكثر تعقيدًا تتعلق بتفكيك البرنامج النووي الإيراني وتحيد مديات الصواريخ الباليستية والقدرات العسكرية ووقف الدعم والعلاقة مع الوكلاء من المليشيات والفصائل المسلحة.
المعادلة الميدانية ستكون (فتح مضيق هرمز ) مقابل البدأ برفع العقوبات ثم التفاوض التدريجي على الملفات الأخرى.
بناء المنظومة الأمنية الإيرانية ستحد من سقف التنازل كلما تمكنت إيران من إعادة سيطرتها ونفوذها في الداخل الإيراني، وسيكون عمليًا الموافقة ايرانيًا على فتح المضيق تحقيق ما يوازيه من مكاسب اقتصادية وسياسية إيرانية، وسيكون هناك مسارات دقيقة لتغيير تدريجي في أدوات السلوك الإيراني مقابل تغيير في منظومة العقوبات، وهي جوهر التفاوض من موقع استعادة القدرة لا من موقع الانكسار.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
