تركيا وإيران.. الوساطة لحماية التوازن الإقليمي

تركيا وإيران.. الوساطة لحماية التوازن الإقليمي

اياد العناز

طبيعة العلاقات الأمريكية التركية أنها تحتفظ بمسار ثابت من المصالح العليا للدولتين وكلاهما يسعيان للعمل سوية على بقاء العلاقة بثوابتها واصولها التاريخية، وهذا ما حرص عليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتحديدًا في الولاية الأولى للرئيس ترامب وما بعدها في ولايته الثانية التي اكتسبت عديد من المعايير منها ما اتخذ جانبًا مهمًا في توطيد العلاقة الشخصية بينهما، كان لها الأثر الكبير في مسار العلاقة المشتركة بين واشنطن وانقرة.
وامتحنت هذه العلاقة في مواقف سياسية ومتغيرات دولية، ومنها التوافق السياسي في المشهد العام السوري بعد التغيير الذي شهدته سوريا بسقوط نظام بشار الأسد وفراره لروسيا، ثم العلاقة الثنائية في الفهم المشترك لما يدور من أحداث في منطقة الخليج العربي والحرب الروسية الأوكرانية، وما تشهده العلاقة من توافق في القرار الأمريكي بإطلاق العقوبات الاقتصادية على إيران، والتي تبدو فيها أنقرة أكثر اتجاهًا نحو قدر من الفهم العام للظروف المحيطة باقرار العقوبات، ولكن لا يزال القرار السياسي التركي للالتزام بها غير محسوم.
تزداد عملية الخناق الاقتصادي على إيران وتضيق قنوات التواصل الخارجي مع دول الجوار ومنها تركيا في عمليات التصدير والاستيراد والتجارة والتمويل المالي والاستثمارات الاقتصادية والتبادلات التجارية ومحاولات إيران في الالتفاف على العقوبات، وهذا مسار مهم لأن فعالية العقوبات لا تتحدد فقط بما تستطيع واشنطن منعه داخل إيران، بل بقدرتها على إغلاق مسارات إعادة تدوير الاقتصاد الإيراني عبر الدول المجاورة.
القيادة التركية لا تزال توازن في مصالحها الاقتصادية وحساباتها الجيو سياسية، وهي لا تقر بأنضمانها لتنفيذ العقوبات وإنما تسعى لإيجاد فواصل من حرية الحركة في الحفاظ على التوازن في العلاقة بين واشنطن وطهران.
أن الدور التركي أصبح أكثر أهمية، كون أنقرة تشكل قناة ضغط اقتصادي على طهران ولها مصالح مباشرة معها خاصة في مجال الطاقة والتجارة، لذلك تبقى حالة التعاون مع واشنطن بخصوص الالتزام بالعقوبات ضمن حدود معينة، فتركيا تعتمد بشكل رئيسي على الغاز الإيراني ومن الصعوبة قطع العلاقات أو التأثير عليها في جانب من الجوانب المتعلقة بالاقتصاد، وهذا ما تدركه أنقرة وهي ما تجعلها تقدم نفسها كأداة تفاوض محتملة بين واشنطن وطهران، وبدأت تتحرك ضمن خطين متوازيين يتعلق بالعقوبات الأمريكية والضغط الاقتصادي على إيران وإمكانية إيجاد حالة من التوافق بين جميع الأطراف، وفي الخط الآخر تتحرك باتجاه دول مجلس التعاون الخليجي العربي وخاصة المملكة العربية السعودية وتحديد مسارات الدفاع والمساندة في المواجهة القائمة مع جماعة الحوثيين التي تعتبر حليفًا استراتيجيـًا لإيران.
وأكد الموقف التركي في هذا التحرك وزير الخارجية هاكان فيدان بالقول ( أن أنقرة تدرس دعم الدفاع السعودي في مواجهة هجمات الحوثيين، وأن اتفاق مكة مع السعودية وباكستان دفاعيًا وليس هجوميًا)، وهو بذلك يحدد المساهمة التركية المحتملة باسلحة ومعدات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والدعم الفني، ويرسم ملامح انتقال تركيا إلى تحديد البعد الأمني الخليجي العربي ومدى فعاليتها فيه،
ويمكن اعتبار أنقرة حلقة الوصل بين الضغط الاقتصادي والمسار الأمني والدبلوماسية في المواجهة الأمريكية الإيرانية، وهي السياسية التي تتبعها القيادة التركية في الدبلوماسية الدفاعية فهي لا تدخل الحرب مباشرة، لكنها تزيد قدرتها الدفاعية في الخليج العربي، وفي الوقت نفسه تستطيع الاحتفاظ بقناة مع واشنطن وطهران.
تشير المعطيات الميدانية إلى أن أنقرة تحاول تثبيت موقعها كوسيط قادر على التعامل مع جميع الأطراف، وهنا لنا عودة في حديث جرى في 26 أيلول 2026، قال فيه هاكان فيدان صراحة (أن تركيا تحدثت مع الإيرانيين والأمريكيين، وأنها تعمل على فتح نقاط التعثر في المسار الدبلوماسي)، وأكد أن الهدف منع تجدد الحرب، وأن المتابعة مستمرة للمبادرة الإيرانية بخصوص فتح مضيق هرمز.
أن الدور التركي يتحدد في هذه المرحلة المهمة في التاثير الإقليمي الذي من الممكن أن تقوم به، بأن تكون وسيطًا بين واشنطن وطهران وهي تمتلك قنوات فاعلة في الاتصال بالطرفين وهو ما يمنحها القدرة على نقل الرسائل ومحاولة معالجة أي تأزم وتغير في أي لقاءات قادمة، وأنها تعتبر وسيطًا مهمًا وقريبًا من دول مجلس التعاون الخليجي العربي رغم دخولها في حلف مشترك مع الرياض وإسلام آباد واصرارها على أن دورها فيه دفاعيًا وليس هجوميًا، والأهم أنها تسعى لإنهاء الأزمة حفاظًا على مصالحها وحماية لتجارتها مع إيران واستمرار تدفق الغاز إليها وتأمين طرق تجارتها وأمن الملاحة في الممرات البحرية لمضيق هرمز والبحر الأحمر ومضيق باب المندب، فهي ترى أن عودة الحياة لمضيق هرمز ليست قضية دبلوماسية بل هي عودة لتامين مسارات الطاقة الدولية والتجارة العالمية وتأمين المرور الأمن للسفن والناقلات البحرية.
وهنا يبرز السؤال الأهم، هل تستطيع أنقرة أن تجمع بين الوساطة الأمريكية الإيرانية والدور الأمني الخليجي، بحيث تصبح جزءًا من صياغة التسوية لا مجرد ناقل للرسائل؟
وهنا تبدأ المصالح التركية في التواجد والسلوك السياسي الذي يضمن إبقاء إيران مورد مهم للغاز التركي، وتشير بيانات تركية إلى أن الغاز الإيراني يشكل نحو 13-14٪ من واردات تركيا في الأعوام الأخيرة، وترتبط أنقرة وطهران بتبادل تجاري واسع ومصالح اقتصادية مستمرة، ولهذا فأي انهيار في العلاقات ليس في مصلحة أنقرة، وأن القيادة التركية تنظر لخطورة تفكك إيران بظهور كيان كردي على أراضيها وتعاظم موجات اللاجئين إليها واضطراب الأوضاع السياسية والأمنية في العراق، وانقرة ترى أن التعامل مع إيران مستقرة أقل كلفة لها من إيران مفككة تنتج فراغًا أمنيًا وحدوديًا.
الوساطة التركية التي يتمسك بها المسؤولين الأتراك لا تمثل انحيازًا سياسيًا لإيران، ولكنها الوسيلة التي تحمي بها أنقرة مصالحها من نتائج استمرار المواجهة بين واشنطن وطهران.
القيادة التركية تضع في اعتباراتها وسياستها المعتدلة أنها بالنسبة لواشنطن شريك وحليف استراتيجي في الناتو ولاترد أن تتحول لقناة تتجاوز فيها العقوبات على إيران، وأنها بالنسبة لمجلس التعاون الخليجي العربي منظمومة من المصالح الاقتصادية والأمنية ولها ترتيبات دفاعية مع المملكة العربية السعودية وعلاقة وطيدة مع قطر والكويت، وترى في إيران دولة جارة لها معها تبادلات تجارية واستثمارات مالية وأن استقرارها ووحدتها الجغرافية عامل اساس في توطيد الأمن القومي التركي، لهذا فإن الوساطة السياسية هي المساحة التي تستطيع تركيا أن تتحرك فيها بين هذه المصالح الثلاثة دون أن تضطر للتضحية بأي منها.
رغم استفادة تركيا من تراجع النفوذ الإيراني في سوريا، إلا أنها لا ترغب أن ترى إيران منهارة وغير مستقرة، لأن ذلك يعيد مخاطر اللاجئين ويقلل من قيمة الوساطة التركية، وأن المصلحة التركية ان تبقى حالة التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط قائمة دون أي تراجع كامل للقدرة الإيرانية لأنها ترى فيها زيادة الوزن والنفوذ الإسرائيلي، وأن الضعف الإيراني يزيل أحد القيود الموجهة نحو إسرائيل، وتكون أنقرة أكثر عرضة للضغط الإسرائيلي وتتراجع قيمة نفوذها المستمد من قدرتها على الوساطة، ولكن أنقرة لا تبحث عن إيران قوية بما يكفي لمنافستها ولا عن إيران ضعيفة لحد الانهيار، بل تبدو الرغبة التركية أن تكون إيران أضعف إقليميًا لكنها باقية كدولة لها حضورها السياسي، وهي الفرصة التي من الممكن أن تشمل عاملًا في زيادة أهمية الدور التركي في الإقليم وحماية الأمن القومي التركي من أي انهيار لإيران وتعزيز شراكتها ومصالحها مع اقطار الخليج العربي والاحتفاظ بعلاقة وطيدة مع واشنطن.

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية