معمر فيصل خولي
في 18 أغسطس/آب الحالي، وبعد أكثر من 480 غارة إسرائيلية ونحو 900 توغل بري داخل الأراضي السورية ما بعد الأسد، وعلى بعد نحو 70 كيلومترا عن الحدود السورية التركية. استهدفت إسرائيل البنية التحتية لمطار أبو الظهور العسكري الذي يتهيأ -وفق الرواية الإسرائيلية- لتمركز القوات التركية فيه كقاعدة عسكرية.
الرسالة من هذا الاعتداء قد تبدو واضحة، اسرائيل صاحبة الباع الطويل في خلق الوقائع على الأرض لا سيما في التعامل مع الضعفاء عسكريًا، هذه الوقائع التي تأتي منسجمة تمامًا مع مصالحها الأمنية الاستراتيجية، فقد فرضت هذه الوقائع في الضفة الغربية في مرحلة ما بعد أوسلو حتى أصبح الحديث عن ” الدولة الفلسطينية” بالباكي الضاحك.
وبعد إسقاط حكم بشار الاسد في سوريا في كانون الأول / ديسمبر عام ٢٠٢٤، مباشرة عملت إسرائيل على فرض رؤيتها الأمنية على جنوبي سوريا من خلال اقتطاع مساحات منه وضمها إلى الدولة الاسرائيلية مستغلة حالة الضعف في النظام السوري الناشيء.
إسرائيل نشأت في عام 1948م، في بيئة رافضة لوجوها، ولتكريس أمنها وبقائهان عمل رئيس وزرائها الأسبق ديفيد بن غوريون في عام ١٩٥٢م، على صياغة نظرية الأمنية الاسرائيلية أو العقيدة الاسرائيلية، التي شكلت لعقود من الزمن العمود الفقري للسياسات الاسرائيلية القائمة على الاعتداءات العسكرية للحفاظ على صورة إسرائيل الحالية من خلال نقل معاركها خارج حدودها. وعملت على تطويرها عندما تمكنت من تحويل التهديد الأمني الذي تعرضت له في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2022م، إلى فرصة إستراتيجية في محاولة منها في تعزيز أمنها الداخلي والخارجي وهذا ما رأيناه، في غزة وفي حنوبي سوريا وجنوبي لبنان وفي الجغرافيا الإيرانية.
واليوم، وبعد الاعتداء على مطار أبو الظهور تسعى إسرائيل إلى توسيع نظريتها الأمنية من خلال فرض رؤيتها الأمنية على شمالي سوريا، الذي يقع من ضمن النفوذ التركي في سوريا، ويعد هذا الاستهداف هو الأقوى – لغاية الآن – من حيث جولات التصعيد الإسرائيلية في الأراضي.
فاسرائيل التي تخلصت من الوجود العسكري الايراني في سوريا، لا تريد ان تستبدله في الوجود التركي، لاسيما وان تركيا تعد الراعي الإقليمي الرسمي لهذا النظام السياسي الجديد، وهذا الأمر قد يبطل مشاريعها في سوريا، وهو ما تنظر إليه بوصفه تحديا لعقيدتها العسكرية والأمنية في سوريا الجديد. ولاسيما وأن هذا القصف شكّل تحدي لتركيا، واختبار جدي لمفهوم النفوذ في العلاقات الدولية، فهل ستسمح تركيا لاسرائيل في فرض وقائعها أو العبث في مجالها الحيوي في سوريا؟
هنا على الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الحليفة التاريخية لاسرائيل وكذلك الأمر هي حليفة تركيا ضمن حلف شمال الأطلسي ” الناتو”، عدم التماهي مع المقاربة الإسرائيلية في سوريا ما بعد الأسد، وأن تمنع إسرائيل من الاستمرار باستفزاز تركيا لاسيما في مناطق نفوذها في شمالي سوريا، فالتغاضي الأمريكي عن جدول الأعمال الاسرائيلي هناك، لاسيما مع الوجود العسكري الإسرائيلي جنوبي سوريا والتركي في شماليه، والرؤية المتناقضة لكل من تركيا وإسرائيل لسوريا الجديدة، قد يوقع إحداهما أو الإثنين معًا في سوء التقدير – عن قصد أو غير قصد- الأمر الذي يقتح معه باب جديد من الصراعات والحروب.
