اياد العناز
تعيش إيران مرحلة مهمة من تاريخها السياسي وامتداد مشروعها الاقليمي وتمسكها بثوابت العقيدة العسكرية والأمنية للحرس الثوري، وبدأت تعلن بصورة واضحة ودقيقة عن رؤيتها الميدانية في تعاملها الاستراتيجي مع العقوبات الاقتصادية الأمريكية التي أعلنتها، الإدارة الأمريكية في 24 آب 2026 وتعتبرالضغط الاقتصادي أزمة سياسية يمكن إدارتها وتهديدًا استراتيجيًا يتطلب أعداد أدوات فاعلة للمواجهه ونقلها إلى ساحات أخرى.
ستتعامل إيران داخليًا في تعزيز وسائلها في تمويل مؤسساتها الأمنية باعتبارها الركيزة الأساسية لتأمين الجانب الأكبر في حماية النظام وسلامته، مع تأمين الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي ومحاولة معالجة الأوضاع المعيشية للمواطنين الإيرانيين، واعتماد منافذ بديلة لبيع النفط والحفاظ على قنوات اقتصادية أخرى ضمن سياسية (اقتصاد البقاء)..
تواجه إيران معضلة كبيرة في ضرب العقوبات لقدرتها بإدارة الدولة وتماسك نظامها السياسي الأمني، بتراجع الإيرادات الحيوية بصورة واسعة وتقليص منافذ تصدير النفط وانسداد القنوات المالية والمصرفية الاساسية، وخسارة حليفين استراتيجين هما ( الصين والعراق) في إمكانية توفير المتنفس الاقتصادي الذي كان حاضرًا قبل العقوبات الأميركية، كما يوصل القيادات العسكرية والأمنية في الحرس الثوري الإيراني إلى قناعة ان العقوبات لم تعد تستهدف سلوك إيران، بل قدرتها على البقاء كدولة مستقلة وقوة إقليمية، وهنا تتمثل السياسة الإيرانية بالانتقال الى الرد غير المباشر المنظم بتوجيه حلفائها ووكلائها لزيادة كلفة الضغط على واشنطن مع البقاء على عدم التوجه لفتح مواجهة عسكرية مباشرة حتمية معها.
إذا رأت إيران أن استمرار الإدارة الأمريكية في توجهاتها ستؤدي إلى انهيار اقتصادي وإغلاق للموارد المالية وزيادة في الضغط السياسي بحيث لا يمكن تحمله من قبل جميع مرافق ومؤسسات الدولة وادواتها التنفيذية مما يؤدي إلى فقدان القدرة على حماية النظام والسيطرة على بدايات تفكيك مؤسسات الحكم، عندها ستأخذ المواحهة أبعادًا أكثر خطورة وحضورًا في الميدان.
أولى الخطوات الإيرانية ستكون باتجاه العراق، عندما تلمس أنه لم يعد مجرد دولة ملتزمة بالعقوبات الأمريكية، بل أصبح أداة فاعلة في منظمومة الخنق الاقتصادي ضدها، وأنها بدأت تفتقد المنافذ الخارجية التي تعتمدها والتي أصبحت تشكل خنقًا اقتصاديًا لها والوصول لقناعة أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد إنهاكًا له بل اضعافًا لقدراته وعدم قابلته على مجاراة الأحداث.
بداية حملة العقوبات الاقتصادية الأمريكية كانت في 24 آب 2026، وسيكون العراق أحد الاختبارات الرئيسية لمدى قدرة الإدارة الأمريكية على عزل اهم الحلفاء الاقتصاديين لإيران، حيث تبلغ قيمة التبادلات التجارية بين بغداد وطهران (15-20) مليار دولار، في وقت صدرت تحذيرات من مسؤولين إيرانيين للدول المجاورة من التعاون مع الضغوط والعقوبات الأمريكية.
ستعمل إيران على اتخاذ إجراءات سياسية واقتصادية وأمنية ولكن بشكل محدود، إذا ما أقدمت بغداد على الالتزام بتطبيق العقوبات الأميركية، بإيقاف جميع التزاماتها من توريد الغاز الداخل في تشغيل المحطات الكهربائية الرئيسية التي يعتمد عليها العراق بشكل كامل والذي يشكل أزمة اجتماعية واقتصادية كبيرة إذا ما أدى الأمر إلى انقطاع الطاقة الكهربائية عن عديد من مدن واقضية العراق، والدخول بقوة في منع بغداد من تنفيذ العقوبات باستخدام ادواتها ووسائلها من وكلائها في ارباك الوضع الأمني الداخلي بصورة مدروسة، ولكن إيران ستنظر لجميع الاحتمالات والإجراءات التي ستعتمدها في الضغط على بغداد، كونها بحاجة ماسة لابقاء الرئة العراقية الاقتصادية قائمة فهي المتنفس الرئيسي لها، وأي تحول في مواجهة حالة الأمن والاستقرار والسعي لتفجير الأوضاع من قبلها سيؤدي لحرمانها من إحدى أهم نوافذها.
الولايات المتحده الامريكيه ستراقب الإجراءات العراقية وتنظر الردود الإيرانية، ولكنها ستعمل أيضًا على فرض إرادتها في تحقيق خفض فعلي في التعاملات التجارية بين بغداد وطهران، وأن الحكومة العراقية ستلتزم بدرجة معينة في تهديد المصالح الإيرانية، وهو جزء من خطة لإغلاق المنافذ الإيرانية قبل نهاية شهر أيلول 2026، والذي سيكون شهر اختبار لجميع الأطراف ذات العلاقة.
إذا ما اتسعت مساحة وخطورة العقوبات الأميركية، فإن العراق سيكون أولى الساحات التي من الممكن أن تتدخل فيها الفصائل المسلحة الحليفة للحرس الثوري لمواجهة محسوبة على الأرض والقيام بفعاليات معينة قبل اعتراف إيران بأن العقوبات وصلت إلى التصعيد الأكبر والتأثير الأشمل.
العراق يمثل معادلة سياسية مشتركة، هو ليس مجرد جبهة رد إيرانية، بل هو العقدة التي يلتقي فيها الاقتصاد بالعقوبات والطاقة بالسياسة والوجود الأمريكي بالنفود الإيراني، ولهذا سيكون الاختبار الحقيقي، هو هل لدى العراق القدرة على التضحية بعلاقات الاقتصادية مع إيران وبين التزاماته المالية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية؟
فقد يتحول العراق من ساحة توازن إلى أول ساحة إقليمية يظهر فيها مدى حالة المواجهة بين واشنطن وطهران، في حالة فشل بعداد في موازنتها بالعلاقة بين الدولتين، وسيكون من أخطر الساحات لأنه يقع في باب معادلة الضغط الاقتصادي الأمريكية، لأن واشنطن ترى فيه القناة التي يمكن عبرها تضييق الخناق المالي على إيران، في حين يبقى العراق مرتبطًا بها تجاريًا وماليًا وبقطاع الطاقة، في الوقت نفسه يحتفظ بعلاقات اقتصادية واسعة مع إيران.
أن الرد الإيراني سيكون عبر خطوات متوازنة من تحويل العراق من متنفس اقتصادي إلى ساحة حماية اقتصادية إيرانية تحمي تجارتها وتحولاتها ومدفوعاتها المالية، وهنا يكون بالنسبة لطهران بوابة اقتصادية يجب حمايتها وليس مجرد جار وحليف استراتيجي، و الخطورة هنا في الإجراء الأمريكي تجاه المصارف المالية والشركات التجارية العراقية قد يجعل بغداد أكثر حذرًا وستضغط إيران سياسيًا من أجل منع امتثال العراق للعقوبات الأمريكية، عبر علاقتها مع القوى والاحزاب السياسية والفصائل المسلحة التي ترتبط معها بعلاقات وطيدة واستثنائية للإبقاء على حالة التبادل الاقتصادي والمدفوعات التجارية وعدم الانجرار للعقوبات وتوسيع التعاون الثنائي في عملية توريد الغاز للعراق ورفض استخدام الساحة العراقية منصة لتطبيق العزل الأمريكي، وقد يستخدم استقرار العراق ليكون جزءًا مهمًا من عملية التفاوض على أمنه وحماية أرضه.
سيكون العراق قاعدة تتباين فيها قدرة واشنطن على عزل إيران وقدرة إيران على تعطيل هذا العزل، وقدرة بغداد للحفاظ على استقلالها واستقرارها.
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
