الدينار العراقي بين قوة الاحتياطيات وأزمة الثقة: هل يتحول اضطراب الدولار إلى ضغوط اقتصادية أوسع؟

الدينار العراقي بين قوة الاحتياطيات وأزمة الثقة: هل يتحول اضطراب الدولار إلى ضغوط اقتصادية أوسع؟

الباحثة شذا خليل*

لا تكمن أهمية البيان الأخير للبنك المركزي العراقي في تأكيده امتلاك البلاد احتياطيات كافية من العملات الأجنبية فحسب، بل أيضاً في توقيته وما يكشفه عن طبيعة الضغوط التي يواجهها الاقتصاد العراقي. ففي 19 أيلول/سبتمبر 2026، أكد البنك المركزي قدرته على تلبية الطلب على العملات الأجنبية لتمويل التجارة الخارجية، وتسوية معاملات البطاقات المصرفية، وتوفير الدولار للمسافرين وفق سعر الصرف الرسمي. كما عزا الارتفاع الأخير في سعر الدولار في الأسواق المحلية بصورة رئيسية إلى المضاربات وتوقعات السوق واستغلال التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة. ويأتي هذا التطمين في وقت شهدت فيه السوق الموازية تراجعاً ملحوظاً في قيمة الدينار، مع تداول 100 دولار عند مستويات تقارب 160 ألف دينار عراقي في السوق غير الرسمية. وهنا تبرز مفارقة اقتصادية مهمة: إذا كان العراق يمتلك احتياطيات كبيرة من العملات الأجنبية، فلماذا يرتفع الدولار؟ ولماذا يشعر السوق بالقلق إذا كانت قدرة البنك المركزي على تمويل التجارة الخارجية لا تزال قائمة، وفقاً لما يؤكده البنك؟

تبدأ الإجابة من ضرورة التمييز بين أزمة الاحتياطيات وأزمة الوصول إلى الدولار والثقة بالسوق. فامتلاك البنك المركزي احتياطيات كبيرة من الدولار لا يعني بالضرورة أن جميع المتعاملين في الاقتصاد يستطيعون الحصول عليه بالسرعة والكلفة نفسيهما. فسوق الصرف العراقية تعمل فعلياً من خلال مسارين: قنوات رسمية تخضع للمتطلبات المصرفية وقواعد الامتثال وضوابط تمويل التجارة الخارجية، وسوق موازية تلبي أشكالاً أخرى من الطلب على الدولار. ومن ثم، فإن اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي قد يشير إلى وجود طلب لا تتم تلبيته بالكامل عبر القنوات الرسمية، لكنه قد يعكس أيضاً ارتفاع الطلب الاحترازي والمضاربي الناتج عن توقعات بأن يصبح الدولار أكثر كلفة في المستقبل.

وهنا تتحول التوقعات نفسها إلى قوة اقتصادية مؤثرة. فعندما تتوقع الأسر والشركات ارتفاع الدولار، يزداد الطلب عليه. وارتفاع الطلب يدفع سعر الصرف إلى الأعلى، ثم يصبح هذا الارتفاع نفسه سبباً في مزيد من القلق والشراء. وبهذه الطريقة قد تدخل السوق في دائرة من الخوف، والطلب، والمضاربة، ثم المزيد من الخوف. ومن هذا المنظور، لا ينبغي قراءة بيان البنك المركزي باعتباره مجرد إعلان عن حجم الموارد المالية التي يمتلكها العراق، بل باعتباره أيضاً محاولة لإدارة توقعات السوق ومنع القلق من التحول إلى سلوك اقتصادي جماعي يفرض مزيداً من الضغوط على الدينار.

أما التحدي الثاني، فهو أكثر ارتباطاً بالحياة اليومية للعراقيين، ويتمثل في انتقال تقلبات سعر الصرف إلى الأسعار والتضخم والقوة الشرائية. يعتمد العراق بدرجة كبيرة على الاستيراد لتلبية الطلب المحلي. وبالتالي، فإن المستورد الذي لا يستطيع الحصول على الدولار بالكلفة الرسمية ويضطر إلى شرائه من السوق الموازية سيتحمل فاتورة استيراد أعلى. وهذه الكلفة الإضافية لا تبقى عند المستورد، بل تنتقل تدريجياً عبر سلسلة التوريد، من تجار الجملة إلى تجار التجزئة، وصولاً إلى المستهلك النهائي.

وعند هذه النقطة تصبح المشكلة أكبر بكثير من مجرد ارتفاع سعر الدولار الظاهر على شاشات شركات الصيرفة. فضعف الدينار في السوق الموازية يمكن أن يترجم إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والملابس والأجهزة الإلكترونية وقطع الغيار والمواد الأولية وغيرها من السلع المستوردة. وإذا بقي دخل الأسرة ثابتاً في الوقت الذي ترتفع فيه الأسعار، فإن قوتها الشرائية تتراجع حتى من دون حدوث انخفاض اسمي في الرواتب. وهذه إحدى أهم القنوات التي تنتقل من خلالها ضغوط سعر الصرف إلى الاقتصاد الحقيقي. فارتفاع الأسعار يدفع الأسر إلى تقليص استهلاكها، بينما يؤدي ضعف الاستهلاك بدوره إلى تباطؤ النشاط التجاري. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن البنك المركزي نفسه أشار في بيانه إلى المخاوف المتداولة بشأن ارتفاع الأسعار  وتباطؤ حركة السوق.

لكن التحليل على المدى الأبعد يضع الوضع الحالي ضمن مشكلة هيكلية أوسع تتعلق بالطبيعة الريعية للاقتصاد العراقي واعتماده الكبير على كل من النفط والدولار. فالنفط يمثل نحو 90% من إيرادات الموازنة الحكومية العراقية، وفقاً لرويترز، كما يمر جزء مهم من عائدات النفط العراقية عبر حسابات البنك المركزي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وهذه البنية تمنح العراق قدرة كبيرة على تكوين الاحتياطيات الأجنبية عندما تكون صادرات النفط وأسعاره في مستويات مواتية، لكنها في الوقت نفسه تجعل الاستقرار المالي والنقدي شديد الاعتماد على استمرار تدفق الإيرادات النفطية والوصول المنتظم والموثوق إلى النظام المالي الدولي.

وفي أغسطس/آب 2026، أفادت رويترز بأن العراق يحتفظ بأكثر من 100 مليار دولار من الاحتياطيات في الولايات المتحدة، وهو ما يسلط الضوء على حساسية الاقتصاد العراقي تجاه علاقاته المالية مع واشنطن. ومن هنا، فإن السؤال الاقتصادي الأساسي لا يتعلق فقط بقدرة البنك المركزي على الدفاع عن الاستقرار النقدي اليوم، وإنما بالمدة التي يستطيع خلالها الاقتصاد العراقي المحافظة على هذه القدرة إذا استمرت الصدمات الجيوسياسية، أو إذا تعرضت الإيرادات النفطية والقنوات المالية الدولية لضغوط مستمرة.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الوضع الحالي من خلال ثلاثة مسارات محتملة، ليس باعتبارها توقعات حتمية، وإنما بوصفها إطاراً لفهم المخاطر. المسار الأول يتمثل في أن يكون الارتفاع الأخير في الدولار ناتجاً بصورة رئيسية عن المضاربات والقلق المؤقت. وفي هذه الحالة، يمكن لانحسار التوترات الجيوسياسية، واستمرار توافر العملة الأجنبية، واستعادة ثقة السوق أن تؤدي إلى تقليص الفجوة بين سعري الصرف الرسمي والموازي.

أما الاحتمال الثاني، فهو استمرار هذه الفجوة لفترة أطول. وفي هذه الحالة تصبح الضغوط التضخمية أكثر أهمية، لأن الشركات والتجار قد يعتمدون بصورة متزايدة في تسعير السلع على الكلفة الفعلية للحصول على الدولار بدلاً من سعر الصرف الرسمي. وكلما استمر هذا التباعد لفترة أطول، زادت احتمالية أن يصبح سعر السوق الموازية جزءاً من قرارات التسعير داخل الاقتصاد المحلي.

أما المسار الثالث، وهو الأكثر خطورة من الناحية الاقتصادية، فقد يظهر إذا تزامن استمرار الطلب المرتفع على الدولار مع انخفاض طويل الأمد في تدفقات العملات الأجنبية إلى البلاد. وعندها لن تبقى المشكلة في الأساس أزمة توقعات أو مضاربات، بل يمكن أن تتحول تدريجياً إلى ضغوط على الاحتياطيات الأجنبية والسياسة المالية والاستيراد والنشاط الاقتصادي بصورة عامة.

ولهذا فإن الاحتياطيات الأجنبية، مهما بلغ حجمها، يجب ألا تصبح بديلاً عن معالجة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي. فالاحتياطيات تمثل خط دفاع مهماً، لكنها ليست حلاً دائماً لاعتماد الموازنة على النفط، أو اعتماد السوق على الاستيراد، أو استمرار الفجوة بين القنوات الرسمية والموازية للحصول على العملات الأجنبية. وكلما استُخدمت الاحتياطيات لامتصاص الصدمات من دون أن يتزامن ذلك مع توسيع قدرة الاقتصاد على توليد مصادر بديلة للعملات الأجنبية، ظل الاستقرار الاقتصادي مرتبطاً بعاملين لا يملك العراق سيطرة كاملة عليهما: ظروف أسواق النفط العالمية والبيئة الجيوسياسية.

لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يكون في صلب النقاش الاقتصادي العراقي ليس ببساطة: هل يمتلك البنك المركزي ما يكفي من الدولارات اليوم؟ فبيانه الأخير يؤكد أنه يمتلكها. أما السؤال الأكثر أهمية فهو: هل يمتلك الاقتصاد العراقي بنية قادرة على تقليل حاجته المتكررة إلى الدفاع عن الدينار باستخدام الدولارات المتأتية من النفط؟

هنا يكمن التحدي الأعمق. فالاستقرار النقدي المستدام لا يُقاس فقط بحجم العملات الأجنبية الموجودة لدى البنك المركزي، بل يعتمد أيضاً على قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمارات وتنويع مصادر الإيرادات، إلى جانب تطوير قطاع مصرفي قادر على توجيه العملات الأجنبية بكفاءة وشفافية نحو النشاط الاقتصادي المشروع.

وإلى أن تصبح هذه الأسس الهيكلية أكثر قوة، ستظل حركة الدولار في العراق أكثر من مجرد مؤشر على أوضاع سوق الصرف. فهي ستبقى مرآة تعكس مستوى الثقة بالاقتصاد، ومقياساً لقدرته على امتصاص الصدمات الخارجية، واختباراً لمدى قدرة العراق في نهاية المطاف على تحويل ثروته النفطية من أداة تُستخدم للدفاع عن الاستقرار قصير الأجل إلى أساس لبناء اقتصاد أكثر تنوعاً وأقل هشاشة أمام الأزمات المستقبلية.

 

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب أمريكا الشمالية
مركز الرابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية