الباحثة شذا خليل*
لم تعد التداعيات الاقتصادية لحرب الخليج الحالية تُقاس فقط بعدد المنشآت التي دُمّرت، أو بحجم الخسائر العسكرية، أو حتى بارتفاع أسعار النفط، بل بما يمكن أن تتركه هذه الحرب من اختلالات أعمق في الاقتصاد العالمي إذا طال أمدها واتسعت دائرة عدم اليقين المحيطة بها. ولعل الخطر الأكثر إثارة للقلق اليوم هو عودة شبح الركود التضخمي، ذلك السيناريو الذي يجمع بين نقيضين اقتصاديين يصعب التعامل معهما في وقت واحد: ارتفاع الأسعار من جهة، وضعف النمو من جهة أخرى. وتبدأ هذه المعادلة من مضيق هرمز، الذي لم يعد مجرد ممر مائي تتنافس عليه القوى الإقليمية والدولية، بل أصبح نقطة شديدة الحساسية في الاقتصاد العالمي، لأن أي اضطراب طويل في حركة الطاقة والتجارة عبره ينعكس سريعاً على أسعار النفط وكلفة الشحن والتأمين. ولا يحتاج المضيق إلى إغلاق كامل حتى تبدأ الأزمة؛ فمجرد ارتفاع المخاطر المحيطة بمرور ناقلات النفط والسفن التجارية يكفي لدفع شركات التأمين إلى زيادة أقساطها، وشركات النقل إلى احتساب كلفة إضافية للمخاطر، والأسواق إلى إضافة علاوة جيوسياسية إلى أسعار الطاقة. ومن هنا تبدأ الحرب رحلتها من الخليج إلى جيوب المستهلكين حول العالم. فالنفط ليس سلعة معزولة عن بقية الاقتصاد، وإنما يدخل في النقل والصناعة والزراعة والطيران والتجارة وسلاسل الإمداد، ولذلك فإن ارتفاع سعره لا يبقى محصوراً عند محطات الوقود، بل يتسلل تدريجياً إلى تكلفة الغذاء والنقل والسلع والخدمات. وعندما ترتفع كلفة الإنتاج، تستطيع الشركات تحمّل جزء منها لفترة محدودة، لكنها في النهاية ستجد نفسها أمام خيارين: إما تقليص أرباحها،
أو تمرير جزء من الزيادة إلى المستهلك. وهنا يبدأ التضخم بالانتقال من أسواق الطاقة إلى الاقتصاد الأوسع. لكن الوجه الآخر للمشكلة أكثر خطورة؛ فالمستهلك الذي يدفع أكثر مقابل الوقود والغذاء والنقل سيجد أن ما يتبقى من دخله للإنفاق على السلع والخدمات الأخرى أصبح أقل، فتتراجع القوة الشرائية ويضعف الطلب. وفي الوقت نفسه، تصبح الشركات أكثر حذراً في التوسع والتوظيف والاستثمار، خصوصاً إذا لم تكن تعرف ما إذا كانت أسعار الطاقة ستنخفض بعد أشهر أم ستقفز مجدداً مع جولة جديدة من التصعيد. وبذلك يبدأ الاقتصاد بالدخول في معادلة مقلقة: الأسعار تصعد، بينما النمو يفقد زخمه. وهذه تحديداً هي البيئة التي يمكن أن ينمو فيها الركود التضخمي. والأخطر أن استمرار الحرب يحول الصدمة من حدث مؤقت إلى حالة من عدم اليقين المزمن؛ فالشركات تستطيع التعامل مع أزمة قصيرة، لكنها تجد صعوبة أكبر في التخطيط عندما تصبح أسعار الطاقة وطرق التجارة وتكاليف النقل ومستقبل الإمدادات جميعها رهينة للتطورات العسكرية والسياسية. وعندها قد تتأجل الاستثمارات، ويضعف التوظيف، وتُعاد صياغة سلاسل التوريد ليس على أساس الكفاءة والكلفة الأقل، وإنما على أساس الأمن وتجنب المخاطر، وهو تحول قد يجعل الاقتصاد العالمي أكثر كلفة وأقل كفاءة حتى بعد انتهاء الحرب.
وتزداد خطورة هذا السيناريو عندما تصل تداعيات الحرب إلى أبواب البنوك المركزية، لأن مواجهة الركود التضخمي تختلف جذرياً عن مواجهة التضخم أو الركود كلٌّ على حدة. فعندما يرتفع التضخم في الظروف الطبيعية، تلجأ البنوك المركزية عادة إلى رفع أسعار الفائدة أو إبقائها مرتفعة لتقليل الطلب وكبح الأسعار، وعندما يدخل الاقتصاد في حالة ضعف أو ركود، تستطيع خفض الفائدة لتحفيز الاقتراض والاستثمار والاستهلاك. أما عندما يرتفع التضخم ويتباطأ النمو في الوقت نفسه، فإن مساحة المناورة تضيق بصورة خطيرة؛ فإذا خُفضت الفائدة لدعم الاقتصاد، قد يزداد التضخم، وإذا بقيت مرتفعة لمواجهته، ترتفع كلفة القروض والرهون العقارية وتمويل الشركات، ويتراجع الاستثمار والاستهلاك، وقد يزداد ضعف الاقتصاد. وبعبارة أخرى، يصبح دواء التضخم عاملاً يمكن أن يزيد الركود، ودواء الركود عاملاً يمكن أن يزيد التضخم. ومن هنا تتجاوز خطورة حرب الخليج حدود المنطقة. فالدول المستوردة للطاقة ستدفع فواتير أعلى، والاقتصادات النامية والمثقلة بالديون قد تجد نفسها أمام كلفة مضاعفة تتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة وارتفاع تكلفة التمويل معاً،
بينما تواجه الحكومات ضغوطاً اجتماعية متزايدة لحماية المواطنين من ارتفاع تكاليف المعيشة في وقت تضيق فيه قدرتها المالية على تقديم الدعم. وهنا يظهر البعد الاقتصادي الأعمق للصراع نفسه؛ فالولايات المتحدة تراهن على أن العقوبات والضغوط العسكرية والاقتصادية ستجعل كلفة استمرار المواجهة بالنسبة إلى إيران أكبر من قدرتها على التحمل، في حين تمنح حساسية مضيق هرمز وأسواق الطاقة طهران ورقة مختلفة، تتمثل في قدرة اضطراب المنطقة على رفع كلفة الصراع بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي أيضاً. وبذلك تتحول المواجهة، جزئياً، من سباق في القوة العسكرية إلى سباق في القدرة على تحمّل الألم الاقتصادي. غير أن المشكلة تكمن في أن العالم كله قد يصبح طرفاً في دفع ثمن هذا السباق، حتى وإن لم يكن طرفاً في الحرب. ولهذا فإن السؤال الاقتصادي الأهم اليوم لم يعد فقط: إلى أي مستوى سيصل سعر برميل النفط؟ بل أصبح: إلى متى يمكن أن تستمر صدمة الطاقة قبل أن تتحول إلى تضخم أوسع، وإلى متى تستطيع البنوك المركزية إبقاء الفائدة مرتفعة قبل أن يبدأ النمو والاستثمار والتوظيف بدفع الثمن؟ فإذا اجتمعت الطاقة المرتفعة مع تكاليف الشحن المتزايدة، واستمر التضخم، وبقيت الفائدة مرتفعة، بينما ضعف الاستهلاك والاستثمار والنمو، فإن العالم لن يكون أمام أزمة نفط عابرة، وإنما أمام خطر ركود تضخمي حقيقي. وعندها قد لا تكون أخطر نتائج حرب الخليج هي تلك التي تظهر على الخرائط العسكرية، بل تلك التي تظهر لاحقاً في ميزانيات الأسر، وقرارات الشركات، وأسواق العمل ومعدلات النمو. فالحروب قد تتوقف بقرار سياسي، لكن الصدمات الاقتصادية التي تطلقها لا تتوقف بالضرورة معها، وقد يحتاج العالم إلى سنوات لمعالجة آثار أزمة بدأت في الخليج، ثم وجدت طريقها إلى قلب الاقتصاد العالمي.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
