لوقت طويل، بدا الاقتصاد الإيراني وكأنه يمتلك قدرة استثنائية على امتصاص الصدمات؛ عقوبات تتوسع ثم تتشدد، عملة تتراجع ثم تبحث الأسواق عن توازن جديد، أزمات في الطاقة والتجارة، توترات سياسية، ثم حرب وحصار وضغوط متراكمة، ومع ذلك تستمر الأسواق في العمل، وتبقى السلع موجودة، وتتكيف الدولة والشركات والأسر مع واقع اقتصادي يزداد صعوبة. لكن استمرار الاقتصاد في العمل لا يعني بالضرورة أنه ما زال قوياً، وهنا يظهر مفهوم أكثر دقة لفهم الحالة الإيرانية اليوم: تآكل الصمود الاقتصادي. فالصمود الحقيقي يعني قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمة ثم استعادة قدرته على النمو والاستثمار وتحسين مستويات المعيشة، أما عندما يصبح التكيف قائماً على خفض استهلاك الأسر، واستنزاف المدخرات، وتأجيل الاستثمار، والبحث عن عمل إضافي، والاستغناء التدريجي عن سلع وخدمات كانت تعد جزءاً طبيعياً من الحياة، فإن ما يبدو من الخارج صموداً قد يكون في الحقيقة استنزافاً بطيئاً لقدرة المجتمع على الاحتمال. التضخم المرتفع وفقدان العملة لقيمتها يضربان هذه القدرة من الداخل، لأن الأسرة لا تخسر دخلها دفعة واحدة، بل تفقد قوته الشرائية بصورة مستمرة؛ راتبها موجود، لكنها تستطيع شراء كمية أقل به كل شهر. وقد وصلت الضغوط في 2026 إلى مستويات شديدة، مع تسجيل معدلات مرتفعة جداً للتضخم وتضخم الغذاء، في وقت تعرض فيه الريال لمزيد من الانخفاض. ولا يقع العبء بالتساوي على الجميع؛ فالأسر محدودة ومتوسطة الدخل تنفق نسبة أكبر من دخلها على الغذاء والسكن والنقل، ولذلك تكون قدرتها على حماية نفسها من التضخم أقل. ومع استمرار هذه الحالة، تتغير وظيفة الدخل نفسه: بدلاً من أن يكون وسيلة لبناء المستقبل يصبح أداة للبقاء في الحاضر. تختفي فكرة الادخار أولاً، ثم تتراجع المشتريات غير الضرورية، وبعدها تبدأ الأسرة بتقليص الإنفاق على التعليم والصحة والترفيه، وقد تلجأ إلى التقسيط أو الاقتراض لتغطية الاحتياجات الحالية. عند هذه النقطة لا يكون الاقتصاد قد انهار، لكن قاعدة الصمود التي يعتمد عليها تكون قد بدأت بالتآكل، لأن المجتمع يمول قدرته على الاستمرار اليوم من رفاهيته ومدخراته وفرصه في الغد.
أما النتيجة الثانية والأكثر خطورة فتظهر عندما ينتقل هذا السلوك من الأسر إلى الشركات والدولة، لأن تآكل الصمود لا يبقى أزمة معيشية، بل يتحول تدريجياً إلى مشكلة في قدرة الاقتصاد نفسه على إنتاج النمو. في بيئة شديدة التضخم وعدم اليقين، يسأل المستثمر نفسه: لماذا أبني مصنعاً أو أوسع شركتي اليوم إذا كنت لا أعرف قيمة العملة بعد ستة أشهر، أو تكلفة المواد والطاقة، أو مستقبل التجارة والعقوبات؟ وهكذا تنتقل الأولوية من الاستثمار إلى حماية الموجود، ومن التوسع إلى إدارة المخاطر، ومن التخطيط لخمس سنوات إلى محاولة عبور الأشهر المقبلة. والنتيجة هي تأجيل الاستثمار، وضعف خلق الوظائف، وتباطؤ تحديث الشركات والتكنولوجيا والإنتاجية، بينما يفكر جزء من أصحاب المهارات ورأس المال في نقل أموالهم أو مستقبلهم إلى الخارج. وفي الوقت نفسه تواجه الدولة معضلة مشابهة؛ فكلما تراجعت القوة الشرائية ارتفعت الحاجة إلى الدعم والمساعدات، وكلما تراجعت الإيرادات النفطية أو صعب الوصول إلى العملة الأجنبية ازدادت صعوبة تمويل ذلك الدعم. وهكذا تُستهلك موارد كان يمكن توجيهها إلى البنية التحتية والتعليم والصحة والاستثمار في إدارة الأزمة اليومية. وتزداد خطورة هذه الدائرة عندما تقترن بتراجع عائدات النفط والتجارة؛ فالتقديرات المنشورة في 2026 تشير إلى انكماش اقتصادي ملحوظ، بينما بقي التضخم عند مستويات استثنائية. وهنا تدخل إيران في معادلة شبيهة بالركود التضخمي الداخلي: اقتصاد ينتج وينمو أقل، بينما تستمر الأسعار في الارتفاع بسرعة. وهذه من أصعب البيئات الاقتصادية، لأن زيادة الإنفاق والدعم قد تساعد الأسر مؤقتاً لكنها قد تضيف ضغوطاً مالية ونقدية، بينما التشدد المالي قد يخفض الطلب أكثر ويعمق الانكماش. الأخطر من ذلك أن استمرار عدم اليقين يجعل المشكلة ذاتية التعزيز: الأسر تخشى المستقبل فتقلل الاستهلاك، الشركات تخشى المستقبل فتؤجل الاستثمار، المستثمرون يبحثون عن الأصول والعملات الأكثر أماناً، والضغط على العملة يزيد الأسعار، وارتفاع الأسعار يزيد الخوف من المستقبل. وبذلك لا تعود الأزمة مجرد نتيجة للحرب أو العقوبات، بل تبدأ في إنتاج أسباب جديدة لاستمرارها.
إلى أين تذهب إيران إذاً؟ السيناريو الأكثر أهمية ليس بالضرورة انهياراً مفاجئاً للاقتصاد، بل استمرار ما يمكن تسميته الانكماش البطيء في مستوى المعيشة والقدرة الاقتصادية. فالدول تستطيع أحياناً الاستمرار سنوات تحت ضغوط هائلة من خلال الاقتصاد غير الرسمي، وإعادة توجيه التجارة، والدعم الحكومي، وتغيير أنماط الاستهلاك، والبحث عن قنوات بديلة للعملات والتجارة. لكن السؤال ليس فقط: هل يستطيع الاقتصاد الإيراني البقاء؟ بل: ما نوع الاقتصاد والمجتمع اللذين سيبقيان بعد سنوات من هذا النوع من الصمود؟ إذا استمرت معدلات التضخم المرتفعة، وضعف الاستثمار، وتراجع قيمة العملة، وضاقت عائدات النفط والتجارة، فإن الطبقة الوسطى قد تتعرض لمزيد من الضغط، ويتسع الاعتماد على الدعم والعمل الإضافي والائتمان، بينما يصبح تكوين المدخرات وشراء السكن وتأسيس المشاريع وتخطيط الأسر للمستقبل أكثر صعوبة. وهذا يعني أن الخسارة لا تظهر فقط في الناتج المحلي أو سعر الريال، وإنما في رأس المال البشري والاجتماعي أيضاً: شباب يؤجلون الزواج وتكوين الأسر، مهنيون يفكرون في الهجرة، شركات تمتنع عن التوسع، وأسر تؤجل التعليم أو العلاج لأنها تعطي الأولوية للاحتياجات الأساسية. ومع مرور الوقت تصبح استعادة النمو أصعب، لأن الاقتصاد لا يحتاج عند انتهاء الأزمة إلى استقرار العملة والأسعار فقط، بل يحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الثقة والمدخرات والاستثمار والقدرة الشرائية. ولهذا فإن نقطة التحول الحقيقية بالنسبة لإيران ليست اللحظة التي تختفي فيها السلع من الأسواق أو تتوقف فيها الدولة عن العمل؛ فقد لا يحدث ذلك أصلاً. الخطر الأكبر هو الوصول إلى مرحلة يستمر فيها الاقتصاد شكلياً بينما تكون قدرته الداخلية على التعافي قد ضعفت عاماً بعد عام. وهنا يكمن معنى تآكل الصمود الاقتصادي: أن تتحول القدرة على تحمل الأزمة من مصدر قوة إلى عملية استنزاف، فيدفع المجتمع ثمن بقائه اليوم من قدرته على بناء الغد. وإذا لم يحدث تحول يعيد الاستقرار إلى التجارة والاستثمار والعملة والتوقعات الاقتصادية، فإن السؤال في السنوات المقبلة لن يكون ما إذا كانت إيران قد صمدت أمام الأزمة، وإنما كم بقي من قدرتها على الصمود، وكم ستحتاج من الوقت لاستعادة ما فقدته.
وحدة الدراسات الاقتصادي/ مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
