العقوبات الأمريكية على إيران: من خنق الاقتصاد إلى اختبار قوة القرار

العقوبات الأمريكية على إيران: من خنق الاقتصاد إلى اختبار قوة القرار

اياد العناز 

التهديد الذي اطلقه محسن رضائي الأمين العام لمجلس الأمن القومي في 23 آب 2026 ، بمنع تدفق النفط من مضيق هرمز وإيقاف أي عملية تصدير للطاقة من قبل اقطار مجلس التعاون الخليجي العربي وتهديد أي دولة تلتزم بالعقوبات بالرد الإيراني المباشر واعتبارها مساندة للتوجهات الأمريكية باستهداف النظام الإيراني وبقائه، وتأتي هذه التهديدات بعد إقرار العقوبات الاقتصادية الأمريكية الواسعة على إيران في خطوة محسوبة من قبل الإدارة الأمريكية بتوسيع دائرة الضغط السياسي والاقتصادي وإجبار ايران للجلوس إلى طاولة المفاوضات والقبول بالشروط الأميركية.
أن إيران تعمل على قراءة مستقبل مواجهتها العسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية على ما تفضي إليه نتائج الانتخابات النصفية للكونغرس مع توارد المعلومات عن انخفاض المخزون العسكري الامريكي الاستراتيجي، وهو ما تراه القيادات الأمنية والعسكرية في الحرس الثوري أنها تمنحها أفضلية أكبر في أي مواجهة قادمة مع واشنطن، وهو ما يدفع بتشديد قرارها ومواقفها من عدم اللجوء لأي مفاوضات تقدمها دول إقليمية وتقديم تنازلات تتعلق بمبدأ العودة للحوار الدبلوماسي والتفاوض السياسي واعتماد مذكرة التفاهم المشتركة الموقعة في العاصمة الباكستانية ( إسلام آباد).
لا زلت القيادة الأمنية الإيرانية تتعامل مع الجغرافية السياسية لمضيق هرمز على أنها القوة الأكثر فعالية والقادرة على التأثير الفعلي لمسار التجارة العالمية وطرق إمداد الطاقة الدولية، ولكنها ابتعدت عن رؤيتها في إمكانية إقناع إدارة الرئيس ترامب لحلفائها وشركائها في تطبيق العقوبات الاقتصادية التي اقراها في 24 آب 2026 والالتزام بها وإيقاف تعاملاتها الاقتصادية والتجارية مع إيران.
تراهن طهران على الانتخابات الأميركية لأنها ترى فيها مصلحتها وبقائها وأنه كلما اعتمدت سياسة المطاولة والصبر الاستراتيجي ستزيد من ارتفاع تكلفة المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية وتدفع نحو ارتفاع أسعار الوقود مما يؤدي إلى تراجع في شعبية الرئيس دونالد ترامب، وهو ما سيدفع بمزيد من الضغوط لإجبارها على عقد صفة سياسية معهم تتيح لهم تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وإعادة الاعتبار لهم واعتماد إيران دولة إقليمية.
تدرك الولايات المتحدة الأمريكية ما يفكر به المسؤولين الإيرانيين واعتمدت خطة ونهج كبير في إقرار العقوبات الكبيرة الأخيرة، مع التزامها برؤيتها بضرورة إعادة فتح مضيق هرمز باعتباره هدفًا استراتيجيًا بعدما أصبحت عملية الاغلاق ذات تأثير وعامل ضغط على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي مع تواصل سياسة الضغط الاقتصادي لإجبارها على تقديم تنازلات سياسية في وقت ترى طهران أن ثباتها في التمسك بورقة هرمز هي أساس قوتها في اي متغير سياسي أو تفاوض دبلوماسي قادم.
المشهد العام في منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز يتجه نحو مواجهة استنزاف عسكرية اقتصادية وليس إلى تسوية متكاملة ولا إلى مواجهة مباشرة، تكون ملامحها توسيع دائرة الضغط العسكري الامريكي بالتركيز على استهداف مواقع القوة البحرية الإيرانية وأدواتها مع ضرب أماكن القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة، مع فرض عقوبات مالية بتقييد تصدير النفط الإيراني، فيما يكون الرد الإيراني موزع على القواعد والممرات والمصالح الإقليمية وابقاء حالة من البراغماتية السياسية في اعتماد باب مفتوح لمفاوضات غير مباشرة.
أن الصراع القائم يقترب من تثبيت وجود عسكري أمريكي طويل الأمد في منطقة الخليج العربي بالتزامن مع استمرار الهجمات على المناطق المحيطة بمضيق هرمز، وهو ما يعني تحول الأزمة بين واشنطن وطهران من عملية ضغط مؤقتة إلى إعادة تشكيل طويلة الأمد للأمن الخليجي العربي والممرات البحرية.
تراجعت صادرات النفط الإيرانية بصورة كبيرة من نحو مليوني برميل يوميًا في آذار إلى ما يقارب 220 – 255 ألف برميل يوميًا في آب 2026، نتيجة القيود البحرية وتعطل حركة الناقلات عبر هرمز، كما أشارت تقارير تقارير وكالة رويتر إلى استمرار توجه واشنطن لتشديد العقوبات المالية وشبكات الالتفاف على العقوبات.
السياسة الأمريكية في اعتماد خطيين متوازيين بين العقوبات المالية والخنق اللوجستي البحري، تقلل من قدرة إيران بالوصول إلى النظام المالي ويحد الحصار البحري من قدرتها على تحويل النفط لسيولة نقدية، وهذا ما سيؤدي إلى تراجع في الصادرات والواردات الإيرانية ومواجهة ضغوط متزايدة في الحصول على العملة الصعبة ومواجهة أزمات متفاقمة في إيقاف وتحديد الإنفاق العام، وقد تضطر إلى توسيع التمويل التضخمي أو استخدام احتياطاتها من النقد بوتيرة أسرع، وهذا ما سيجعل النظام يذهب لتشديد التعبئة الأمنية والسيطرة على السوق وحركة التجارة الداخلية وتعزيز الحماية الذاتية للنظام.
أن عملية التصاعد في الخيار الاقتصادي الذي اعتمده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأعلنه وزير الخزانة سكوت بيسنت، قد يتحول لتهديد حقيقي لابد لايران من استيعابه أو إيجاد آليات ورسائل محددة لابعاد تأثيراته، والتي جاءت ضمن الرسالة التي وجهها المرشد الأعلى مجتبى خامنئي آواخر شهر آب 2026 وتم نشرها عبر الموقع الخاص بالدائرة الاعلامية للمرشد والتي تضمنت النقاط الرئيسية التي رافقت حواره ولقائه مع الرئيس الايراني مسعود بزشكيان، بالتأكيد على سياسات جديدة تساعد في تلبية المطالب الشعبية ومحاولة التغلب على الأزمات الاقتصادية وإيجاد الحلول الجذرية لها ودعم الخدمات المقدمة للمواطنين الإيرانيين، وهذا ما يعني أن العقوبات الاقتصادية لها أثرها البالغ ووقعها على زيادة ثقل كاهل عمل الحكومة ، فكيف بالعقوبات الواسعة الأخيرة التي تستهدف إضعاف النظام وصولًا إلى استسلامه للشروط الأمريكية أو انهيار وسقوطه داخليًا.
أن العقوبات الأخيرة تختلف عما سبقتها من عقوبات اقرتها الإدارة الأمريكية والتي عبر عنها الرئيس ترامب بقوله (أنها حصار مطلق لم يرى العالم مثله)، في وقت تنعدم فيها البدائل تسمح بالالتفاف على الحصار البحري الذي تشكل فيه الموانئ الشريان الرئيس للاقتصاد الإيراني والحياة اليومية للمواطنين، ومعلوم أن التجارة البحرية الإيرانية تشكل مصدرًا لنحو 80٪ من حاجات السوق في حين يجري تأمين 20٪ عبر الممرات البربة.
ستبقى منطقة الخليج العربي في حالة ردع متبادل، إيران تحتاج لإغلاق كامل للمضيق كي تحقق أبعاد استراتيجية تكفيها رفع المخاطر عنها وتحديد حركة السفن نحو مسارات أقل سرعة وأعلى تكلفة مع تهديد مباشر للموانئ البحرية والمنشآت النفطية، وتحاول الولايات المتحدة جاهدة على إبقاء الممر مفتوحًا بالقوة لكن دون الذهاب لاحتلال بري لأماكن معينة أو مواجهة طويلة، كما ان عملية التصاعد والانخفاض في سعر برميل النفط يعكس عودة المخاطر واستمرار الضغط على الأسواق إذا ما تكررت الضربات وتحققت إصابات بالغة لناقلات وسفن كبيرة.
تؤكد تصريحات محافظ البنك المركزي الإيراني ( أن طهران تحاول إظهار امتلاكها احتياطات كافية وقدرة على ضخ ما يصل إلى ملياري دولار)، ثم العودة للاعتراف بوجود صعوبات ناتجة عن العقوبات والقيود البحرية، في وقت تجاوز سعر الدولار مليوني ريال وبلغ التضخم نحو 85٪ في منتصف آب 2026، بما يعكس اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي وصعوبة الحالة المعيشية للمواطن الإيراني.
مضيق هرمز أصبح ساحة الصراع الأساسي ومقياس النفوذ وواشنطن تريد تحويله لساحة مفتوحة تحت حماية البحرية الأمريكية، بينما تسعى طهران الاحتفاظ بقدرة تعطيل أو فرض كلفة على المرور من دون إغلاق كامل قد يستجلب ردًا واسعًا.
الأزمة تعزز انتقال إيران من منطق (الدولة الثورية) إلى منطق الدولة (الأمنية–التعبوية)، فكلما اشتد الضغط الخارجي تراجعت مساحة القرار الاقتصادي والمدني واتسعت حجة الأمن القومي لتبرير تشديد الرقابة وإدارة المجتمع من أعلى.
أما بزشكيان فيبدو أقرب إلى واجهة سياسية تفاوضية، بينما تحتفظ المؤسسات الأمنية بالقدرة الأكبر على رسم سقف الرد والاشتباك.

وحدة الدراسات الإيرانية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة