حلف مكة وطهران.. الدوافع والرسائل الاستراتيجية

حلف مكة وطهران.. الدوافع والرسائل الاستراتيجية

اياد العناز

توجهت الأنظار الدولية والإقليمية والعربية إلى التحول الميداني الذي تمثله زيارة الوفد الثلاثي لدول ( اتفاق مكة) إلى إيران في 26 تشرين الأول 2026، والذي ضم وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير ورئيس المخابرات التركية ابراهيم قالن، في زيارة مشتركة وتحرك سياسي دبلوماسي ذات أهمية بالغة في وقت تمر به منطقة الخليج العربي بانعطاف ميداني كبير وتحولات سياسية واقتصادية لها تبعياتها على الوضع الدولي العام والمصالح الخاصة بامدادات الطاقة الدولية والتجارة العالمية.
جاءت فكرة عقد الاجتماع الثلاثي مع المسؤولين الإيرانيين أثناء الزيارة الأخيرة التي اجراها قائد الجيش الباكستاني ولقائه مع محسن رضائي امين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في 21 تشرين الأول 2026، وتم الحديث فيها عن رغبة (الرياض وانقرة وإسلام آباد) بزيارة إلى طهران وعقد محادثات مشتركة لبحث الأوضاع في المنطقة والوصول إلى محددات ومرتكزات أساسية لإعادة صياغة الأوضاع وخفض التصعيد القائم وتشجيع الحوار السياسي والتفاوض الدبلوماسي ودعم جهود الوساطة التي تقوم بها دولتي قطر والباكستان بما يحقق الأمن الجماعي والرؤية المشتركة التي تخدم جميع الأطراف.
أن أهمية اللقاء بين دول اتفاقية مكة وإيران، أنه ذات دلالات عديدة ويحمل رسائل سياسية دقيقة تتعلق بالسعي لتهدئة الأوضاع مع إيران وفتح نوافذ للحوار وتأكيد الردع الجماعي لحماية المملكة العربية السعودية وتوسيع الدور الإقليمي في إدارة المواجهة الأمريكية الإيرانية، ومحاولة ثني إيران عن سلوكها الإقليمي وتوجهاتها السياسية ودعمها للفصائل المسلحة وإيقاف دورها في النفوذ والتمدد، والتوجه نحو اعتماد التفاهم أداة مهمة وأن الإجراءات العسكرية لاتضمن حالة الاستقرار دون حوارات مثمرة ولقاءات ناجحة مستندة إلى قدرة دفاعية وإمكانية دبلوماسية رائدة.
تمثل الزيارة تطورًا سياسيًا وامنيًا لأنها لا تقتصر على فتح نافذة للحوار مع إيران، بل تتعلق باختبار قدرة دول إقليمية على الجمع بين بناء الردع الجماعي ومنع اتساع المواجهة، وهنا يبرز السؤال الأهم هل سيتم التوصل إلى تفاهم جدي يحد من التهديدات الإيرانية، أم اشعار المسؤولين الإيرانيين بأن أمن المملكة العربية السعودية لم يعد مسألة ثانوية، بل أصبح مرتبط بتنسيق دفاعي أوسع؟ والأخذ بالاعتبار أن حلف مكة إطار دفاعي ثلاثي ينص على اعتبار الاعتداء المسلح على أحد اعضائه اعتداء على الأعضاء الآخرين، كما أن تأسيس الحلف لا يعني بالضرورة أنه موجه لشن مواجهة عسكرية مع إيران.
نرى أن الأهداف الرئيسية لزيارة الوفد الثلاثي هي في ايقاف واحتواء تهديدات جماعة الحوثيين وإيقاف تمددها وتوسعها، وهو الهدف الأمني والعسكري الأبرز الذي يعني الرياض، فاستمرار العمليات العسكرية والاعتداءات الحوثية والضربات الصاروخية باستهداف المطارات المدنية والمنشآت النفطية والبنية التحتية، لا يضع أمام الرياض إلا الاتجاه لمواجهة مفتوحة مستمرة، وهنا تبرز أهمية ادراك إيران لحوار الرياض معها ليس بسبب مسؤوليتها عن ما يحدث، بل لأن علاقتها مع الحوثيين تمنحها دورًا ومكانة في أي محاولة للضغط باتجاه التهدئة وإيقاف عمليات التصعيد، وهي محاولة للدلالة عن حسن النوايا الإيرانية التي سبق وأن وقعت اتفاقًا مشتركًا مع السعودية برعاية صينية في آذار 2023، واختبارًا لمدى استعداد إيران للمساهمة في خفض التهديدات الحوثية واستخدام نفوذها لتقيد نطاق توسيعها وامتداداتها.
وهناك الرأي الثنائي من (أنقرة وإسلام آباد) بأن الأمن السعودي أصبح مرتبطًا بردع مشترك وبارادة موحدة وهو الهدف الاساسي الذي على إيران أن تدركه ويمثل البعد الاستراتيجي في حالة التوازن الإقليمي، فالاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان ينقل التعاون من مستوى التشاور السياسي إلى بناء قدرة دفاعية مشتركة، وهنا يمكن تحديد رسالتين موجهة للمسؤولين الإيرانيين إحداهما أن باب الحوار مازال مفتوحًا أمامهم وأن دول (تحالف مكة) لا تسعى لتحويل إيران لخصم دائم، والأخرى أن استمرار التهديدات للسعودية قد يواجه بردع مشترك يتجاوز الإرادة الوطنية السعودية.
أن الدعوة السعودية لخفض التهديدات الحوثية لا يتعلق بالعلاقة السعودية الإيرانية، بل بحماية قدرة الرياض على إدارة اقتصادها وصادراتها النفطية وتجنب توسيع دائرة الحرب، وأن حماية العمق السعودي يسهم في حماية أمن الخليج العربي وحرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، ومنع تحويل الاراضي السعودية لساحة إضافية للمواجهة الأمريكية الإيرانية، لأن أي تمدد في هذه المواجهة قد يجعل المنشآت النفطية والمطارات المدنية والموانئ وشبكات الطاقة اهدافًا للضغط المتبادل.
ثم إن الاستماع لرأي إيران بحلف مكة وكيف تنظر إليه، وهل تخشى أن يتحول الاتفاق إلى أداة عسكرية يحدد من مجال حركتها الإقليمية، سيكون من الأسباب الرئيسية للزيارة الثلاثية، التي يسعى إليها الوفد لمعرفة كيف سيكون التعامل الإيراني مع الحلف، هل ستعتبره تهديدًا ينبغي مواجهته، أم اعتباره واقعًا إقليميًا يمكن التعايش معه ضمن تفاهمات تضمن السيادة وعدم الاعتداء والتدخل الشؤون الداخلية واستهداف حالة الأمن والاستقرار وتحريك أدوات وحلفاء ووكلاء لها في الإقليم، وهنا يمكن أن تتداخل ثلاث ملفات في الحوار بين إيران ودول اتفاق مكة ( أمن السعودية ومواجهة الاعتداءات الحوثية وأمن الملاحة في مضيقي باب المندب وهرمز وشروط استئناف المفاوضات الأمريكية الإيرانية) وهي ملفات مهمة تحيطها دائرة واحدة تساعد على الوصول لتفاهمات مبدئية قد توصل لاتفاق شامل يرضى جميع الأطراف.
يمكن الانتقال إلى محور أساسي في موقف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الزيارة الثلاثية وما ستتمخص عنها من نتائج وما يمكن أن تحقق من رؤى جديدة قد تحصل فيما يتعلق بالمواجهة الأمريكية الإيرانية، يمكن أن تحصل هناك بعض التطورات في الموقف الإيراني ولكنه لا يعني بالضرورة تغيير الموقف الأمريكي من الشروط التي سبق وأن اعتمدتها واشنطن تجاه إيران، ولكن من الممكن أن تحقق الزيارة توفير دبلوماسية ميدانية وآفاق سياسية تشمل مخرجًا للتوجهات الأمريكية في حال اسفرت الاتصالات عن التزام إيراني بايقاف الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية واستهداف أمنها واستقرارها وعن تفاهم بشأن حرية الملاحة وامدادات الطاقة الدولية والتجارة العالمية، فسيكون أمام واشنطن مجال أوسع لاختبار المسار السياسي لإيران قبل اتخاذ أي قرار بالصعيد العسكري، مع بقاء الولايات المتحدة على مطالبها المتعلقة بالملف النووي وأمن الملاحة والحصار البحري.
إذا ما تحققت عملية الضغط الإقليمي تجاه إيران واشعارها بتفعيل التعاون الدفاعي بين الرياض وإسلام آباد وانقرة، فقد تجد نفسها أمام معادلة صعبة، فأي عملية استمرار للهجمات الحوثية والإيرانية ستؤدي إلى تقارب أمني أوسع بين دول حلف مكة التي كانت تختلف في تقديرها التهديدات الإيرانية، وهو ما سيمنح واشنطن فرصة الاستفادة من التنسيق الأمني الإقليمي من دون أن تتحمل لوحدها اعباء الردع تجاه إيران.
هناك دلالة سياسية واضحة بأن الدول الثلاث ( السعودية وباكستان وتركيا) لا تتحرك بالضرورة ضمن حسابات أمريكية، بل لديها مصالحها المباشرة في إيقاف المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران وحماية ممرات الطاقة والملاحة البحرية ومنع انتقال التهديدات لأراضيها، وأن بناء قناة إقليمية مع إيران قد يعكس رغبة في توسيع القرار الإقليمي في ضوء استمرار الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ولكن تبقى قضية قادمة مهما توصلت الزيارة لنتائج أولية جادة، فلن تدفع واشنطن لتخفيف الضغط على إيران ولكن قد يكون مسارًا جيدًا لبدائل دبلوماسية قابلة للاختبار، ودراسة إذا ما كان التصعيد العسكري سيحقق أهدافه أم سيزيد الأخطار على حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الخليج العربي، وهنا يتعين تحديد مديات الأهمية الميدانية التي تكمن في أن اقطار مجلس التعاون الخليجي العربي لا تكتفي بالتأثر بنتائج المواجهة الأمريكية الإيرانية، بل تحاول المشاركة في صياغة ترتيبات احتوائها.
نتائج الزيارة يمكن النظر إليها من خلال السلوك الإيراني وموقفه من الاعتداءات الحوثية وما سيصدر عنها من التزام واضح بخفض التصعيد وهل هناك تراجع في كمية الهجمات الحوثية على المطارات المدنية والمنشآت النفطية والمدن السعودية وهل هناك تغييرات في التعامل بشأن حرية الملاحة في الخليج العربي ودعم إمدادات النفط والتجارة العالمية، وهل سترحب الإدارة الأمريكية بالمسار السياسي الإقليمي وتمتحع فرصة للتحقق أم ستستمر في الضغط العسكري وزيادة وتيرة العقوبات الاقتصادية.

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية