اياد العناز
بتاريخ 30 آب 2026 وضمن سياسة التصعيد في المواجهة الأمريكية الإيرانية، وجهت القوات الامريكية عديد من الضربات الجوية والصاروخية على منصات إطلاق الصواريخ الباليستية في جزيرة لارك القريبة من مضيق هرمز، أثر اتهام الولايات المتحدة الأمريكية لقيادات الحرس الثوري الإيراني بالاستعداد لزرع ألغام بحرية أو إطلاق صواريخ نحو السفن والناقلات البحرية المارة عبر المضيق وتهديد حركة الملاحة وإيقاف عمليات توريد الطاقة العالمية وامدادات التجارة العالمية.
جاء الرد الإيراني بإطلاق عدد من الصواريخ باتجاه المملكة الأردنية الهاشمية وتوجيه طائرة مسيرة مستهدفة دولة الإمارات بحجة وجود قواعد ومواقع تابعة للجيش الأمريكي، مما أعاد مضيق هرمز للتصعيد العسكري والاهتمام الإقليمي والدولي بعد فترة وجيزة من الهدوء النسبي في منطقة الخليج العربي.
لم تشكل الضربات الأمريكية حالة من الحرب الشاملة، بل محاولة أمريكية لمنع إيران من استعادة القدرة على إغلاق مضيق هرمز وفرض ممر ملاحي، وإما الاستهداف الإيراني فإنه يندرج تحت طائلة سلوك إيراني استمر مع بدء المواجهة العسكرية في 28 شباط 2026، بأن أي ضربة على الأراضي والقوات العسكرية والأمنية الإيرانية ستجابه بصواريخ وطائرات مسيرة تجاه المصالح والمواقع الأمريكية في الشرق الأوسط والوطن العربي.
ثم توالت الضربات الأمريكية داخل العمق الإيراني ردًا على السلوك الإيراني وعدم الانتباه للتحذير الأمريكي، فاصابت مواقع جديدة لمنظومات الدفاع الجوي ورادارات الانذار المبكر ومنشأت للاتصالات ومواقع للبحرية الإيرانية وقدرات مرتبطة بزرع الألغام لدى الحرس الثوري.
التوجه الأمريكي قائم على مبدأ فرض معادلة سياسية عسكرية تسعى إلى أن أي تهديد للملاحة والقواعد الإقليمية سيقابل باستهداف مباشر لبنية الحرس الثوري الإيراني البحرية والصاروخية، ضمن إطار التدرج في ضربات محددة وضغط اقتصادي متصاعد واستنزاف لقدرة إيران على تهديد الملاحة دون إسقاط النظام بالقوة.
الأهداف المعلنة للعقوبات الاقتصادية الأمريكية التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب في 24 آب 2026، هي زيادة الضغط السياسي والاقتصادي على إيران لاخضاعها وقبولها بالشروط الأميركية والترتيبات الأمنية الخاصة بمضيق هرمز، وهذا ما يحقق لواشنطن إنجازًا يسمح لها بالتخلي عن مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها في المفاوضات التي عقدت في العاصمة الباكستانية ( إسلام آباد) في 7 حزيران 2026، ويضمن للرئيس ترامب القدرة على مواجهة الانتقادات السياسية في الأوساط الداخلية الأمريكية وإعادة الاعتبار للحزب الجمهوري في استعداده لموعد الانتخابات النصفية للكونغرس في مواجهة الحزب الديمقراطي.
الولايات المتحدة الأمريكية تحاول في سياستها الاقتصادية باعتماد العقوبات الشاملة الذهاب إلى مسار الخنق الاقتصادي بديدلًا عن المسار العسكري لارباك المنظومة الحاكمة في طهران وإضعاف دورها في مواجهة التصاعد البياني للازمات الاقتصادية والاجتماعية والمطالب المعيشية لأبناء الشعوب الإيرانية.
الوصف الدقيق للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لتاثير العقوبات الأميركية بقوله (أن العقوبات هي حرب اقتصادية شاملة على إيران، والحصار البحري المشدد يحرمها من تصدير نفطها واستيراد مختلف المواد)، وهذا يعني تعطيل الموانئ البحرية الإيرانية وإسقاطها من معادلة دعم الاقتصاد الإيراني خلال هذه المرحلة شديدة التعقيد.
أن ما يخشاه النظام ومؤسساته الأمنية من اشتداد الحصار وآثاره على البيئة الاجتماعية وعدم وجود قناعة في الاعلان عن التفاوض مع الولايات المتحدة والقبول بشروطها، إن تؤدي الأوضاع إلى الذهاب لحالة من الصدام والمواجهة المسلحة مع الاحتجاجات الشعبية وتبقي جميع الاحتمالات واردة في حالة التصعيد الداخلي بما يفوق ما حصل في كانون الثاني 2026 من اتساع التظاهرات التي عمت معظم المدن الرئيسية الإيرانية وتحولت لمواجهات حقيقية وحروب داخلية قومية لتحقيق طموحاتها في الخلاص من النظام ورفض شرعيته، رغم عمليات القمع والاضطهاد والقتل وحملات الاعتقال والتعذيب التي تعرضت خلال العقود الماضية التي تلت عام 1979 من تاريخ إيران السياسي، بعد أن وصلت الأوضاع الاقتصادية لحالة من التدهور الكبير بارتفاع التضخم المالي بنسبة 85٪ وتراجع التجارة الخارجية بنسبة 35٪ وتراجع قيمة الريال الإيراني أمام العملة الصعبة بنسبة مليوني ريال للدولار ونقص في السلع والخدمات، وهو ما تحدث به الرئيس مسعود بزشكيان مشيرًا لانخفاض العائدات المالية من تصدير الطاقة العالمية والتجارة الدولية وتزايد في الضغوط الشعبية.
وأتى رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف برؤية استراتيجية في مواجهة العقوبات الأميركية والحصار البحري،تتضمن قيام إيران بالتصعيد العسكري والذهاب إلى مسار المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية إذا ما تحول الحصار إلى تهديد حقيقي يؤدي في النهاية لاسقاط النظام، ويرى أن العمل باتجاه التحول لقتال وحرب وجودية أفضل من التعامل السلبي مع الخنق الاقتصادي الذي اقرته الإدارة الأمريكية.
وحاول الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أثناء حضوره لقمة منظمة دول شنغهاي التي عقدت في العاصمة القيزغستانية (بيشكك) بتاريخ 31 آب 2026 التأكيد على أن الحل في إنهاء المواجهة الأمريكية الإيرانية يتم من خلال العودة لمذكرة التفاهم والالتزام العملي بها، في محاولة منه لإيقاف خطر العقوبات الاقتصادية الأمريكية وآثارها ونتائجها على مستقبل النظام الإيراني.
تنظر طهران إلى عدم إمكانية العودة لمذكرة التفاهم المشتركة بسبب الرفض الأمريكي لها إلا بشروط محددة تعيد الالتزام الإيراني في فتح مضيق هرمز وهو ما تراه حالة من الانصياع للشروط الأمريكية دون تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية تسعى إليها قبل البدأ بفتح المضيق، وهنا سيكون الخيار السياسي الإيراني نحو استمرار سياسة الاستنزاف السياسي والعسكري لواشنطن إلى موعد الانتخابات النصفية وانتظار الانعكاسات السلبية التي من الممكن حدوثها على موقف الرئيس ترامب والحرب الجمهوري، حتى وإن أدت هذه المدة الي مزيد من الهجمات والضربات المتوالية من قبل القوات الامريكية داخل العمق الإيراني.
واستمرت السياسة الأمريكية في تصعيدها المستمر للعقوبات الاقتصادية، الذي جاء خلال حديث وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بأن ( واشنطن تتجه إلى فرض عقوبات ثانوية أسبوعية، تستهدف المصارف والشبكات المالية والجهات التي تسهل التعامل مع إيران) محذرًا الدول والشركات من فقدان الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار، وكانت العقوبات السابقة قد استهدفت شبكات الشحن والكيانات والأشخاص المرتبطين بتوريد وتهريب النفط الإيراني وشراء المعدات والأدوات والمواد ذات الصبغة العسكرية والقدرات الصاروخية والنووية.
عملية استمرار العقوبات أسبوعيًا ستكون له آثار ذات أبعاد خطيرة وضغوط سياسية واقتصادية مستمرة تتعلق بالتحويلات المالية لعوائد تصدير النفط وتمويل استيراد السلع الأساسية والحاجات الضرورية واستقرار العملة المحلية التي شهدت انخفاضًا غير مسبوق والتأثير على قدرة الحكومة الإيرانية بتمويل المؤسسات الأمنية والعسكرية وقدرة الشركاء الإقليميين على إبقاء قنوات التجارة مفتوحة.
أزمة النظام الإيراني الداخلية لم تعد مجرد نتيجة للعقوبات والمواجهة العسكرية، بل بدأت تؤثر في بنية القرار الإيراني، فكلما تراجعت قدرة الحكومة على ضبط الأسعار وتأمين الموارد، ازداد اعتماد النظام على إمكانية الحرس الثوري والأجهزة الأمنية على ضبط الأوضاع الداخلية وحماية النظام وتأمين شرعيته السياسية، مع اعتماد أدوات لزيادة فعالية الاقتصاد المتوازي في الحصول على الموارد المالية والارتفاع بالخطاب الشعبوي لتعزيز التعبئة الوطنية وتسويق الأفعال والمواجهات التي تتم من قبل المعارضة الداخلية لسياسية النظام وربطها بالتدخلات الخارجية والتوجيهات الأمريكية الغربية.
الخطر القادم على ايران خلال المدى القريب ليس انهيارًا فوريًا للنظام، بل تأكل تدريجي للقدرة على الإدارة تظهر ملامحه في اضطراب حركة الأسواق وارتفاع المواد الغذائية والافتقراء للحاجات الأساسية وانخفاض القدرة الشرائية وضعف الثقة بالعملة المحلية والتعامل بها ومن ثم التحول نحو تصاعد في حركة الاحتجاجات الشعبية، مع احتدام الصراع والاختلاف بين أجنحة النظام الحاكم ومؤسساته الأمنية والعسكرية والسياسية حول آفاق مساري التفاوض السياسي والحوار الدبلوماسي وتصاعد حدة التوجه نحو المواجهة العسكرية، مما يدفع النظام الي تشديد ضوابط الأمن الداخلي وإعداد الخطط الكفيلة لمواجهة أي تحركات داخلية ضد شرعية النظام، واحتمالية إبقاء باب التفاوض مفتوحًا دون تقديم تنازلات كبيرة وواسعة وفق التوجهات والشروط الأمريكية.
واشنطن تراهن على العقوبات والخنق الاقتصادي مع ضربات محدودة تمنع إيران من تهديد الملاحة في مضيق هرمز، وطهران تراهن على رفع كلفة الضغط عبر مضيق هرمز عبر استمرار عملياتها السوقية وضرباتها الصاروخية مع إمكانية الحفاظ على مسارات من التفاوض الغير مباشر عبر الوسطاء الإقليميين، وهنا تصبح المساحة الفعلية لاقطار مجلس التعاون الخليجي العربي طرفًا اساسيًا ومتأثرًا ومشاركًا في تعزيز الأمن البحري ومواصلة تسير ناقلات الشحن والسفن البحرية لا مجرد ساحة للصراعات العسكرية والخلافات السياسية.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
