هل ستصبح إيران ورقة تفاوض بين واشنطن وبكين؟

هل ستصبح إيران ورقة تفاوض بين واشنطن وبكين؟

اياد العناز 

يمكن قراءة العقوبات الأميركية الأخيرة على إيران أنها في مرحلتها الأولى بديلًا عن الضربات العسكرية ولكنها قد تتقدم بأتجاهات متعددة عبر تعزيز جانب الهيمنة الاقتصادية وارتفاع منسوب التأثير الميداني للعقوبات التي بدأت فعاليتها في السيطرة على جميع شبكات التمويل المالي لإيران وخنق جميع المسارات التي تؤدي للالتفاف على العقوبات وعائدات النفط وكل ما يتعلق بالاصول المالية الخارجية، وتوسيع الضغط السياسي والاقتصادي الأمريكي ليشمل جميع الاطراف الإقليمية والدولية التي تتيح لإيران متنفسًا اقتصاديًا.

القدرة الأمريكية تستطيع تدمير المواقع المهمة أمنيًا وعسكريًا وتأخير انتاج المصانع والمعامل الحربية من الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة وإضعاف الإمكانية والقدرة الإيرانية على الرد والردع المماثل، لكنها مع كل هذه المسارات لا تضمن تغيير السلوك السياسي الإيراني، أما العقوبات فتهدف إلى ضرب قدرة النظام على إعادة بناء قوته وتعزيز إمكانياته.

وجاء تصريح وزير الخزانة الأميركية (سكوت بيسنت) في اجابته يوم 24 آب 2026 عن مدى فعالية وتأثير العقوبات الاقتصادية على إيران بقوله ( أن الولايات المتحدة تطلق هجوماً اقتصاديًا واسعًا على الروابط المالية الإيرانية حول العالم) لكنه استبعد الحديث عن ما هية الدول التي ستستهدفها العقوبات، ورغم أن القائمة الأولى تضمنت (60) فردًا وكيانًا وسفينة، لكنها لم تشمل أيًا من المؤسسات المالية الصينية التي يُشتبه في أنها تسهل تجارة النفط الإيرانية.

تشمل الشركات التي طالتها العقوبات الجديدة، شركة (سويت أوشن إندستريال ليميتد) التي تتخذ من هونغ كونغ مقرًا لها، إلى جانب أشخاص وشركات مرتبطة بها، وقد اتهمت بمساعدة إيران في الحصول على سلع حساسة، مثل معدات البصريات الليزرية وفُرضت عقوبات على شركة (شينزن هواماي) التي تتخذ من الصين مقرًا لها، وهي مزود خدمات لشركة (بي آر إي لاين) اللوجستية التي تتخذ من إيران مقرًا لها، وكذلك على فرع (بي آر إي لاين) في هونغ كونغ، التي تساهم بدعم برامج إيران الصاروخية والنووية، ومصفاة لزيت الطعام في فرنسا. واستهدفت الإجراءات الأخيرة شركات في الصين والإمارات وسنغافورة.
الإدارة الأمريكية تعمل على نقل قدرتها العسكرية إلى امكانياتها الاقتصادية في دعم العقوبات واطالة آمدها، أي بدلًا من ضرب إيران عسكريًا فإنها تذهب لمسار أكثر تأثيرًا وكلفة مادية تضطر فيها إيران لتغيير قناعاتها وإعادة حساباتها في كيفية التعامل مع الشروط الأمريكية والعودة للمفاوضات، في إدراك ميداني مهم لواشنطن بأن الضغط الاقتصادي يمكن أن يقلل من الحاجة للعودة الضربات الجوية والصاروخية تجاه الأراضي الإيرانية.
تحاول الولايات المتحدة الوصول إلى مرحلة يصبح فيها القرار الإيراني محصورًا بين خيارين، أما الاستمرار في اقتصاد البقاء والاستنزاف أو العودة إلى تفاوض بشروط جديدة، وهو ما يجعل العقوبات تحقق تأثيرًا زمنيًا بطيئًا لكنها ذات عمق استراتيجي أكبر، وتصبح الضربات العسكرية هي الاحتياط المضمون أمريكياً في حين تكون العقوبات الاقتصادية هي الأداة اليومية لإضعاف النظام الإيراني.
إذا نجحت العقوبات في إنهاك الاقتصاد الإيراني فإنها قد تدفع طهران للتفاوض واذا ما فشلت في تغيير السلوك الإيراني قد تتحول إلى مرحلة أعداد لضربة أمريكية قادمة، لأن التأثيرات الميدانية الاقتصادية قد تمنع إيران من القدرة على التمويل وإعادة الإنتاج العسكري بكل صنوفه، وأن نجاح إيران في بناء اقتصاد بقاء والالتفاف عبر الصين والشبكات المالية والتجارة غير الرسمية سيقلل من فاعلية هذه الاستراتيجية، وهنا سيكون العامل الصيني أحد أكبر اختبارات نجاح العقوبات الجديدة.

وادركت الولايات المتحدة الأمريكية ما تريد إيران القيام به في طبيعة شراكتها مع الصين وإمكانية تسخيرها في مواجهة الإجراءات الأمريكية، ليأتي كلام وزير الخزانة الأميركية (سكوت بيسنت) في 25 آب 2026 عندما سئل عن كيفية التعامل مع البنوك الصينية موضحًا الآتي (أن لا أحد فوق متناول العقوبات الأميركية)، ويمكن قراءة الرسالة بأنها جاءت على وقع التحضيرات القائمة الان في الاعداد للقاء الرئيس دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ في واشنطن نهاية شهر أيلول 2026، ولكن الادارة الأمريكية تنظر بالاعتبار بأن أي إجراء يخص البنوك المصرفية الصينية قد يعرقل فرص تمديد الاتفاق الذي وقع في تشرين الثاني 2025 بالحفاظ على تدفق المعادن الأرضية النادرة الصينية ووضع سقف للرسوم الكمركرية الأمريكية.
لكن العلاقة مع واشنطن تتصل مباشرة بأسواق التصدير والتكنولوجيا والرقائق وسلاسل الإمداد والاستقرار الاقتصادي الصيني، ولهذا تبقى إيران مهما كانت أهميتها جزءًا من معادلة أكبر، ولكنها ملتزمة بمبدأ رئيسي بالابتعاد عنه في تأكيد التزامها بأمور دفاعية، وتبتعد عن أي مواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية، رغم أنها دعمت وساندت إيران في قضايا تتعلق باستثماراتها المالية والمناقشات السياسية في أروقة الامم المتحده ومجلس الأمن الدولي وآخرها دعم المفاوضات والحوارات والوساطات الباكستانية القطرية في الوصول لمذكرة التفاهم المشتركة.
ترى الصين في إيران أنها البوابة الرئيسية لتزويدها بالنفط بأسعار وشروط مفضلة وتستخدمها ورقة ضغط جيوسياسية تحمي بها مصالحها وتواجدها الاقتصادي في الشرق الأوسط ومنفذًا مهما لدى اقطار غرب آسيا واعتمادها حليفًا استراتيجيًا في مواجهة النفوذ الأمريكي، ولكن بكين ستعمل على استخدام الورقة الإيرانية في تحقيق منافعها المالية بالتخفيف من شراء النفط الإيراني وتشديد الرقابة على القنوات المالية والتكنولوجية التي تساعد طهران في مواجهة أزماتها الداخلية، مقابل قيام الإدارة الأمريكية باحداث سلسلة من التعامل المرن في ملفات التجارة والتعريفات والقيود على بعض الأنشطة التكنولوجية الصينية.
الولايات المتحده الامريكيه لا تصعد من انشطتها الرقابية على المؤسسات المالية الصينية الكبرى بشكل مباشر، لتمنح بكين مساحة تفاوضية في ملفاتها الاقتصادية والمالية المتعلقة بالتوريد للأسواق ومتابعة الأنشطة والتعاملات بالملفات التكنولوجية، في وقت تعمل القيادة الصينية للإبقاء على علاقتها السياسية والاستراتيجية مع إيران ولكنها تستخدم اسلوب تخفيض سقف المساعدة لها بما ينسجم واستمرار حماية مصالحها العليا.
ابتعدت الولايات المتحدة الأمريكية عن استهداف كبار المشترين الصينيين للنفط الإيراني، في اعتبار سياسي واقتصادي للعلاقات التي بين الرئيسين الأمريكي والصيني والحرص الذي تتسم به واشنطن على إبقاء هذه الوسيلة ضمن حساباتها في العلاقة مع بكين، وهو ما يمكن أن يكون ورقة تفاوضية مهمة في المباحثات القادمة في واشنطن بين الرئيس ترامب والرئيس الصيني جينبينغ، قد تساهم في المساعدة الصينية على توسيع دائرة الحصار الاقتصادي على مصادر التمويل المالي الإيراني، في حين قد تقدم الصين على قبول تعاونها بهذا الملف الحيوي للمساومة على قضايا تهم اقتصادها وتبادلاتها التجارية في مجالات الرسوم الكمركرية والأنشطة العلمية والتقنية وتصدير التكنلوجيا المتقدمة.
تُظهر بيانات وزارة الخزانة أن الولايات المتحدة فرضت منذ بداية الولاية الثانية للرئيس ترمب عقوبات مرتبطة بإيران على أكثر من 1,000 شخص وسفينة وطائرة، واستهدفت شركات التأمين على الشحن وشبكة شراء الأسلحة ومنصات تداول الأصول الرقمية، وجمدت ما يُقدر بنحو 500 مليار دولار من العملات المشفرة المرتبطة بإيران.
وخص وزير الخزانة الأميركية بيسنت بنك (ملي) الإيراني الذي لا يزال يدير فروعًا له في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا بالقول (يجب إغلاق كل فرع من فروع بنك ملي وإطفاء أنواره)، وأدت الإجراءات والتصريحات الأمريكية إلى تسجيل العملة الإيرانية أدنى مستوى لها، حيث هبط الريال الى مستوى (2 مليون) ريال مقابل الدولار الأميركي مع بدء التداول في أسواق العملات.
ويتبادر سؤال مهم، ما مقدار الضغط على إيران الذي تقبل الصين به مقابل تخفيف واشنطن الضغط على الصين؟ وماذا ستفعل إيران عندما تكتشف أن شراكتها الاستراتيجية مع الصين لم تعد ضمانة اقتصادية مستمرة، بل أصبحت ورقة تفاوض بين واشنطن وبكين؟
واضح أن إيران سوف تستخدم جميع وسائلها في الاحتواء الاقتصادي ولكنها ستعتمد على المواجهة الإقليمية المفتوحة إذا ما استشعرت حالة الخنق الكامل لها، وستعمل على التصعيد الميداني في مضيق هرمز برفع القدرة على الكلفة العالمية والإقليمية في مواجهة مسارات الطاقة الدولية والتجارة العالمية، وستكون أولى محاولاتها في الاحتواء الاقتصادي متمثل بتقتين الإنفاق وترشيد الدعم عن السلع الضرورية ومواجهة انخفاض العملة المحلية بتوسيع اقتصاد الظل والمقايضة والتسويات باليوان والعملات البديلة، وإعادة توجيه الموارد من التنمية إلى سياسة الحفاظ على النظام والأمن الداخلي وتشديد المراقبة على نشاط القطاع الخاص وحركة رؤوس الأموال وحركة النقد الداخلي، في محاولة منه لامتصاص الصدمة دون تقديم تنازلات سياسية مباشرة كما تراها القيادات الأمنية في الحرس الثوري وتتمسك بها حماية لها ولوجودها ونفوذها على القرار السياسي لإيران.

وتتعامل مع الصين ضمن مسارين حول تقليص الدعم لها من قبل السلطات الصينية أو الحفاظ على الحد الأدنى من بقاء امتداد الشريان الاقتصادي الصيني لإيران، وهنا ستكون المعادلة السياسية في عدم التصعيد الإيراني ضد الصين، بل ستعتمد على تعزيز الامتيازات الاستثمارية والتجارية الممنوحة للصين عبر استمرار صادرات النفط بأسعار منخفضة وعقود طويلة الأمد والبيع باليوان، اما اذا حدث العكس بحصول قناعة إيرانية بتخلي الصين عنها اقتصاديًا ضمن تفاهم أوسع مع واشنطن، فستصبح حساباتها أكثر خطورة بعد فقدانها لشريكها الاستراتيجي، باتخاذ إجراءات واعتماد سياسة تقوم على اعتماد مبدأ( إذا منعنا من الحياة الاقتصادية، فلن تكون التجارة والطاقة الإقليمية طبيعية). وهذا لا يعني إغلاق مضيق هرمز كاملًا، بل زيادة الكلفة والمخاطر والاضطراب بحالة مستمرة والبقاء على المضيق ورقة مركزية في العقل والسلوك الإيراني، لكن سوف لاتكون فعاليته مطلقة فإيران نفسها ستواجه ما بسياسة مماثلة من قبل الدول المتضررة من سياستها وأفعالها ببناء بدائل لها، ولكن الخطورة في التوجه الإيراني ما قاله نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني (حجي بابايي) في لقاء تلفزيوني اجراه بتاريخ 28 آب 2026 إن (دول الخليج لا ينبغي لها إنشاء خطوط أنابيب لنقل النفط، لأن ذلك سيجعل مضيق هرمز بلا أهمية، وأن إيران تعتبر إنشاء هذه الخطوط من قبل دول الخليج بمثابة إطلاق صواريخ عليها معتبرًا أن مساعدة الولايات المتحدة وأوروبا لهذه الدول، سواء عبر تزويدها بالنفط أو المعلومات تعد هي الأخرى بمثابة إطلاق صواريخ على إيران علينا منعهم من ذلك)، وستكون أمام استعداء لمواجهة طرق الملاحة البحرية والممرات المائية وخطوط امدادلت الطاقة الدولية والتجارة العالمية واستهداف أمن واستقرار اقطار مجلس التعاون الخليجي العربي بحجة وجود القواعد العسكرية والمصالح الاقتصادية الأمريكية ودعم الساحات التي تتواجد فيها المليشيات والفصائل المسلحة المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني للقيام بعمليات عسكرية وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة في محاولة منها لانكار مسؤوليتها وابتعادها عن مستوى التصعيد.
كلما وصل النظام الإيراني إلى قناعة بأن الولايات المتحدة الأمريكية تريد إضعاف النظام لا مجرد تغيير سلوكه ستعمل على الانتقال من سياسة الردع من أجل البقاء إلى سياسة الإصرار المتبادل من أجل منع خنقها اقتصاديًا واسقاطها سياسيًا، واعتماد مواجهة طويلة قائمة على الاستنزاف الذي ترى فيه طهران أن كلفة الضغط الاقتصادي.

وحدة الدراسات الإيرانية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة