أزمة الوقود التي لا يراقبها أحد: كيف يمكن لحربين أن ترسلا صدمة جديدة إلى الاقتصاد العالمي؟

أزمة الوقود التي لا يراقبها أحد: كيف يمكن لحربين أن ترسلا صدمة جديدة إلى الاقتصاد العالمي؟

الباحثة شذا خليل*
تتقاطع الحربان المرتبطتان بإيران وأوكرانيا في مكان غير متوقع: خزانات وقود السفن التي تُبقي التجارة العالمية في حركة. وقد تمتد التداعيات إلى ما هو أبعد بكثير من أسواق الطاقة.

لسنوات، اعتاد العالم مراقبة أسعار النفط الخام كلما اندلعت حرب في منطقة رئيسية منتجة للطاقة. لكن الصدمة الاقتصادية المقبلة قد تأتي من سلعة أقل ظهوراً في العناوين: الوقود الذي يشغّل صناعة الشحن العالمية.

تضغط الحربان المرتبطتان بإيران وأوكرانيا اليوم على أجزاء مختلفة من منظومة الطاقة الدولية في الوقت نفسه. فالصراع حول إيران أحدث اضطراباً في الحركة البحرية في الخليج، وزاد حالة عدم اليقين المحيطة بمضيق هرمز. وفي المقابل، أدت الهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية إلى تقليص إمدادات المنتجات النفطية المكررة من واحدة من أكبر الدول المصدرة للطاقة في العالم.

والنتيجة هي ظهور نقص متزايد في زيت الوقود، بما في ذلك وقود السفن المعروف باسم Bunker Fuel.

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مشكلة متخصصة تخص شركات الشحن. لكنه في الواقع أكبر من ذلك بكثير. فالنقل البحري يشكل أحد الأعمدة الأساسية للعولمة، إذ تنقل السفن الطاقة والحبوب والمعادن والآلات والسيارات والإلكترونيات والسلع المصنعة بين القارات. وعندما ترتفع تكلفة تشغيل هذه السفن بصورة حادة، فإن التداعيات الاقتصادية لا تبقى في البحر.

تشير الأرقام بالفعل إلى ضغوط مهمة. فمن المتوقع أن يواجه سوق زيت الوقود العالمي عجزاً يقارب 218 ألف برميل يومياً خلال الربع الثالث من عام 2026، مقارنة بعجز هامشي لم يتجاوز 6 آلاف برميل يومياً في الفترة نفسها من العام الماضي. كما انخفضت صادرات زيت الوقود من الشرق الأوسط بنحو 45% على أساس سنوي بين مارس وأغسطس. أما صادرات روسيا من زيت الوقود فتراجعت إلى 591 ألف برميل يومياً في أغسطس، مقارنة بمتوسط تجاوز 860 ألف برميل يومياً في عام 2025.

لكن الحرب ليست السبب الوحيد.

فالمصافي نفسها تستجيب لحوافز اقتصادية قوية. عندما يُكرّر النفط الخام، تنتج عنه مجموعة من المنتجات، من بينها البنزين والديزل ووقود الطائرات والزيوت الثقيلة. وعندما تصبح هوامش أرباح الديزل مرتفعة بصورة استثنائية، تميل المصافي إلى تحويل جزء أكبر من المكونات الثقيلة إلى منتجات أعلى قيمة، بدلاً من إبقائها متاحة لإنتاج وقود السفن.

وهنا تظهر مفارقة اقتصادية مهمة: قد يمتلك العالم كميات من النفط الخام، لكنه مع ذلك يواجه نقصاً في نوع محدد من الوقود يحتاج إليه الاقتصاد العالمي.

وقد بدأت آثار هذا الضغط تظهر بالفعل في أهم مراكز تزويد السفن بالوقود. ففي سنغافورة، أكبر مركز عالمي لوقود السفن، ارتفع سعر الوقود البحري منخفض الكبريت بنحو 76% منذ بداية الحرب على إيران، ليقترب من 825 دولاراً للطن المتري بحلول الأول من سبتمبر. كما كانت مخزونات زيت الوقود في سنغافورة والفجيرة ومنطقة أمستردام–روتردام–أنتويرب أقل بنحو 30% من متوسطاتها الموسمية للسنوات الثلاث الماضية.

وهنا تتحول أزمة الطاقة إلى مشكلة تضخم.

ارتفاع تكلفة وقود السفن يعني زيادة تكلفة نقل البضائع بين الدول. ويدفع المستوردون مبالغ أكبر لإدخال السلع إلى الأسواق المحلية، بينما تواجه المصانع التي تعتمد على المواد الخام والمكونات الأجنبية ارتفاعاً في تكاليف الإنتاج. ويواجه تجار التجزئة ضغوطاً مشابهة عند استيراد السلع الجاهزة.

وفي النهاية، تجد الشركات نفسها أمام خيار صعب: إما تحمل جزء من هذه التكاليف على حساب أرباحها، أو نقلها تدريجياً إلى المستهلك من خلال رفع الأسعار.

ويجعل مضيق هرمز هذه المعادلة أكثر حساسية. فخطورة المضيق لا تكمن فقط في حجم الطاقة التي تمر عبره، بل في تمركز جزء بالغ الأهمية من تدفقات الطاقة العالمية داخل ممر بحري جغرافي ضيق.

ولا يحتاج الأمر إلى إغلاق المضيق بالكامل حتى تظهر الخسائر الاقتصادية. فالتأخير، والمخاطر الأمنية، وارتفاع تكاليف التأمين، وعدم اليقين، كلها عوامل قادرة على زيادة تكلفة التجارة حتى مع استمرار حركة السفن.

والتاريخ يقدم تحذيرات واضحة.

فقد أثبتت أزمة النفط عام 1973 أن اضطراب إمدادات الطاقة قادر على إشعال موجات تضخم وإضعاف النشاط الاقتصادي بعيداً عن الشرق الأوسط. ثم جاءت الثورة الإيرانية عام 1979 لتنتج صدمة نفطية عالمية أخرى.

وفي زمن أقرب، كشفت جائحة كورونا هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، عندما ساهمت الاختناقات في الموانئ ونقص الحاويات واضطرابات النقل في رفع الأسعار وإحداث نقص في العديد من السلع. ثم جاءت الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022 لتؤكد مدى سرعة انتقال آثار الحرب، عندما تكون إحدى الدول المتورطة منتجاً رئيسياً للطاقة والغذاء والسلع الأساسية، إلى بقية الاقتصاد العالمي.

لكن المشكلة الحالية تضع البنوك المركزية أمام معضلة أكثر تعقيداً.

فيمكن للبنوك المركزية رفع أسعار الفائدة للحد من الطلب، لكنها لا تستطيع إصلاح مصفاة مدمرة، ولا إنتاج المزيد من وقود السفن، ولا إعادة الأمن إلى ممر بحري يقع داخل منطقة صراع.

وإذا أدت تكاليف الطاقة والنقل إلى ارتفاع التضخم في الوقت الذي تؤدي فيه المخاطر الجيوسياسية إلى إضعاف الاستثمار والنمو، فقد تواجه الاقتصادات مزيجاً بالغ الصعوبة: أسعار مرتفعة ونمو اقتصادي ضعيف في الوقت نفسه، أي ضغوط باتجاه الركود التضخمي.

لكن هناك خطراً أعمق.

لقد بُني جزء كبير من العولمة على افتراض أن نقل السلع عبر آلاف الكيلومترات سيبقى رخيصاً نسبياً وآمناً ويمكن التنبؤ به. فإذا أصبح الشحن البحري مرتفع التكلفة وغير مستقر بصورة مستمرة، فقد تبدأ الشركات بإعادة التفكير في مواقع مصانعها، ومصادر موادها الخام، والمسافات التي تمتد عبرها سلاسل التوريد.

وقد تصبح بعض أنواع التجارة ذات هوامش الربح المنخفضة غير مجدية اقتصادياً، بينما تتجه الشركات نحو سلاسل توريد أقصر وأكثر أماناً.

عندها لن نكون أمام صدمة طاقة مؤقتة فحسب، بل أمام قوة جديدة قد تساهم في إعادة تشكيل العولمة نفسها.

لا يعني ذلك أن أزمة اقتصادية عالمية أصبحت حتمية. فالكثير يعتمد على مدة الحروب، ومستوى التصعيد، وعودة حركة الملاحة إلى طبيعتها، وقدرة المصافي والموردين البديلين على تعويض النقص.

لكن التحذير يصعب تجاهله.

لقد اعتاد العالم أن يسأل: ماذا ستفعل الحرب بسعر برميل النفط؟

ربما أصبح السؤال الاقتصادي الأهم اليوم: ماذا ستفعل الحرب بتكلفة تحريك العالم؟

لأن الأزمة عندما تصل إلى الوقود الذي يحرك التجارة العالمية، قد تبدأ الصدمة في البحر، لكنها بالتأكيد لن تنتهي هناك.

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية