إيران: إعادة هندسة الأمن تحت ضغط الاقتصاد والتفاوض.. (4)

إيران: إعادة هندسة الأمن تحت ضغط الاقتصاد والتفاوض.. (4)

اياد العناز 

أوضح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سياسة إدارته تجاه إيران في حديثه الذي اجراه على موقع ( اكسيوس) في 9 آب 2026 بالقول أنه ( يفضل ترك العقوبات والحصار البحري يؤديان المهمة، ونكتفي بمراقبتهم في ظل التضخم الهائل لديهم، وحقيقة أنهم لا يملكون المال).
تزامن حديث ترامب مع إعلان القيادة المركزية الأمريكية نشر أكثر من عشرين سفينة حربية أميركية لفرض حصار بحري ثان على الموانئ الإيرانية، وتمكنهم من أعادت توجيه (55) سفينة تجارية وعطلت اثنتين واحتجزت اثنتين أخريين لضمان الامتثال.
لم تعبر مضيق هرمز في 10 آب 2026، سوى ست سفن وفق بيانات الملاحة التي نقلتها وكالة رويتر، في حين كانت تتراوح عملية عبور السفن ما بين 130 – 140 سفينة يوميًا قبل بدأ المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في 28 شباط 2026، لممر كانت تمر خلاله نحو خُمس الطاقة الإنتاجية العالمية التصديرية من النفط الذي تستهلكه دول العالم، وكذلك الحال مع الغاز الطبيعي المسال.
ما جاء في حديث الرئيس ترامب يؤكد طبيعة السياسة الأمريكية في تمكينها من زيادة فاعلية الحصار البحري على السواحل الإيرانية والممرات المائية في مضيق هرمز وتعزيز شروطها في حرية الملاحة الدولية ورفض انفراد إيران بالتحكم في عبور السفن والناقلات وفرض رسوم عليها، في حين لا زالت إيران تطالب بوقف المواجهة العسكرية ورفع الحصار البحري والعقوبات الأمريكية الاقتصادية وإطلاق الأموال المجمدة والحصول على تعويضات مالية نتيجة الضربات الجوية والصاروخية التي أصابت منشآتها ومصانعها ومواقعها العسكرية والأمنية، لقاء قيامها بفتح مضيق هرمز والاتفاق على صيغة قانونية واقتصادية ترضى جميع الأطراف.
إيران متمسكة بأحدث أدواتها فاعلية وهو (مضيق هرمز) الذي تعتبره السلاح الأكثر مواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية لإجبارها على الالتزام بالتعهدات التي قدمتها ووافقت عليها في مذكرة التفاهم المشتركة التي وقعت عليها في 27 حزيران 2026 وتشمل تخفيف العقوبات على صادرات النفط والمواد البتروكيماويات وانهاء الحصار البحري وتقديم مبلغ (300) مليار دولار لإعادة إعمار إيران وتنميتها الاقتصادية ، وتتمسك بضرورة تقديم ضمانات تعيد الثقة بين واشنطن وطهران قبل أي عملية وإجراء لفتح المضيق أمام عبور الناقلات والسفن البحرية وحماية مستلزمات التجارة الدولية والطاقة العالمية.
ويتحدث نائب الرئيس الأمريكي جي فانس حول إمكانية قيام واشنطن بتنفيذ تعهداتها بالقول (أن إيران لم تحصل على تلك الأموال إلا بعد تفكيك برنامجها النووي وتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب وقبول تفتيش صارم)، وهذا ما تراه إيران يتعارض مع مصالحها العليا في حقها بتخصيب اليورانيوم مع إمكانية تعليق نشاطتها النووية في تخصيب اليورانيوم لمدة طويلة والتخلي عن مخزونها الأعلى تخصيبًا أو خفض مستوى تخصيبه ضمن إطار اتفاق شامل وجولات من المفاوصات الدبلوماسية والحوارات السياسية.
وبدأت عملية التشدد وإظهار القوة في الاعلان عن شروطها وغاياتها بعد التغييرات التي طالت قياداتها العسكرية والأمنية، ومنها ما أعلنه (محمد باقر ذو القدر) المستشار السياسي للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي، عن ستة شروط لإعادة فتح مضيق هرمز في بيان صدر اوائل شهر آب 2026 وهي إنهاء أي تهديدات ضد إيران والوقف الدائم للهجمات على إيران وحلفائها الإقليميين ورفع الحصار والعقوبات ودفع تعويضات الحرب والإفراج غير المشروط عن الأصول المجمدة، وأعلن أن هذا الموقف لن يتراجع عنه مجلس الأمن القومي الإيراني سواء تمت جولات المفاوضات أو تم العودة لمسار المواجهة العسكرية.
تراهن الولايات المتحده الامريكيه على انهيار الاقتصاد الإيراني، بعد أن تجاوزت نسبة التضخم 80٪ وارتفاع أسعار اللحوم والدجاج بنسبة 190٪ ومادة الحليب ومشتقاته بنسبة 150٪، وتعرض صادرات النفط الإيرانية التي كانت تبلغ قبل المواجهة العسكرية لنحو 1،5 مليون برميل يوميًا والتي تشكل مصدرًا حيويًا لإيرادات الدولة والعملات الأجنبية، لضربة شديدة، وقدر (كابيتال إيكونوميكس) إن إيرادات صادرات النفط اقتربت من الصفر في تموز 2026، بعدما بلغت 4،5 مليون برميل سابقًا.
يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5،4٪ عام 2026، بعد أن بدأت العوائل الإيرانية عملية سحب عديد من مذخراتها لشراء المواد الأساسية وبكميات محددة، وأعلن مكتب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ان صادرات إيران من النفط الخام تراوح بين 1،1و1،5 مليون برميل يوميًا خلال المدة من 28 شباط إلى 11 آذار 2026، مقارنة بمتوسط بلغ 1،69 مليون برميل يوميًا في 2025 وفق بيانات (كلبر ) التي نقلتها وكالة رويترز للأخبار.
وأكدت إدارة معلومات الطاقة الأميركية بأن حركة السوائل النفطية عبر المضيق بلغت 20.7 مليون يوميًا في الفصل الأخير من عام 2025، منها 15،2 مليون برميل من الخام والمكثفات و5.5 مليون برميل من المنتجات النفطية، وتعادل هذه الكميات نحو خمس استهلاك النفط العالمي وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، وتكشف الأرقام حجم التحول، بانخفاض متوسط السوائل النفطية عبر المضيق إلى 4،9 مليون برميل يوميًا في الفصل الثاني من عام 2026، مقارنة ب 21،6 مليون في الفصل الأخير من عام 2025، وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
وسجلت وكالة الطاقة الدولية في آذار 2026 أكبر اضطراب في سوق النفط، بعدما انخفضت إمدادات النفط العالمية بمقدار 10،1 مليون برميل يوميًا إلى 97 مليون برميل يوميًا، وفق بيانات أوردتها الوكالة في تقريرها الصادر في نيسان 2026، وتمتلك المملكه العربيه السعوديه ودولة الإمارات العربية المتحدة أفضل البدائل لتجاوز مضيق هرمز، إذ تمكنت الرياض من نقل النفط الخام عبر خط أنابيب شرق-غرب إلى موانئ البحر الأحمر، فيما استخدمت أبوظبي خط أنابيبها للنفط الخام إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان.
تقدر وكالة الطاقة الدولية، الطاقة المتاحة حاليًا عبر مسارات التصدير البديلة بنحو 3،5 إلى 5،5 مليون برميل يوميًا وهي كمية لا تعوض سوى 18٪ إلى 28٪ من قرابة 20 مليون برميل يوميًا من النفط التي كانت تمر عبر مضيق هرمز في عام 2025.
ان المباحثات العُمانية الإيرانية في حالة توصلها لاتفاق حول كيفية التعامل مع مضيق هرمز والوسائل والأدوات التي تفضي لفتحه والسماح بمرور السفن، بما يتلائم والشروط الأمريكية وما تنتظره إدارة الرئيس ترامب في تخفيف العوائق الاقتصادية المتعلقة بسوق الطاقة العالمية والتجارة الدولية، فإن إيران ستخرج من الاتفاق بمكاسب مباشرة يسمح لها برفع الحصار والعقوبات النفطية وزيادة إيراداتها وتقليص الحسوم التي تقدمها للمشترين وتخفيف اعتمادها على أسطول الظل وإطفاء أجهزة تعقب السفن وعمليات نقل النفط من ناقلة إلى أخرى بشكل سري.
تزامنت جولات الحوار العربي الإقليمي بين مسقط وطهران مع تعديلات اقرها المرشد مجتبى خامنئي شملت قيادات عسكرية وأمنية واسعة، بتعين قيادات من التيار المحافظ المتشدد في مواقع متقدمة في المؤسستين الأمنية والعسكرية، في تراجع ملحوظ في اعتماد الشخصيات ذات السمة والحضور التكنوقراط والبرغماتيين الذين يرون أن المفاوصات مع الولايات المتحدة الأمريكية ضرورية للحفاظ على ما تبقى من الاقتصاد، فمجئ (حسن رضائي) أحد القيادات الرئيسية التي شاركت في المراحل الأولى لتشكيل الحرس الثوري وتسلمه إدارة الامانة العامة لمجلس الأمن القومي الإيراني والذي سيكون له القول الفصل في الموافقة على أي اتفاق بشأن مضيق هرمز، هذا يعني الابتعاد عن مبدأ المرونة والبراغماتية في التعامل مع إنهاء النزاع الإيراني الأمريكي والاتفاق على صيغ جديدة ترجح إنهاء المواجهة والبدأ بكتابة اتفاق جديد شامل لجميع القضايا، كما أن المتغيرات السياسية والأحداث والوقائع الميدانية تشير إلى تحول في توجهات إدارة الرئيس ترامب عما كانت علية الإدارة الأمريكية في تعاملها مع المراحل الأولى لغزو واحتلال العراق 2003، فهي اليوم تواجه منافسـًا سياسيًا واقتصاديًا عالميًا هو (الصين) بكل ثقلها وتاثيراتها وتمددها في بقاع العالم، وتخشى واشنطن من مواجهة طويلة ومكلفة مع إيران تؤدي لخدمة المصالح والأهداف الصينية في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي باستنزاف القدرة العسكرية والموارد الأمريكية التي تمنح الرئيس الصيني ( شي جينبينغ) فرصة لدور سياسي واقتصادي لكسب مزيد من الحلفاء والشركاء وإظهار إمكانياته القيادية ودور بلاده المؤثر عالميًا.
وعلى المستوى الإقليمي والدولي ، فان الصين والهند تعمل على زيادة مخزونها الاستراتيجي من النفط لتلافي أي أزمات قادمة في المنطقة، وبدأت بعض الدول الاوربية والاسيوية بالبحث عن عقود للغاز وتنوع في مصادر الإنتاج والتصدير مع تسارع مشهود في زيادة الاستثمارات في الطاقة المتجددة وكفاءة الاستهلاك لتقليل التعرض لأي حروب قادمة وعقوبات اقتصادية مضافة وغلق للممرات البحرية والمضايق المائية، في حين بدأت بعض من اقطار مجلس التعاون الخليجي العربي ( المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ) في تطوير خطوط الأنابيب والموانئ البديلة.

وحدة الدراسات الإيرانية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة