
الباحثة شذا خليل
يمر الاقتصاد العراقي بمرحلة دقيقة تتطلب الانتقال من إدارة الضغوط المالية الآنية إلى معالجة الاختلالات الهيكلية التي تراكمت على مدى سنوات، وفي مقدمتها الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، وارتفاع النفقات الجارية، وضعف مساهمة الإيرادات غير النفطية، ومحدودية قدرة القطاعات الإنتاجية على توليد موارد وفرص عمل بعيداً عن الإنفاق الحكومي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الطرح الذي يقدمه علي الزيدي في دعم التوجه الحكومي نحو الإصلاح الاقتصادي، ولا سيما من زاوية الانتقال من القرارات والسياسات العامة إلى بناء مؤسسات قادرة على تنفيذ الإصلاح واستدامته. فنجاح أي برنامج اقتصادي لا يتوقف عند حدود القرار الحكومي، مهما كانت أهميته، بل يرتبط بقدرة مؤسسات الدولة على تحويل هذا القرار إلى إجراءات واضحة ونتائج قابلة للقياس والمراجعة.
ومن هنا، فإن دعم توجهات الحكومة في الإصلاح الاقتصادي ينبغي أن يأخذ بعداً مؤسسياً شاملاً، تشترك فيه وزارة المالية ووزارة التخطيط والمؤسسات الإيرادية والرقابية، مع قيام البنك المركزي بدوره ضمن اختصاصاته واستقلاليته، إلى جانب ضرورة توسيع مساهمة القطاع الخاص. والهدف هو الانتقال من معالجة الأزمات عند حدوثها إلى بناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الصدمات.
ضبط الإنفاق قبل البحث عن موارد جديدة
يبدأ الإصلاح الحقيقي من الموازنة العامة. فارتفاع النفقات لا ينبغي التعامل معه باعتباره واقعاً ثابتاً، بل يجب إخضاع هيكل الإنفاق لمراجعة دقيقة تميز بين الإنفاق الضروري على الخدمات والاستثمار والحماية الاجتماعية، وبين النفقات التي يمكن ترشيدها دون التأثير في حياة المواطنين أو كفاءة الدولة.
ويشمل ذلك مراجعة الامتيازات والمخصصات والنفقات الإدارية والإيفادات والحمايات غير الضرورية، إلى جانب رفع كفاءة المشتريات والعقود الحكومية والحد من الهدر.
والهدف هنا ليس التقشف العشوائي، وإنما رفع كفاءة كل دينار تنفقه الدولة.
وللتوضيح الحسابي، إذا افترضنا موازنة يبلغ إنفاقها 217 تريليون دينار وعجزاً قدره 50 تريليوناً، فإن تخفيض الإنفاق إلى 200 تريليون دينار، مع ثبات الإيرادات، يخفض العجز إلى نحو 33 تريليون دينار. أي أن خفض النفقات بمقدار 17 تريليوناً يؤدي، في هذا السيناريو الافتراضي، إلى تقليص العجز بنحو 34%.
وهذا المثال لا يمثل أرقاماً نهائية للموازنة، لكنه يكشف حجم الأثر الذي يمكن أن يحدثه ضبط الإنفاق إذا تحول إلى سياسة مؤسسية مدروسة.
المنافذ والجمارك: إيرادات موجودة تحتاج إلى إدارة
المسار الثاني للإصلاح يتمثل في تعظيم الإيرادات غير النفطية، وهنا تبرز أهمية المنافذ الحدودية والجمارك والضرائب.
فزيادة إيرادات الدولة لا تعني بالضرورة فرض ضرائب وأعباء جديدة على المواطن. هناك فارق جوهري بين زيادة الضرائب وبين تحسين تحصيل الأموال المستحقة أصلاً للخزينة العامة.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال أتمتة الإجراءات الجمركية، وربط المنافذ إلكترونياً بوزارة المالية والجهات المختصة، وتقليل التعاملات الورقية والنقدية، وتشديد الرقابة على التهريب والتلاعب بالفواتير والقيم الجمركية.
كما ينبغي وضع أهداف شهرية واضحة للمؤسسات الإيرادية ومقارنة الإيرادات الفعلية بالمستهدفات، بحيث تصبح زيادة الإيرادات غير النفطية مسؤولية مؤسسية قابلة للقياس، وليست مجرد هدف عام يتكرر في الخطط الاقتصادية.
سعر الصرف ليس بديلاً عن الإصلاح المالي
عند انخفاض قيمة الدينار أمام الدولار، تحصل وزارة المالية حسابياً على كمية أكبر من الدنانير عند تحويل الإيرادات النفطية الدولارية.
فإذا افترضنا إيرادات شهرية تبلغ سبعة مليارات دولار، فإنها تعادل 9.1 تريليون دينار عند سعر 1,300 دينار للدولار، مقابل 10.5 تريليون دينار عند سعر 1,500 دينار، أي بفارق حسابي يبلغ 1.4 تريليون دينار شهرياً.
ولو استمر المستوى نفسه من الإيرادات لمدة عام، يصل الفرق الحسابي إلى 16.8 تريليون دينار.
لكن هذه الزيادة لا تعني خلق ثروة حقيقية جديدة؛ فكمية النفط المصدرة لم ترتفع بسبب تغير سعر الصرف، كما أن الإيرادات الدولارية نفسها لم تزد. وفي المقابل، يمكن أن تتأثر تكاليف الاستيراد والأسعار والالتزامات الخارجية والقوة الشرائية.
لذلك ينبغي ألا يكون سعر الصرف بديلاً عن الإصلاح المالي والمؤسسي. وكلما استطاعت الحكومة ضبط الإنفاق وتعظيم الإيرادات الحقيقية وتنشيط الإنتاج، ازدادت قدرتها على معالجة الاختلالات المالية بأدوات أكثر استدامة.
من القرارات الحكومية إلى التنفيذ المؤسسي
هنا تظهر أهمية جوهر الطرح: الإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى مؤسسات تنفذه وتقيس نتائجه.
ويمكن للحكومة تطوير إطار مؤسسي موحد لمتابعة الإصلاح الاقتصادي، تشارك فيه الجهات المالية والتخطيطية والإيرادية والرقابية كل بحسب اختصاصه، مع تحديد أهداف ومؤشرات أداء واضحة.
ويمكن أن يصدر عن هذا الإطار تقرير اقتصادي دوري يجيب بشفافية عن أسئلة محددة: كم ارتفعت الإيرادات غير النفطية؟ ما مقدار النفقات التي جرى ترشيدها؟ ما حجم إيرادات المنافذ والجمارك؟ كيف تطور العجز والدين العام؟ وكم من الإنفاق الحكومي توجه فعلياً نحو الاستثمار والإنتاج؟
بهذه الطريقة ينتقل الإصلاح من الإعلان عن القرارات إلى قياس النتائج، وتصبح المؤسسة مسؤولة عن تحقيق هدف محدد يمكن متابعته وتقييمه.
الإنتاج هو الضمان الحقيقي للإصلاح
ومع ذلك، فإن خفض العجز وضبط النفقات لا يكفيان لبناء اقتصاد قوي. فالإصلاح الذي ينتهي عند حدود الموازنة يبقى إصلاحاً مالياً، بينما يحتاج العراق إلى إصلاح اقتصادي أوسع يعيد تنشيط قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات والاستثمار والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
كما أن إصلاح القطاع المصرفي وتوجيه التمويل نحو النشاط الإنتاجي يمثلان جزءاً أساسياً من هذه العملية.
فالاقتصاد لا يصبح أقوى بمجرد خفض نفقاته، وإنما عندما ترتفع قدرته على الإنتاج والتصدير وخلق الوظائف وتوليد إيرادات لا تعتمد بصورة شبه كاملة على النفط.
ومن هنا ينبغي أن تتكامل سياسة ضبط الموازنة مع استراتيجية واضحة لزيادة الإنتاج المحلي وتحسين بيئة الاستثمار وتمكين القطاع الخاص، بحيث تتحول الموارد المالية للدولة إلى أداة لتحفيز الاقتصاد بدلاً من أن يبقى الاقتصاد معتمداً بصورة أساسية على الإنفاق العام.
المواطن معيار نجاح الإصلاح
ويبقى المواطن الحلقة الأهم في أي برنامج اقتصادي. فنجاح الإصلاح لا يقاس فقط بانخفاض العجز أو ارتفاع الإيرادات، وإنما بقدرته على حماية الاستقرار الاقتصادي وتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل والحفاظ على القوة الشرائية.
ولهذا فإن ترشيد الإنفاق يجب ألا يكون على حساب الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والاستثمارات الضرورية، كما ينبغي أن تسبق القرارات الاقتصادية الكبرى دراسة دقيقة لتأثيراتها الاجتماعية والأسعار ومستوى المعيشة.
فالغاية النهائية من الإصلاح ليست تحسين الأرقام المحاسبية للدولة فقط، بل بناء اقتصاد أكثر كفاءة وقدرة على توفير حياة أفضل للمواطن.
الخلاصة
إن التوجه الحكومي نحو الإصلاح الاقتصادي يمثل فرصة للانتقال من معالجة الأزمات المالية المؤقتة إلى معالجة أسبابها الهيكلية. ويكتسب الطرح الذي يربط هذا التوجه بقوة المؤسسات أهميته من حقيقة أن القرار الاقتصادي، مهما كان مهماً، لا يستطيع تحقيق أهدافه ما لم توجد مؤسسات قادرة على تنفيذه ومتابعته وقياس نتائجه.
ومن هنا، فإن دعم البرنامج الحكومي للإصلاح الاقتصادي لا يعني زيادة الإنفاق أو البحث المستمر عن موارد مؤقتة، وإنما تمكين مؤسسات الدولة من ضبط الإنفاق، وتعظيم الإيرادات، وحماية المال العام، وتحفيز الاستثمار والإنتاج.
العراق يمتلك موارد مالية وبشرية واقتصادية كبيرة، لكن التحدي يتمثل في كيفية إدارتها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
وهنا يمكن أن تتجسد معادلة الإصلاح المطلوبة: رؤية حكومية واضحة، مؤسسات قوية، رقابة فاعلة، واقتصاد منتج. فعندما تتحول هذه العناصر إلى منظومة واحدة، يصبح الإصلاح الاقتصادي مشروع دولة لا مجرد استجابة مؤقتة لأزمة مالية.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية