الباحثة شذا خليل*
لم تعد أزمة التومان في إيران مجرد تقلب في سوق الصرف، بل أصبحت مرآة تعكس حجم الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد الإيراني. فتراجع قيمة العملة المحلية يرتبط اليوم بمجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها العقوبات، والتوترات العسكرية، واضطراب الملاحة، وتراجع صادرات النفط، إلى جانب التضخم المرتفع. والمشكلة أن ضعف التومان لا يتوقف عند حدود سوق العملات، بل ينتقل سريعًا إلى الأسعار والإنتاج والقوة الشرائية للمواطن.
يمثل النفط أحد أهم مصادر العملات الأجنبية لإيران. وبحسب بيانات يوليو/تموز، تراجعت صادرات النفط من نحو 1.7 مليون برميل يوميًا في يونيو/حزيران إلى قرابة 967 ألف برميل يوميًا في يوليو. وهذا الانخفاض لا يعني خسارة إيرادات نفطية فحسب، بل يحد أيضًا من تدفق العملات الأجنبية التي يحتاجها الاقتصاد لتمويل الواردات ودعم النشاط الاقتصادي. ومع العقوبات وصعوبة التحويلات المالية والخصومات المقدمة للمشترين وارتفاع مخاطر النقل، تصبح قدرة إيران على تحويل ثروتها النفطية إلى إيرادات فعلية أكثر تعقيدًا.
وهنا تظهر الحلقة الأخطر: **تراجع الصادرات يقلل الإيرادات الخارجية، ونقص العملات الأجنبية يزيد الضغط على التومان، وضعف التومان يرفع تكلفة الواردات والإنتاج، ثم تنتقل الزيادة إلى الأسعار ويتحمل المواطن النتيجة النهائية.**
وتبرز خطورة هذه المعادلة عندما تصل إلى الغذاء والسلع الأساسية. فالأسرة تستطيع تأجيل شراء كثير من السلع، لكنها لا تستطيع تأجيل احتياجاتها اليومية. وعندما ترتفع الأسعار بوتيرة أسرع من الأجور، تتراجع القيمة الحقيقية للدخل حتى لو بقي الراتب الاسمي ثابتًا أو ارتفع قليلًا. وهكذا تتحول أزمة التومان من مسألة نقدية إلى أزمة معيشية تمس الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل بصورة مباشرة.
لكن أزمة العملة تحمل بعدًا آخر لا يقل خطورة، وهو **الثقة**. فعندما يتوقع المواطن أو المستثمر استمرار انخفاض قيمة التومان، تزداد الرغبة في حماية المدخرات عبر الدولار أو الذهب أو العقارات. ومع ارتفاع الطلب على الأصول البديلة، يتزايد الضغط على العملة المحلية، فتتحول التوقعات السلبية نفسها إلى عامل يغذي الأزمة.
وعلى المدى الطويل، يمتد التأثير إلى الاستثمار. فتقلب العملة يجعل من الصعب على الشركات تقدير تكاليف المشروعات والمعدات والمواد الأولية، ما يدفع بعضها إلى تأجيل الاستثمار أو تقليصه. وانخفاض الاستثمار اليوم يعني إنتاجية وفرص عمل ونموًا أقل في المستقبل.
فهل يستطيع التومان استعادة استقراره؟
الإجابة لا ترتبط بالتدخل في سوق الصرف وحده. فاستقرار العملة يحتاج إلى زيادة قدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية، وانتظام صادرات النفط، وضبط التضخم، وتحسين بيئة الاستثمار والإنتاج، إلى جانب تخفيف القيود التجارية والمالية.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس إلى أي مستوى يمكن أن يصل التومان أمام الدولار، بل **إلى أي مدى يستطيع الاقتصاد الإيراني استعادة الثقة ووقف تآكل القوة الشرائية؟**
فإذا استمرت العقوبات والتوترات وتراجع الإيرادات وارتفاع التضخم، سيظل التومان مرآة لاستنزاف اقتصادي أوسع. أما إذا اقترنت التهدئة الخارجية بإصلاح اقتصادي داخلي وزيادة الاستثمار والإنتاج، فقد تستعيد العملة جزءًا من استقرارها.
**فمستقبل التومان لن تحدده سوق الصرف وحدها؛ بل قدرة إيران على تحويل ثروتها النفطية إلى إنتاج واستثمار وثقة ونمو مستدام.**
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
