الباحثة شذا خليل*
يختصر باب المندب في موقعه الجغرافي الضيق واحدة من أهم مفارقات الاقتصاد العالمي: مساحة محدودة تستطيع التأثير في حركة تجارة تمتد بين قارات وأسواق بعيدة. فالمضيق، الواقع بين اليمن من جهة وجيبوتي وإريتريا من جهة أخرى، يشكل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ويربط خليج عدن والمحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه عبر قناة السويس إلى البحر المتوسط وأوروبا. هذه الجغرافيا جعلته جزءاً أساسياً من الطريق البحري بين آسيا والخليج وأوروبا، خصوصاً أن النقل البحري يمثل العمود الفقري للتجارة الدولية. ولا تكمن أهمية باب المندب في عدم وجود أي طريق بديل، بل في أن البديل أكثر كلفة وأطول زمناً؛ فحين يصبح المرور عبر المضيق والبحر الأحمر خطراً، تستطيع السفن الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، لكنها تضيف مسافة ووقتاً واستهلاكاً أكبر للوقود، فضلاً عن ارتفاع تكاليف التشغيل والتأمين. وهنا تتحول الجغرافيا إلى عنصر قوة: فالمضيق لا ينتج النفط ولا يصنع البضائع، لكنه يقع على الطريق الذي ينقل جزءاً مهماً منها إلى الأسواق. كما أن موقع اليمن المطل على البحر الأحمر وخليج عدن، ووجود جزيرة ميون في قلب المضيق ومجموعة من الجزر والمواقع البحرية المهمة، يمنح هذه المنطقة ثقلاً استراتيجياً يتجاوز حدود الدولة نفسها. لذلك فإن التنافس على السواحل والموانئ والجزر في البحر الأحمر لا يمكن تفسيره عسكرياً فقط؛ فهو أيضاً تنافس على الاقتراب من أحد أهم شرايين التجارة والطاقة، وعلى امتلاك القدرة على حماية حركة العبور أو التأثير في درجة المخاطر المحيطة بها.
اقتصادياً، تكمن الخطورة الأكبر في أن التأثير في باب المندب لا يحتاج بالضرورة إلى إغلاقه بالكامل. فالاقتصاد العالمي لا يسعّر الإغلاق فقط، بل يسعّر الخطر أيضاً. بمجرد ارتفاع احتمال استهداف السفن أو اضطراب الملاحة، تبدأ شركات التأمين برفع تكلفة تغطية الرحلات، وتعيد شركات الشحن حساباتها، وقد تتحول بعض السفن إلى طرق أطول وأكثر أمناً. عندها تبدأ سلسلة من التكاليف: مخاطر أعلى تعني تأميناً أغلى، والتفاف السفن يعني وقوداً ووقتاً وتشغيلاً أكبر، وارتفاع تكلفة النقل ينعكس على المستوردين وسلاسل الإمداد، ويمكن أن يصل في النهاية إلى أسعار السلع التي يدفعها المستهلك. ومن هنا يمكن فهم مفهوم السيطرة الاقتصادية على المضيق بصورة أوسع من السيطرة العسكرية التقليدية؛ فالطرف القادر على تغيير مستوى الأمان في الممر يستطيع بصورة غير مباشرة التأثير في تكلفة استخدامه. وبذلك تصبح القوة الحقيقية ليست فقط في القدرة على منع السفينة من المرور، وإنما في القدرة على جعل مرورها أكثر كلفة. وقد أظهرت اضطرابات البحر الأحمر عملياً حجم هذه العلاقة، عندما أعادت شركات شحن توجيه سفنها حول أفريقيا، بينما امتدت التداعيات إلى دول بعيدة عن موقع المواجهة المباشرة. وكانت مصر من أبرز الأمثلة، لأن تراجع المرور عبر البحر الأحمر انعكس على حركة قناة السويس وإيراداتها من النقد الأجنبي. وهكذا تكشف أزمة باب المندب أن الممرات البحرية لم تعد مجرد طرق للنقل، بل أصبحت جزءاً من تسعير المخاطر في الاقتصاد العالمي؛ فأزمة أمنية في نقطة صغيرة من البحر يمكن أن تتحول إلى تكلفة إضافية في مصنع آسيوي، أو ميناء أوروبي، أو ميزانية دولة تعتمد على إيرادات العبور، أو فاتورة مستهلك لا يعرف حتى أين يقع المضيق.
أما استراتيجياً، فلا يمكن قراءة باب المندب منفصلاً عن مضيق هرمز وقناة السويس؛ فهذه الممرات تشكل حلقات مترابطة في منظومة نقل الطاقة والتجارة بين الخليج وآسيا وأفريقيا وأوروبا. وهنا تتضاعف أهمية باب المندب: فإذا تعرض هرمز لضغوط أمنية، تصبح طرق وخطوط نقل الطاقة البديلة نحو البحر الأحمر أكثر أهمية، لكن إذا تعرض باب المندب في الوقت نفسه للاضطراب، تضيق البدائل وترتفع تكلفة المناورة أمام الدول والشركات. وهذا يعني أن القوة الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين لا تقاس فقط بحجم الاحتياطيات النفطية أو عدد السفن والقواعد العسكرية، وإنما أيضاً بالقدرة على تأمين عقد النقل العالمية أو التأثير فيها، وامتلاك البدائل عندما تتعطل. ومن هذه الزاوية يمكن تفسير الاهتمام الدولي المستمر بالبحر الأحمر وخليج عدن، لأن حماية الملاحة فيهما تعني حماية جزء من البنية اللوجستية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي. ولذلك فإن السؤال الأهم ليس: من يمتلك باب المندب؟ بل: من يستطيع التأثير في أمنه، ومن يستطيع تحمل تكلفة تعطله،
ومن يمتلك البديل إذا أصبح المرور فيه غير مجدٍ اقتصادياً؟ هنا تتحول السيطرة من مفهوم جغرافي إلى مفهوم اقتصادي واستراتيجي أكثر تعقيداً. فليس ضرورياً أن تسيطر قوة ما على كل سفينة تعبر المضيق كي تمتلك نفوذاً؛ يكفي أن تكون لديها القدرة على تغيير حسابات المخاطر لدى شركات الشحن والتأمين والدول. ولهذا يمثل باب المندب نموذجاً مكثفاً للعلاقة بين الجغرافيا والاقتصاد والقوة: من يستطيع التأثير في أمن الطريق يستطيع التأثير في كلفته، ومن يستطيع التأثير في كلفته يمتلك ورقة ضغط على التجارة التي تعبره. وهكذا يبدو باب المندب ضيقاً على الخريطة، لكنه يصبح واسعاً جداً عندما تقاس حدوده بحجم المصالح والأسواق والطاقة التي تتأثر بما يحدث داخله وحوله.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الرابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
