الباحثة شذا خليل*
غالباً ما تُوصف العلاقة بين الصين وإيران بصورة مبسطة، مفادها أن بكين تدعم طهران لأن البلدين يعارضان الهيمنة الأمريكية، ويتشاركان مصلحة في تحدي النظام الدولي الذي تقوده الدول الغربية. إلا أن هذا التفسير يغفل جانباً مهماً من تعقيدات الموقف الصيني. فلبكين أسباب اقتصادية وجيوسياسية قوية تدفعها إلى منع انهيار إيران أو تعرضها لهزيمة استراتيجية حاسمة. وفي الوقت نفسه، فإن تحوّل إيران إلى قوة إقليمية مفرطة النفوذ قد يهدد علاقات الصين المهمة مع دول الخليج، كما قد يعقّد جهود بكين في إدارة علاقتها مع واشنطن. ولذلك، فإن النتيجة المفضلة للصين ليست انهيار إيران ولا هيمنتها الإقليمية، بل الحفاظ على التوازن.
تكتسب إيران أهميتها بالنسبة للصين، أولاً، من زاوية أمن الطاقة. فالصين هي أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، ولا تزال منطقة الخليج ذات أهمية حيوية لاقتصادها. ويوفر النفط الإيراني لبكين مصدراً إضافياً للإمدادات، كما يحدّ من قدرة الولايات المتحدة وشركائها على تحديد الدول التي يمكنها المشاركة في أسواق الطاقة العالمية.
وهذا يساعد على تفسير سبب عدم نجاح العقوبات الأمريكية في عزل إيران بصورة كاملة عن التجارة الدولية. فقد وفّرت المشتريات الصينية لطهران شرياناً اقتصادياً مهماً. كما أن إجراء بعض المعاملات خارج القنوات التقليدية القائمة على الدولار، واستخدام الوسطاء، وتطوير ترتيبات بديلة للشحن والدفع، كلها عوامل جعلت تطبيق العقوبات الثانوية أكثر تعقيداً.
لكن حسابات الصين تتجاوز بكثير عدد براميل النفط التي تشتريها من إيران.
فمن وجهة نظر بكين، يرتبط ميزان القوى في الشرق الأوسط بالمنافسة الأوسع بين الصين والولايات المتحدة. فإذا تعرضت إيران لإضعاف شديد أو انهار نظامها السياسي، فقد يؤدي ذلك إلى توسع النفوذ الاستراتيجي الأمريكي في منطقة الخليج. كما قد تستنتج الدول التي تحاول تنويع علاقاتها بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وغيرها أن المظلة الأمنية الأمريكية لا تزال الخيار الذي لا يمكن الاستغناء عنه.
وسيكون مثل هذا السيناريو بمثابة انتكاسة استراتيجية لبكين.
لقد أمضت الصين سنوات في توسيع حضورها في الشرق الأوسط من خلال التجارة والبنية التحتية والتكنولوجيا واستثمارات الطاقة والدبلوماسية. ولم يكن هدفها، بصورة عامة، استبدال الولايات المتحدة عسكرياً، بل ترسيخ موقعها كقوة اقتصادية ودبلوماسية لا يمكن تجاهلها. ولذلك، فإن شرق أوسط يعتمد بصورة شبه كاملة على واشنطن في أمنه سيحد من هامش المناورة الاستراتيجية للصين.
ومن هذا المنظور، تؤدي إيران، سواء كان ذلك مقصوداً أم لا، دوراً ضمن توازن إقليمي متعدد الأقطاب. فاستمرارها كقوة إقليمية مستقلة يساهم في منع الشرق الأوسط من الاصطفاف بالكامل خلف قوة خارجية واحدة.
لكن هذا لا يعني أن بكين تريد انتصاراً إيرانياً غير محدود.
وهنا يكمن أحد أهم عناصر السياسة الصينية.
تتمتع الصين بعلاقات اقتصادية واستراتيجية بالغة الأهمية مع السعودية والإمارات وقطر وغيرها من دول الخليج. فهذه الدول تمثل مورّدين رئيسيين للطاقة، وشركاء في الاستثمار، وأسواقاً مهمة للتكنولوجيا والبنية التحتية الصينية. وليس من مصلحة بكين التضحية بهذه العلاقات من أجل طهران.
بل إن صعود إيران بصورة كبيرة إلى درجة تمكّنها من فرض هيمنة إقليمية قد يثير مخاوف دول الخليج، ويؤدي إلى تصاعد المنافسة العسكرية، وربما يدفع دول المنطقة إلى الاصطفاف واختيار أحد المعسكرات. وهذا يتعارض مع تفضيل الصين للاستقرار والتعاون الاقتصادي.
ولهذا، يمكن تلخيص الوضع المثالي لإيران من وجهة النظر الصينية بهذه المعادلة:
إيران قوية بما يكفي للبقاء، ولكن ليست قوية إلى درجة الهيمنة على المنطقة.
وهذه المعادلة تساعد في تفسير ما يبدو ظاهرياً تناقضاً في السياسة الصينية. فبإمكان بكين معارضة العقوبات المفروضة على إيران، وشراء الطاقة الإيرانية، ومنح طهران مساحة دبلوماسية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مسافة سياسية منها وتجنب الالتزامات التي قد تحول العلاقة إلى تحالف رسمي.
وهناك قيد استراتيجي آخر لا يقل أهمية: الولايات المتحدة نفسها.
فالصين والولايات المتحدة منافستان استراتيجيتان، لكنهما في الوقت ذاته قوتان اقتصاديتان مترابطتان بصورة عميقة. وليس من مصلحة بكين تحويل إيران إلى قضية تؤدي إلى مواجهة لا يمكن السيطرة عليها مع واشنطن. فدعم إيران اقتصادياً أمر، والدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة دفاعاً عنها أمر مختلف تماماً.
لذلك تبدو الصين وكأنها تتبنى نوعاً من الغموض الاستراتيجي. فهي تريد أن تدرك واشنطن أن عزل إيران بصورة كاملة سيكون أمراً بالغ الصعوبة من دون تعاون صيني. وفي المقابل، لا تريد بكين أن تفترض طهران أن الدعم الاقتصادي الصيني يعني وجود ضمان أمني صيني غير مشروط.
وهذا الوضع يمنح الصين قدراً مهماً من النفوذ.
فإيران تحتاج إلى الوصول إلى السوق الصينية بدرجة أكبر من حاجة الصين إلى النفط الإيراني تحديداً. لدى بكين العديد من موردي الطاقة البديلين، بينما تحد العقوبات بصورة كبيرة من الخيارات المتاحة أمام طهران. ولذلك، وعلى الرغم من أهمية العلاقة الاستراتيجية للطرفين، فإنها تظل علاقة غير متكافئة من حيث القدرة على المناورة والبدائل. تستطيع الصين مساعدة إيران، لكنها تستطيع أيضاً زيادة هذا الدعم أو تقليصه وفقاً لمصالحها الأوسع.
وهذا يكشف أيضاً عن مشكلة في تصوير الصين وروسيا وإيران على أنها كتلة موحدة مناهضة للغرب. فقد تتعاون هذه الدول عندما تتقاطع مصالحها، لكن التعاون لا يلغي المنافسة أو انعدام الثقة أو اختلاف الأولويات. والهدف الأساسي للصين ليس بالضرورة تحقيق انتصار إيراني أو إلحاق هزيمة بالولايات المتحدة، بل الحفاظ على بيئة دولية تسمح للصين بتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي دون الانجرار إلى حرب كبرى.
وتكمن قيمة إيران بالنسبة لهذه الاستراتيجية تحديداً في مساهمتها في الحفاظ على التوازن.
لذلك فإن السؤال الأساسي الذي تواجهه بكين ليس ببساطة: «كيف ندعم إيران؟» بل سؤال أكثر تعقيداً:
«كيف نمنع هزيمة إيران من دون أن نصبح مسؤولين عن طموحاتها الإقليمية؟»
وهذا التمييز يشكل جوهر الحسابات الاستراتيجية الصينية تجاه إيران.
فبكين تستفيد من وجود إيران قادرة على مقاومة الضغوط الخارجية، وتصدير الطاقة، ومنع الولايات المتحدة من تحقيق هيمنة استراتيجية كاملة على الخليج. لكنها تستفيد أيضاً من علاقات مستقرة مع الدول العربية ومن علاقة يمكن إدارتها مع واشنطن. وبالتالي، لدى الصين دوافع قوية لمنع حدوث كلا السيناريوهين المتطرفين: انهيار إيران من جهة، وتحولها إلى قوة مهيمنة بصورة مطلقة من جهة أخرى.
ومن هذا المنظور، فإن سياسة الصين تجاه إيران لا تقوم على الصداقة بقدر ما تقوم على التوازن الاستراتيجي. فبكين لا تحتاج إلى أن تنتصر طهران في كل شيء؛ بل تحتاج إلى أن تبقى إيران قوية بما يكفي لكي لا تتمكن أي قوة أخرى من الانتصار في كل شيء.
وحدة الدراسات الاقتصادية مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
