إيران في قبضة الاستنزاف الاقتصادي: حين تتحول أزمة النفط والتضخم والعقوبات إلى أزمة دولة.

إيران في قبضة الاستنزاف الاقتصادي: حين تتحول أزمة النفط والتضخم والعقوبات إلى أزمة دولة.

الباحثة شذا خليل*

لم تعد الأزمة الاقتصادية في إيران مجرد موجة تضخم عابرة، ولا نتيجة مباشرة للعقوبات يمكن اختزالها في تراجع الصادرات النفطية أو انخفاض قيمة الريال. ما يحدث اليوم أكثر تعقيدًا: تراكم متزامن لضغوط مالية ونقدية وتجارية وجيوسياسية بدأ يضغط على قدرة الاقتصاد نفسه على إنتاج النمو والاستقرار.

فالاقتصادات لا تنهار عادة بسبب رقم واحد، ولا بسبب سنة سيئة واحدة. الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول الصدمات الخارجية إلى اختلالات داخلية، ثم تبدأ هذه الاختلالات في تغذية بعضها بعضًا: النفط يضغط على العملة، والعملة تغذي التضخم، والتضخم يلتهم الدخول، وتراجع الدخول يضعف الطلب والاستثمار، بينما يحتاج الاقتصاد في الوقت نفسه إلى موارد أكبر لمواجهة الأزمة.

وهذا، إلى حد بعيد، هو جوهر المأزق الإيراني اليوم.

اقتصاد غني بالموارد… لكنه يعاني من ندرة الاستقرار

تبدو المفارقة الإيرانية واضحة: دولة تمتلك احتياطيات هائلة من النفط والغاز، وسوقًا داخلية كبيرة، وقاعدة صناعية وخبرات بشرية وموقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية، لكنها تواجه في الوقت نفسه تضخمًا مرتفعًا، وضعفًا في الاستثمار، وضغوطًا مستمرة على العملة، وقيودًا على التجارة والتمويل.

إنها مفارقة تكشف حقيقة اقتصادية أساسية: امتلاك الموارد لا يصنع الثروة وحده؛ القدرة على تحويل الموارد إلى استثمار وإنتاج وصادرات ودخل مستدام هي التي تصنعها.

وفي الحالة الإيرانية، أصبحت هذه العملية أكثر صعوبة مع اتساع العقوبات، وارتفاع المخاطر السياسية والعسكرية، وتعقّد التحويلات المالية، واضطراب طرق التجارة وتصدير الطاقة.

لذلك فإن السؤال لم يعد كم تمتلك إيران من النفط، وإنما: كم تستطيع أن تصدّر؟ وبأي سعر؟ وبأي كلفة؟ وكيف تحصل على عائداته؟ ثم كيف توظف هذه العائدات داخل الاقتصاد؟

عندما يتحول التضخم من ظاهرة نقدية إلى أزمة اجتماعية

الأرقام الأخيرة تضع التضخم في قلب المشهد الإيراني.

لكن خطورة التضخم لا تكمن فقط في ارتفاع مؤشر الأسعار. فعندما يستمر لفترة طويلة، فإنه يعيد توزيع الثروة داخل المجتمع بصورة قاسية وغير متكافئة.

صاحب الراتب الثابت يصبح أفقر حتى لو لم ينخفض راتبه اسميًا. والمدخرات بالعملة المحلية تفقد قيمتها الحقيقية. والأسرة التي كانت تنتمي إلى الطبقة الوسطى تبدأ تدريجيًا في إعادة ترتيب أولوياتها: الغذاء أولًا، ثم السكن والطاقة، بينما تتراجع قدرتها على الإنفاق على التعليم والصحة والادخار والترفيه.

وهنا يصبح تضخم الغذاء تحديدًا أكثر خطورة.

لأن ارتفاع أسعار المواد الأساسية لا يمثل مجرد تغير في الأسواق، بل يعني أن نسبة متزايدة من دخل الأسرة أصبحت مخصصة للبقاء اليومي.

وعندما ينتقل التضخم من أسعار الكماليات إلى الغذاء والسكن والنقل، فإنه لا يضغط على مستوى المعيشة فحسب، بل يبدأ في تغيير البنية الاجتماعية نفسها.

النفط… شريان الاقتصاد ونقطة ضعفه في آن واحد

منذ عقود، منح النفط إيران قوة مالية وجيوسياسية كبيرة. لكنه في الوقت نفسه جعل تدفقات النقد الأجنبي شديدة الحساسية للعقوبات والتوترات الإقليمية.

وعندما تنخفض صادرات النفط، لا تخسر الدولة قيمة البراميل المفقودة فقط.

فالنفط هو أحد أهم مصادر العملات الأجنبية. وبالتالي فإن تراجع الصادرات يعني انخفاض تدفقات الدولار والعملات الصعبة، وهو ما يزيد الضغط على الريال ويرفع تكلفة الواردات.

ومن هنا تبدأ سلسلة اقتصادية شديدة الخطورة:

صادرات أقل → عملة أجنبية أقل → ضغط أكبر على الريال → واردات أغلى → تكاليف إنتاج أعلى → أسعار أعلى → قوة شرائية أضعف.

وهكذا تتحول أزمة النفط الخارجية إلى تضخم داخلي يدفع المواطن جزءًا كبيرًا من تكلفته.

والأكثر تعقيدًا أن ارتفاع أسعار النفط عالميًا لا يعني بالضرورة أن إيران هي المستفيد الأكبر.

فالدولة لا تربح من سعر البرميل الموجود على شاشات الأسواق الدولية، وإنما من البرميل الذي تستطيع بيعه وشحنه وتحصيل قيمته فعليًا.

لذلك يمكن أن يرتفع النفط عالميًا بينما تتراجع الإيرادات الإيرانية إذا انخفضت الكميات القابلة للتصدير أو ارتفعت الخصومات وتكاليف النقل والتأمين والتحايل على القيود المالية.

مضيق هرمز: عندما تتحول الجغرافيا من قوة إلى مخاطرة

يمنح الموقع الإيراني طهران نفوذًا استراتيجيًا استثنائيًا على واحد من أهم شرايين الطاقة العالمية: مضيق هرمز.

لكن المفارقة أن الجغرافيا نفسها يمكن أن تتحول إلى عبء اقتصادي عندما يصبح الممر البحري جزءًا من المواجهة.

فاضطراب الملاحة لا يرفع فقط تكلفة الشحن والتأمين بالنسبة للآخرين؛ بل يمكن أن يصيب صادرات إيران نفسها.

وهنا تظهر معادلة شديدة الحساسية:

ما يمنح إيران قوة جيوسياسية قد يتحول، إذا طال أمد الصراع، إلى مصدر ضغط اقتصادي عليها أيضًا.

فالدولة التي تعتمد على النفط تحتاج قبل كل شيء إلى القدرة على إخراجه من الموانئ والوصول به إلى الأسواق بصورة منتظمة.

ولهذا فإن استمرار التوتر حول هرمز لا يمكن تقييمه عسكريًا فقط. إنه في جوهره أيضًا صراع حول تدفقات التجارة والطاقة والعملات الأجنبية.

الريال… المرآة التي تعكس أزمة الثقة

العملة ليست مجرد أداة للتبادل. في الاقتصادات التي تعاني تضخمًا مزمنًا تصبح العملة مؤشرًا على ثقة الناس بالمستقبل.

عندما يتوقع المواطن أو المستثمر استمرار انخفاض قيمة الريال، يصبح الاحتفاظ بالمدخرات بالعملة المحلية أكثر خطورة.

فتزداد الرغبة في تحويل الأموال إلى الدولار أو الذهب أو العقارات أو السلع التي يُعتقد أنها أكثر قدرة على حفظ القيمة.

وهنا تبدأ حلقة خطيرة: الخوف من انخفاض العملة يزيد الطلب على البدائل، وزيادة الطلب عليها تضغط على العملة أكثر، فيصبح التوقع جزءًا من المشكلة التي كان يخشاها الناس أصلًا.

ولهذا فإن الدفاع عن العملة لا يتحقق فقط بضخ الدولار في الأسواق أو فرض قيود على الصرف.

استقرار العملة يحتاج قبل كل شيء إلى استقرار التوقعات والثقة بالسياسة الاقتصادية وقدرة الدولة على توفير النقد الأجنبي والسيطرة على التضخم.

الموازنة بين مطرقة الإيرادات وسندان الإنفاق

هناك جانب آخر أكثر خطورة لا يظهر مباشرة في الأسواق: المالية العامة.

إذا انخفضت إيرادات النفط بينما بقيت التزامات الحكومة مرتفعة، فإن العجز المالي يتسع.

وتصبح الخيارات جميعها مؤلمة: تخفيض الإنفاق، زيادة الضرائب، الاقتراض، استخدام الاحتياطيات، أو اللجوء بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى زيادة السيولة.

لكن تمويل العجز بالتوسع النقدي في اقتصاد يعاني أصلًا من تضخم مرتفع يمكن أن يعيد إنتاج الأزمة على نطاق أكبر.

فتظهر دائرة أخرى:

عجز مالي → سيولة أكبر → تضخم أعلى → تراجع العملة → ارتفاع تكاليف الحكومة → عجز جديد.

وهذه إحدى أخطر الدوائر التي يمكن أن تدخلها الاقتصادات التضخمية.

العقوبات تفسر الكثير… لكنها لا تفسر كل شيء

من السهل تحميل العقوبات مسؤولية كل مشكلة اقتصادية إيرانية، لكن ذلك يقدم تفسيرًا ناقصًا.

لا شك أن العقوبات أثرت بعمق في قدرة إيران على تصدير النفط، والوصول إلى النظام المالي الدولي، واستقطاب الاستثمار والتكنولوجيا، وخفضت كفاءة التجارة ورفعت تكلفتها.

لكن الاقتصاد الإيراني يحمل أيضًا اختلالات داخلية سبقت كثيرًا من التطورات الحالية: ضعف الاستثمار، مشكلات القطاع المصرفي، تعدد أسعار الصرف، أعباء الدعم، ضعف اليقين التنظيمي، وهروب رؤوس الأموال والكفاءات.

ولهذا فإن رفع العقوبات وحده، إن حدث، لن يكون عصًا سحرية.

يمكنه أن يمنح الاقتصاد متنفسًا قويًا، لكنه لن يعوض عن الإصلاح الداخلي.

وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق في قراءة المستقبل الإيراني: الأزمة لها باب خارجي وباب داخلي، ولا يكفي إغلاق أحدهما.

الخطر الصامت: الاقتصاد الذي يتوقف عن الاستثمار في مستقبله

التضخم هو الجزء الذي يشعر به المواطن كل صباح عندما يذهب إلى السوق.

لكن الاستثمار هو الجزء الذي قد لا تظهر خطورته إلا بعد سنوات.

في بيئة تتسم بتقلب العملة والعقوبات واحتمالات الحرب وصعوبة الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا، تصبح الشركات أكثر ترددًا في بناء المصانع وشراء المعدات وتوسيع الإنتاج.

ورأس المال يبحث بطبيعته عن قدر معقول من القدرة على التنبؤ.

فإذا أصبح المستقبل الاقتصادي شديد الضبابية، لا يتوقف الاستثمار بالضرورة بالكامل، لكنه يتحول من استثمارات طويلة الأجل إلى أنشطة أقصر وأكثر تحفظًا.

والنتيجة تظهر لاحقًا في صورة مصانع أقدم، وإنتاجية أضعف، ووظائف أقل، وصادرات غير نفطية محدودة وقدرة أقل على المنافسة.

وهنا تصبح الأزمة أخطر بكثير من انخفاض الريال.

فالعملة يمكن أن تستعيد جزءًا من قيمتها إذا تغيرت الظروف، لكن سنوات الاستثمار الضائعة يصعب استعادتها بالسرعة نفسها.

هل نحن أمام انهيار اقتصادي إيراني؟

ليس بالضرورة.

وصف الاقتصاد الإيراني بأنه على وشك “الانهيار” قد يكون جذابًا إعلاميًا، لكنه ليس دقيقًا اقتصاديًا.

إيران دولة كبيرة تمتلك موارد طبيعية هائلة، واقتصادًا متنوعًا نسبيًا مقارنة ببعض الدول النفطية، وسوقًا داخلية واسعة، وشبكات تجارية إقليمية، وقد اكتسب اقتصادها عبر عقود من العقوبات قدرة كبيرة على التكيف.

لذلك يمكن للاقتصاد أن يستمر تحت ضغوط شديدة فترة طويلة.

لكن هنا يجب التمييز بين مفهومين مختلفين تمامًا:

القدرة على البقاء ليست هي القدرة على التنمية.

قد يبقى الاقتصاد قائمًا بينما يصبح المواطن أفقر، والاستثمار أضعف، والبنية التحتية أقدم، والعملة أقل قيمة، والطبقة الوسطى أصغر.

ومن هذه الزاوية، فإن الخطر الحقيقي على إيران ليس انهيارًا مفاجئًا بقدر ما هو استنزاف اقتصادي طويل الأجل.

ثلاثة طرق أمام إيران

المسار الأول هو استمرار المواجهة والعقوبات واضطراب صادرات النفط.

وفي هذا السيناريو، سيكون الاقتصاد أمام المزيد من الضغوط على العملة والأسعار والموازنة، وقد ترتفع معدلات الفقر ويتراجع الاستثمار بصورة أكبر.

وهذا هو سيناريو إدارة الأزمة بدل حلها.

المسار الثاني هو الوصول إلى تهدئة سياسية وأمنية تسمح بانتظام صادرات النفط وتخفيف مخاطر الملاحة والتجارة.

هذا يمكن أن يمنح الاقتصاد متنفسًا سريعًا: المزيد من العملات الأجنبية، ضغط أقل على الريال، قدرة أكبر على الاستيراد، وتحسن في توقعات الشركات.

لكنه سيبقى علاجًا للاستقرار أكثر منه علاجًا لبنية الاقتصاد.

أما المسار الثالث، والأكثر قدرة على تغيير الاتجاه، فهو الجمع بين تسوية خارجية وإصلاح داخلي.

أي تخفيف القيود على التجارة والاستثمار بالتوازي مع إصلاح النظام المصرفي والمالية العامة وسياسة سعر الصرف، وتشجيع القطاع الخاص، واستقطاب الاستثمار، وتطوير البنية التحتية والطاقة، وتحويل النفط والغاز من مصدر لتمويل الموازنة إلى قاعدة لبناء صناعات ذات قيمة مضافة.

عندها فقط يمكن أن تنتقل إيران من اقتصاد يتحمل العقوبات إلى اقتصاد ينافس على النمو.

إيران إلى أين؟

الاختبار الحقيقي الذي تواجهه إيران اليوم ليس قدرتها على تحمل شهر آخر من العقوبات، ولا قدرتها على بيع شحنة نفط إضافية.

الاختبار أكبر من ذلك.

إنه اختبار قدرة الدولة على منع الأزمة السياسية والأمنية من التحول إلى أزمة تنموية طويلة الأجل.

فإيران لا تعاني من نقص الموارد. بل ربما تكون المفارقة التاريخية أنها تمتلك من الموارد والموقع والسوق والطاقات البشرية ما يسمح لها بأن تكون واحدة من الاقتصادات الكبرى في المنطقة.

لكن الاقتصاد لا يعيش على الإمكانات، بل على القدرة على تحويلها إلى إنتاج واستثمار وثقة.

ولهذا فإن السؤال الحاسم ليس:

هل يستطيع الاقتصاد الإيراني الصمود؟

فقد أثبت أنه يستطيع الصمود تحت ضغوط قاسية.

السؤال الأهم هو:

ما الثمن الذي سيدفعه مقابل هذا الصمود؟

إذا استمرت معادلة العقوبات، والتوتر العسكري، وضعف العملة، والتضخم، وتراجع الاستثمار، فإن الخطر لن يكون في نفاد النفط الإيراني، بل في استنزاف الطبقة الوسطى ورأس المال والاستثمار والفرص التي كان يمكن أن تبني اقتصاد المستقبل.

أما إذا استطاعت إيران تحويل التهدئة السياسية إلى إصلاح اقتصادي، وإيرادات الطاقة إلى استثمار منتج، وموقعها الجغرافي من ساحة مواجهة إلى مركز للتجارة والطاقة، فإن الاتجاه يمكن أن يتغير بصورة جوهرية.

وبين هذين الطريقين يتحدد مستقبل الاقتصاد الإيراني: اقتصاد كبير يتعلم كيف يعيش تحت الأزمة، أم اقتصاد يقرر أخيرًا أن تكلفة إدارة الأزمة أصبحت أعلى من تكلفة تغييرها؟

 

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية