التخصيب ورقة التفاوض: من 60٪ إلى الاتفاق

التخصيب ورقة التفاوض: من 60٪ إلى الاتفاق

اياد العناز

تعود أهمية مناقشة النشاطات النووية الإيرانية ودراسة أبعاد البرنامج النووي وأهميته في المواجهة الأمريكية الإيرانية، بعد حديث الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الذي اجراه مع شبكة (فوكس نيوز) في 24 آيلول 2026 على هامش حضوره لاجتماعات منظمة الأمم المتحدة والذي أعلن فيه ( أن طهران منفتحة على الالتزام بجميع بنود معاهدة عدم الانتشار النووي والتخلي عن نسبة التخصيب البالغة 60٪)، والذي جاء ردًا على سؤال حول ما إذا كانت طهران مستعدة للتخلي عن مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪؟
جاء حديث بزشكيان َمتوافق مع ما تم تقديمه من مبادرة إيرانية عبر الوسيط العربي الخليجي القطري، والتي تم مناقشتها في اللقاء الذي عقد بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف في مدينة نيوريوك أثناء اجتماعات منظمة الأمم المتحدة، والتي احتوت على الرؤية الإيرانية لإعادة فتح مضيق بانهاء الحصار البحري والإفراج عن الاموال المجمدة الإيرانية وإنهاء القتال على جميع (جبهات المقاومة)، والتي لم تلقى استجابة من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي طالب بالفتح الفوري لمضيق هرمز والبدأ بمفاوصات تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني والعودة للشروط التي قدمتها واشنطن قبل بدء المواجهة الأمريكية الإسرائيلية في 28 شباط 2026.
يدرك الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عمق المعاناة التي يعاني منها النظام في ارتفاع حدة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها المجتمع الإيراني وتشكل كاهلًا ثقيلًا على طبيعة الأداء والسلوك السياسي الإيراني والبحث عن أي محاولات أو مبادرات للوصول لصيغة فاعلة لرفع العقوبات الأميركية، وهو يعلم أن ما طرحه من توقيت مهم يسعى فيه للوصول إلى تفاهم أو اتفاق مع الإدارة الأميركية قبل موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس ومجلس النواب الأمريكي.
أن الحديث عن تخصيب اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ تعود بنا إلى اتفاقية (خطة العمل الشاملة المشتركة) التي وقعت في تموز 2015 والتي بموجبها تم تجميد العمل بالبرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات، قبل أن يقرر الرئيس ترامب الانسحاب منه خلال ولايته الأولى في 2018.
عاودت إيران نشاطاتها النووية بعد القرار الأمريكي لتصل عملية التخصيب لنسب مرتفعة وبكميات كبيرة قدرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية ب (440،9) كغم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ والذي يكفي حسب تقرير الوكالة لصنع حوالي 10 قنابل نووية، والذي كان أحد الأسباب الرئيسية في الهجمات الأمريكية الإسرائيلية في حزيران 2025، والتي أدت إلى تدمير والحاق الضرر البالغ بمنشآت تخصيب اليورانيوم في مواقع ( فوردو ونطنز وأصفهان)،والتي أدت إلى قيام السلطات الإيرانية بمنع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من القيام بمهامها في المراقبة والتفتيش، بل امتعنت إيران عن تقديم أي معلومات عن مصير اليورانيوم العالي التخصيب أو مكان وجوده.
سعى نائب الرئيس الأمريكي (جي دي فانس) في إحدى جولاته الانتخابية في الاسكا إلى القول يوم 5 تشرين الأول 2026 ( أن الولايات المتحده لا تزال منفتحة على التوصل إلى اتفاق مع ، لكنها تشترط تنازلات نووية إيرانية ملموسة)، بالإشارة إلى ما عرضه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان باستعداد بلاده لمناقشة مسألة نسب تخصيب اليورانيوم، ولكن (دي فانس) عاد وكرر الشرط الأمريكي ( إذا كنتم لا تريدون سلاحًا نوويًا فلماذا تحتاجون إلى وقود مخصب بنسبة 60٪، وإذا كنتم تريدون إظهار الالتزام بعدم تصنيع سلاح نووي، فلا تصنعوا وقودًا عالي التخصيب).
ايران وبسبب الضربات الأمريكية والمواجهة المستمرة والحوارات وجلسات التفاوض ورغم عدم أنقطاعها عبر جولات الوساطات العربية والإقليمية، إلا أنها لا تثق بما تعلن عنه أو تتحدث به الإدارة الأمريكية ومسؤوليها وترى فيها نوع من التهديد والضغط السياسي والشروط الواجب تنفيذها، وهو الأسلوب الذي ترفضه الأوساط السياسية الإيرانية التي ترى أن واشنطن على استعداد لنقض أي اتفاق بعد الانتهاء من الانتخابات النصفية، سواء كانت المبادرة التي أعلنها الرئيس بزشكيان باستعداد إيران للتفاوض حول مصير مخزونها من اليورانيوم المخصب، ضمن أي ترتيبات يتم التوافق عليها مع الولايات المتحدة الأمريكية، إذا لم يكن مقترحًا للاطالة والتسويف في السلوك الإيراني، بل استراتيجية تسعى فيها طهران لرفع العقوبات الاقتصادية والوصول إلى مسارات تحاول فيها مغازلة ترامب في طموحاته السياسية بتحقيق انجاز سياسي يتعلق بالأنشطة النووية الإيرانية والعودة لمسار التفاوض السياسي والحوار الدبلوماسي الذي انطلق من العاصمة الباكستانية (إسلام آباد) في نيسان 2026.
العقلية الإيرانية السياسية والعقيدة الأمنية التي يقودها الحرس الثوري الإيراني لا تريد التفاوض من أجل البرنامج النووي أو فتح مضيق هرمز والسماح بحرية الملاحة وامدات الطاقة الدولية والتجارة العالمية، بل تحقيق الصفقات الشاملة والترتيبات الأمنية التي بموجبها تستطيع التمتع بقدر كاف من المرونة والقدرة التي تمكنها من الجلوس لطاولة المفاوضات بحالة من الاقدار وليس الضعف والتنازلات المسبقة.
يعتبر السلاح النووي ومكوناته من أجهزة الطرد المركزي ونسب التخصيب حالة قائمة في النقاش السياسي داخل أروقة النظام الإيراني، فالتيار السياسي المحافظ يرى أن المخزون المخصب يشكل ضمانة سيادية وورقة ضغط لا يمكن التفريط بها، بل استخدامها بشكل فاعل واقتدار محكم في أي مواجهات قادمة، فيما يأتي الرأي الذي يتبناه التيار المعتدل والإصلاحي والذي يعتقد أن الاحتفاظ بهذه الورقة يجب أن تكون في سياقها وآفقها السياسي وعدم جعلها تشكل عبئًا دائمًا ضد الرؤية الإيرانية في معالجتها السياسية وسعيها لاثبات دورها الإقليمي والدولي.
ومن هنا يأتي الموقف الإيراني الذي دائمًا ما يرفض أي مبادرة أو شرط تنفيذي وتحت أي ترتيبات فنية محددة لنقل اليورانيوم المخصب خارج إيران، وإنه سوف لا يكون نهاية للازمة مع الولايات المتحدة الأمريكية، بل بداية مطالبات متلاحقة تشمل برنامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والنفوذ الإقليمي السياسي الإيراني، ولهذا فإن مخزون اليورانيوم المخصب لا ينظر إليه بوصفه مادة قابلة للمقايضة، بل باعتباره ضمانة ملموسة في مواجهة الضغوط الأمريكية،وهذا ما يؤكده المتحدث الرسمي باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية ( بهروز كمالوندي) بأن ( اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ موجود في مكان آمن وأنه وسيلة ضمان للبلاد، وأن إيران لا تقبل تخصيبًا صفريًا أو مصغرًا)، وهذا يؤكد حقيقة التوجه الإيراني والعقيدة السياسية والأمنية التي يتمسك بها الحرس الثوري الإيراني الذي يراها معادلة دقيقة تنفي السعي لامتلاك السلاح النووي لكنها لا تتخلى عما يجعل احتمال السلاح حاضرًا في حسابات الآخرين.
ويمكن قراءة ما قاله مندوب إيران لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي (هادي فرجوند) يوم 6 تشرين الأول 2026، في سياق المواقف والتوجيهات الأمريكية من امتلاك إيران للأسلحة الكيميائية، (بأن الضربات الأمريكية على الصناعات الكيمائية الإيرانية ألحقت اضرارًا ب (111) منشأة بتروكيماوية ودوائية، وأثر في سلاسل التوريد)، وأضاف في كلمته التي القاها خلال الدورة 113 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية ( أن الهجمات الأمريكية ألحقت اضرارًا ب 60 مجمعًا بتروكيماويًا و44 مصنعًا للأدوية و7 منشات دوائية في إيران)، وهو بذلك يشير الضربات والهجمات الأمريكية التي انطلقت فجر يوم 28 شباط 2026.
أن الثمن الذي يبحث عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مدخل لأي تسوية واتفاق سياسي أو لأي وساطة عربية إقليمية في مواجهته العسكرية مع إيران، إن يكون الممر الأول والرئيسي لها هو الملف النووي ليحقق انجازًا يكون بمثابة نصر سياسي واستراتيجي له، ثم تأمين جميع الممرات البحرية لامدادات الطاقة الدولية والتجارة العالمية للمساعدة في تخفيض أسعار الطاقة وإعادة المحروقات داخل الولايات المتحدة الأمريكية لحالها الطبيعي قبل تاريخ المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية.

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية