الحشد العسكري الأمريكي والأمن الاقتصادي الإيراني: بين الردع والاستنزاف

الحشد العسكري الأمريكي والأمن الاقتصادي الإيراني: بين الردع والاستنزاف

اياد العناز

بدأت الولايات المتحدة الأمريكية في الأيام الأخيرة من تكثيف حشودها العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، بإرسالها حاملة طائرات ثالثة ومجموعة سفن إضافية حسب ما نقلته وكالة الأنباء الإخبارية ( اسوشيتد برس) عن مسؤولين في القيادة المركزية للقوات الأمريكية في 7 تشرين الأول 2026، لاضافتها لحاملتي الطائرات ( جورج اتش دبليو بوش، وجورح واشنطن)، بموازرة تحرك (حاملة الطائرات الأمريكية (يو إس إس ثيودور روزفلت) المجهزة بقدرات حديثة تشمل مركز حرب جوية بدون طيار لدعم طائرات التزود بالوقود (MQ-25 ستينغراي)، والتي غادرت ميناء سان دييغو في 27 سبتمبر 2026 متجهة إلى الشرق الأوسط ضمن مجموعة الحاملة الهجومية التاسعة وسط توترات إقليمية.
تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لتأمين عملية انتشارها بشكل متكامل استعدادًا لأي احتمالات قائمة بتوجيه ضربات جوية والقيام بفعاليات عسكرية تجاه عديد من الأهداف الحيوية داخل الأراضي الإيرانية، تم تهيئة وحدات من الدفاع الجوي وقوات لها القدرة على القيام بمهام قتالية واسعة وتعزيزها ب(9) آلاف من العسكريين الامريكان، وحددت موعد أواخر شهر تشرين الأول 2026 بوصول السفن والمقالات الحربية والعناصر القتالية لادامة زخم التواجد الأمريكي في الخليج العربي.
أمام هذه الحشود الأمريكية، تصاعدت حدة التهديدات الإيرانية في القيام بتوسيع دائرة غلق مضيق هرمز والتهئ للقيام بهحمات صاروخية على مواقع وأماكن عسكرية ومصالح اقتصادية أمريكية في الإقليم، مع وجود فسحة من السماح بالوساطات العربية والإقليمية للبحث في مفاوضات سياسية وحوارات دبلوماسية بين واشنطن وطهران في ظل التصعيد المتبادل بينهما.
وسارعت القيادة العسكرية الأمريكية وحسب ما أفاد به موقع ( أكسيوس) بارسال بطاريات إضافية من صواريخ باترويت إلى المملكة العربية السعودية وقطر لحماية منشآت النفط والغاز تحسبًا لأي مواجهة عسكرية قادمة.
التمدد العسكري الامريكي له أهدافه وغاياته في الضغط السياسي على إيران لإجبارها على القبول بالشروط الأمريكية والعودة لطاولة المفاوضات التي تبدأ بفتح مضيق هرمز أولًا ثم معاينة النظر بتخفيف العقوبات الاقتصادية والحصار البحري وإطلاق جزء من الأموال المجمدة ومناقشة النشاطات النووية والفعاليات الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني، والتي تمنح واشنطن خيارات عسكرية أوسع إذا ما فشلت جولات الحوار والوساطات في إقناع الجانب الإيراني بالجلوس لطاولة المفاوضات، خاصة وأن عملية ارسال حاملة الطائرات الثالثة ستضيف قدرات جوية باستهداف منصات الصواريخ الباليستية الإيرانية ومواقع وأماكن تخزينها ومراكز القيادات الأمنية والعسكرية والسيطرة داخل إيران.
ويشمل التهديد الإيراني العسكري المقابل مراجعة خطط عسكرية وبرامج قتالية ميدانية ودراسة توسيع قائمة الأهداف المحتملة لتشمل دولًا تدعم العمليات العسكرية الأمريكية، ومنها ما سيكون خارج منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي أدى قيام
الولايات المتحدة الأمريكية بسحب جميع قاذفاتها من طراز B-1 من قاعدة فيرفورد التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني والواقعة شمال غربي لندن، في خطوة تحدث عنها مسؤولون أميركيون في 5 تشرين الأول 2026 (إنها جاءت نتيجة مخاوف أمنية مرتبطة بمخططات إرهابية مشتبه بها ضد المنشأة)، وكانت 12 قاذفة من طراز B-1 متمركزة في قاعدة تآر.إيه.إف فيرفورد) الجوية، تم استعمالها في غارات أميركية على إيران.
يتمسك الإيرانيون بعدد من الشروط أمام التفاوض مع الامريكان لتخفيف الضغوط الاقتصادية عنهم، قبل تقديمهم أي تنازلات، بينما يواصل الرئيس ترامب تمسكه بالمطالبة باتفاق بشروط أكثر فعالية.
أن العقدة الأساسية تتمثل في أن كل من واشنطن وطهران يسعيان لأن يقدم كل طرف منهما خطوات أولى، الإدارة الأمريكية تريد إعادة فتح مضيق هرمز قبل تخفيف العقوبات والحصار البحري، بينما ترفض إيران هذا الشرط والترتيب التفاوضي، وبدأت المواجهة تأخذ مسارات أخرى لا تتعلق فقط بفتح مضيق هرمز الذي يمثل السيطرة على حركة الملاحة عبر المضيق باعتباره ورقة ضغط استراتيجي في ترتيب الأوضاع الأمنية في منطقة الخليج العربي، وإنما انتقل بصورة واضحة إلى معادلة أكثر حضورًا تتداخل فيها إمدادات الطاقة الدولية والتجارة العالمية وحماية طرق الملاحة البحرية، وأصبح النفط شريانًا اقتصاديًا لا تستطيع إيران التخلي عنه، بسبب توفير العملة الصعبة وإنما الحفاظ على قدرة الدولة على تمويل اقتصادها وإدارة تداعيات المواجهة مع واشنطن.
ولهذه الأسباب اقترحت إيران وفقًا للقتال ورفعًا للحصار البحري والقيود المفروضة على صادراتها النفطية ثم الإفراج عن الأموال المجمدة وإعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام من تنفيذ هذه الشروط، لتبدأ مفاوضات شاملة حول الملف النووي والقضايا المتعلقة ببرنامج الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة والمشروع السياسي الإقليمي الإيراني.
سببت المواجهة الأمريكية الإيرانية مشكلات واخطار جسيمة تتعلق بأمن المنشآت وخطوط النقل وموانئ التصدير وحركة الناقلات واثرت على صناعة النفط الإيرانية، فإن أي محاولة لرفع الإنتاج فإن البرميل لا يتحول إلى ايراد إلا بعد أن يمر عبر سلسلة تبدأ من الاستخراج وتنهي عند الشركات والدول التي ترغب فيه، وتشمل محطات التجميع والمعالجة وخطوط الأنابيب ومرافق التخزين والموانئ الناقلات والتأمين وآليات تحويل عائدات التصدير، وأي خلل في هذه الحلقات يقلل من القيمة الاقتصادية للزيادة في الإنتاج.
نتيجة العقوبات ورغم وصول انتاج الغاز الإيراني لمستويات عالية، إلا أن الحكومة دعت مواطنيها إلى خفض الاستهلاك مع اقتراب موسم الشتاء، وهذا يمثل اتساع الفجوة بين القدرة الإنتاجية وهامش الأمان المتاح للشبكة، فكلما زاد اعتماد الإنتاج على عدد محدود من الحقول والمنشآت وموانئ التصدير، ازدادت قدرة أي حادثة أو هجوم على أحداث تأثيرات جوهرية تحتاج لمعدات وقطع غيار، قد يكون من الصعوبة الحصول عليها في وقت تشدد فيه العقوبات الاقتصادية على طهران.
إيران لا ترى في مضيق هرمز ممر مائي استراتيجي، بل جزء من البنية الاقتصادية التي تربط إنتاجها النفطي بالأسواق الخارجية وكلما تعطلت حركة الناقلات أو ارتفعت أخطار العبور، زادت تكلفة نقل النفط والتأمين وأصبح تحويل الانتاج إلى عائدات أكثر صعوبة، فاستمرار الخلاف لا يعني تعطيل حركة الملاحة والتجارة العالمية، وإنما يشمل ضغطًا على قدرة إيران في تصدير النفط الذي تنتجه، إذ تستطيع إيران استخراج برميل النفط لكنها ترى صعوبة بالغة بتحويله لنقد مالي في ظل الضغوط العسكرية وآليات الحصار البحري والعقوبات الأمريكية.
المطالب الإيرانية الثلاثة برفع القيود على النفط يسمح لها بعملية التصدير، وإنهاء الحصار يتيح حركة أكثر حرية الناقلات والسفن البحرية وإعادة فتح مضيق هرمز يعيد فتح الطريق البحري الذي تعتمد علية امتدادات الطاقة الدولية.
تحتاج إيران إلى حرية الملاحة لتصدير النفط واستعادة عائداتها والولايات المتحدة الأمريكية تريد استخدام هذه الورقة للحصول على تنازلات سياسية ونووية، بينما تراقب الدول المنتجة للنفط نتائج الوساطات الدولية والإقليمية وتخشى استمرار اضطراب الأوضاع في أهم الممرات المتعلقة بمرور الطاقة والتجارة العالمية.
تسببت الضغوط السياسية والحصار البحري الأمريكي في خنق شريان التجارة الإيراني، فبعد أن اقتربت صادرات النفط الإيراني من مليوني برميل يوميًا في آذار 2026، شهدت انخفاضًا حادًا تراويح بين 220-255 ألف برميل يوميًا في آب 2026، وسجلت تقارير الطاقة الدولية مرور سبعة أسابيع متتالية دون رصد أي صادرات نفطية كبيرة عبر مضيق هرمز، مما حرم الخزينة الإيرانية من أهم مصادر العملة الأجنبية، ووصل متوسط معدل التضخم في إيران 68،9٪ في عام 2026، مما أدى إلى ارتفاع في اسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية، وواجه الريال الإيراني أزمة كبيرة أدت لانخفاض قيمته وانهياره أمام العملات الأجنبية، ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5،4٪ خلال عام 2026، وتعكس ارقام موقع (وورلد ميتر) تراجعًا كبيرًا في الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بنحو 300،29 مليار دولار لعام 2026، مقارنة ب 371،19 مليار دولار في عام 2025، وأكثر من 416 مليار دولار في عام 2024.
لا يمكن فصل الأمن الاقتصادي عن أمن الملاحة ولا يمكن استعادة صادرات النفط عن إعادة فتح المضيق، وبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية لا يبدو أن إعادة المضيق وحدها كافية لإنهاء المواجهة، لأن التوجه الأمريكي يسعى لتحويل الأزمة إلى تسوية أوسع تشمل البرنامج النووي وموضوعة الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، بعدما أظهرت بعض المؤشرات ان أسواق النفط العالمية استطاعت التكيف بشكل محدود مع عدم استقرار الأوضاع في مضيق هرمز باستخدام خطوط أنابيب بديلة وتحويل مسارات النقل، ولكن هذه البدائل لا تلغي مشكلة إيران لأن قدرتها في الوصول للأسواق العالمية ليست مماثلة لقدرة منتجي النفط في اقطار مجلس التعاون الخليجي العربي في إعادة توجيه صادراتهم، ولهذا يبقى مضيق هرمز نقطة اختناق بالنسبة لإيران، تسعى لفتحه ولكن بشروط تحفظ لها قيمة الورقة التي صنعتها من إغلاقه، وتريد الانتهاء من عملية الاغلاق لان استمرارها أصبح جزءًا من الخناق الذي لا تريده وتسعى لكسره.

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية