اياد العناز
بتاريخ 5 آيلول 2026 بدأت صفحة جديدة في المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية تمثلت في استخدام الناقلات أهداف بحرية للتصعيد البحري في مضيق هرمز، بالبيان الذي أعلنه الجيش الأمريكي عن استهداف ثلاث ناقلات إيرانية محملة بالنفط الخام، تم تعطيل ناقلتين منها بشكل دائم بينما دمرت الثالثة بالكامل وكانت خالية من أي حمولة، تمت عملية الاستهداف احداهما بالقرب من جزيرة خرج والثانية كانت قريبة من جزيرة جاسك الواقعة شرق مضيق هرمز، و الناقلة المدمرة الثالثة تعرضت للقصف في خليج عُمان، وأكد البيان أن الناقلات الثلاث تابعة لشبكة خفية تساعد في تمويل الحرس الثوري الإيراني.
تحدث قائد القوات المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر قائلًا (لن نتردد في الدفاع عن القوات الأميركية، وإذا لزم الأمر سندمر أسطول النفط الإيراني المحدود والمكشوف).
أن من مستجدات الأوضاع في منطقة الخليج العربي حرب الناقلات التي لا يمكن اعتبارها ظاهرة جديدة، فقد شهد المنطقة خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) ما أطلق عليه حينها بحرب الناقلات باستهداف السفن التجارية وناقلات النفط وموانئ التصدير، واليوم تتكرر الاحداث ذاتها ولكن بأدوات ورسائل واسلحة أكثر تطوراً وحضورًا في الميدان، فالصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة والاستطلاع الفضائي والأقمار الصناعية والطائرات المقاتلة والسفن الحربية، أصبحت أدوات أساسية في الصراع على المجال البحري.
تحاول البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني إثبات وجودها وتأثيرها بعد الخسائر الكبيرة التي طالت القوة البحرية الإيرانية منذ اندلاع المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في 28 شباط 2026 والتي أصابت السفن والناقلات الإيرانية، وتعرضت للتدمير عشرات القطع البحرية (بينها نحو 20 إلى 43 سفينة حربية وغواصة) وفقًا للتقارير العسكرية الأمريكية، فوجهت عناصرها وكتائبها البحرية بتجميع الزوارق السريعة (اسطول البعوض) والصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيرة والألغام البحرية والصواريخ الساحلية وإعداد الكمائن البحرية، لتمنحها القدرة على تهديد الملاحة حتى في حالة عدم امتلاكها التفوق البحري المعروف، في حين تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية تفوقًا واضحًا في القوة البحرية بوجود حاملات الطائرات والمدمرات والغواصات والطائرات البحرية والاستطلاع والقدرات الفضائية.
تمثل عملية استهداف الناقلات البحرية المرتبطة بشبكة النفط الإيرانية انتقالًا من الضغط على البنية العسكرية إلى ضرب أداة تمويل الحرب والحرس الثوري وتحويل الملاحة البحرية إلى طرف مباشر في المواحهة الثنائية بين واشنطن وطهران.
تتبع القيادة العسكرية الأمريكية سياسة الضغط الأقصى في تحقيق أهدافها بقطع مصادر الإيرادات الإيرانية بما فيها شبكات الشحن والوسطاء الماليين وقنوات تحويل عائدات النفط، مع تحديد أولويات ووسائل دائمة تستند لاجراءات مباشرة في استهداف أسطول النفط الإيراني.
أن الاستهداف الأمريكي لناقلة بحرية إيرانية قرب جزيرة خرج، يتسم بأهمية عسكرية واقتصادية كبيرة كونها تمثل إحدى أهم مراكز تصدير النفط الإيراني، والاقتراب منها يعني أن المواجهة البحرية تقترب من الركيزة الأساسية والعمود الفقري للاقتصاد الإيراني.
سيزداد الضغط نحو عملية منع الحصول على مزيد من الموارد المالية للعملة الصعبة وتمويل الواردات، ويحاول المسؤولين الإيرانيين إقناع أنفسهم بقدرتهم على تعويض خسائرهم عبر رفع أسعار النفط العالمية وتوسيع التجارة عبر عمليات التهريب واستخدام الممرات البرية الحدودية والاعتماد على الحليفين الرئيسين ( الصين وروسيا)، ولكنهم قد لا يدركون أن النتيجة النهائية هي مزيد من الاستنزاف التدريجي وليس الانهيار السريع.
لا زال مضيق هرمز يمثل محور أساسي في المواجهة الثنائية، فواشنطن تصر على أن الممر يجب أن يبقى مفتوحًا تحت حماية دولية أمريكية، فيما تؤكد إيران احقيتها في السيطرة والإدارة الفعلية للمضيق، ورغم التقارير الأمريكية حول إزالة الألغام البحرية إلا أن المخاوف لا زالت قائمة رغم الإعلان عن القيام بعمليات تطهير للمضيق مع استمرار قائم في انخفاض حركة الشحن وارتفاع أقساط التأمين.
عملية الضغط السياسي والاقتصادي الأمريكي مستمرة بتنفيذ ومتابعة العقوبات الأخيرة والحصار البحري على إيران والتي أدت إلى تراجع في صادرات النفط والصعوبة في الوصول للنقد الأجنبي والارتفاع الملموس في مخاطر التجارة ووسائلها وطرقها، مع اعتماد صيغ ثابتة في توجيه العقوبات نحو الهيكلية العملية والتنفيذية للحرس الثوري الإيراني.
كلما تعاظمت خطورة ونتائج العقوبات الأميركية الاقتصادية وآثارها على الأوضاع العامة في إيران وشعور القيادات الأمنية والعسكرية للحرس الثوري والمسؤولين في مجلس الأمن القومي الإيراني بأن المستهدف ليس السلوك السياسي للنظام بل الهدف إسقاطه، ستقوم هذه الجهات بخطوات واسعة في تشديد الرقابة على الأسواق الإيرانية ومتابعة حركة الاحتجاجات الشعبية وتوسيع فعالية الجهد الاقتصادي للحرس الثوري في تأمين المستلزمات المالية لتعزيز دور مؤسسة خاتم الأنبياء في أعمال التجارة وتصدير النفط والنقل والشحن العام ومحاولة طرق الوسائل الدبلوماسية في إبقاء المفاوضات حالة قائمة وغير مباشرة لتخفيف الضغوط السياسية من دون تغيير جوهري في بنية القرار الإيراني.
العقوبات الاقتصادية والضربات البحرية لم تعد المشكلة الوحيدة، بل أصبح السؤال هل تستطيع إيران الحفاظ على الحد الأدنى من النقد الأجنبي في ظل تراجع التصدير وارتفاع التضخم والحاجة إلى تمويل الواردات والإنفاق الأمني؟.
العقوبات والضغط البحري لا يعملان فقط على إضعاف الاقتصاد، بل يعيدان توزيع القوة داخل الدولة الإيرانية لصالح المؤسسات القادرة على إدارة الحصار ورسم القرار الإيراني.
قوة إيران في هرمز ليست في قدرتها على إغلاقه، بل في قدرتها على جعل المرور به قرارًا إيرانيًا؛ وقوة أمريكا ليست في السيطرة عليه وحدها، بل في منع طهران من امتلاك هذا القرار.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
