استهداف البنية التحتية المدنية وأمن الخليج الاقتصادي

استهداف البنية التحتية المدنية وأمن الخليج الاقتصادي

اياد العناز

نشرت وكالة رويترز للأخبار تقريرًا ميدانيًا مهمًا عن الأحداث الجارية في منطقة الخليج العربي والنتائج التي تمخضت عنها المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية التي انطلقت فجر يوم 28 شباط 2026.
تم نشر التقرير في 15 تشرين الأول 2026، وتضمن معلومات دقيقة عن إصابات لأماكن اقتصادية تتعلق بالطاقة ومؤسساتها ومنشآتها التصديرية ومعداتها الحيوية ومحطات تكرير النفط ومواقع مهمة تتعلق بالتكنلوجيا النووية وصهر المعادن في عموم مدن دول مجلس التعاون الخليجي العربي، منها 135غارة إيرانية استهدفت البنية التحتية المدنية في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والعراق وقطر والكويت وعُمان والبحرين، مستخدمة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة على (84) موقعًا استراتيجيًا للطاقة وملحقاتها، واصابت أهداف مدنية أهمها ( المطارات والمحطات ومصافي النفط ومحطات معالجة الغاز والمناطق السكنية ومراكز التسوق)، وساندتها ميليشياتها وفصائلها المسلحة من وكلائها وحلفائها بهجمات على أنظمة نقل النفط الحيوية في مدينة الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة والميناء الرئيسي خارج مضيق هرمز مما أدى إلى تعطيل عمليات النقل والتصدير لاسابيع عديدة واصابة منشأة رأس لفان للغاز الطبيعي المسال في قطر وإصابة اثنتين من صناديق التبريد التي تضم معدات تبريد الغاز واستهداف مطارات مدنية في أربع اقطار خليجية وآخرها مطار الملك خالد في الرياض، واحراق عدة مضخات نفطية وإصابة الخط الاستراتيجي السعودي (شرق-غرب) لنقل النفط ضمن الخطوط الفاعلة نحو ميناء ينبع على سواحل البحر الأحمر، وإصابة أربع محطات من أصل ثماني محطات تجمع بين إنتاج الكهرباء وتحلية المياه في الكويت وتعرضها لضربات متكررة وهو ما يشكل خطرًا على الحياة المدنية للسكان لأن المياه المحلاة والكهرباء من مقومات استمرار الحياة والخدمات الصحية والاقتصادية في دول الخليج العربي، ثم الهدف الأكثر حيوية كان باستهداف منشأة براكة للطاقة النووية في دولة الإمارات
باصابة محطة كهربائية فرعية في المنشأة، ما اضطر أحد المفاعلات الأربعة إلى الاعتماد على مولدات الديزل الاحتياطية، وتضررت منشأة الطويلة لصهر الألمنيوم في أبوظبي.
تحدث الكاتبن (تيم هوكينز) الناطق باسم القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) حول الدور الإيراني والهجمات التي تقوم بها الجهات المسلحة المرتبطة بقيادات الحرس الثوري قائلاً (لقد كانت القيادة المركزية الأميركية واضحة تمامًا في توضيح التهديدات التي تشكلها إيران إقليميًا وعالميًا)، وتم إدانة الممارسات والأفعال الإيرانية دائمًا بسبب استهدافها العشوائي لأكثر من (12) دولة مجاورة ومئات السفن التجارية وتعرضها لحياة ملايين الأبرياء للخطر طيلة الأشهر التي تلت المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية.
أشار التقرير إلى أن ميناء الفجيرة كان من أكثر المناطق تضررًا بسبب موقعه جنوب مضيق هرمز مباشرة، حيث تم إصابة الفجيرة 19 مرة مما أدى إلى شل أجزاء حيوية من عملياتها التجارية، ويمثل الميناء الشريان الحيوي لحياة التجارة العالمية والطاقة الدولية، إذ ساهم في تخفيف حدة انقطاع إمدادات النفط والغاز الطبيعي خلال الأشهر الثمانية التي تلت هجمات شباط 2026.
كانت الخسائر الاقتصادية أكثر وضوحًا في استهداف خط أنابيب النفط السعودي بين الشرق والغرب في 10 أيلول 2026، وهو الخط الرئيسي من الخطوط الاستراتيجية للالتفاف على عملية غلق مضيق هرمز، الذي أدى إلى توقف تدفق النفط الخام إليه، مما هدد ما يصل إلى 4٪ من إمدادات النفط العالمية، والذي تم اصابته من قبل الفصائل الملشياوية العراقية المدعومة من إيران، وكذلك الخسائر الكبيرة التي أصابت رأس لفان للغاز الطبيعي المسال في قطر والذي هددت ما يقارب 20٪ من تدفقات الغاز الطبيعي المسال في العالم، وقدر رئيس شركة قطر للطاقة سعد الكعبي في مقابلة مع وكالة رويترز للأخبار في آذار 2026 (أن الإصلاحات الكاملة لصناديق التبريد الحيوية للغاز الطبيعي المسال التي دمرت في غارتين إيرانيتين ستستغرق من ثلاث إلى خمس سنوات).
قامت إيران بشن هجمات متوالية بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة على البنية التحتية لتصدير الطاقة في الكويت ومطارها الدولي والمنطقة الصناعية التي تحتوي على مصفاتي ميناء الأحمدي وميناء عبد الله والشعيبة ومحطة توليد الطاقة الواقعة ضمن الحدود الإدارية لمدينة الأحمدي، واصابت الطائرات المسيرة الإيرانية مدينة ينبع السعودية لأكثر من مرة والتي تبعد مسافة (1000) كم عن الحدود الإيرانية.
وتحدثت (هيلاري ستيفنسون) نائبة رئيس قسم معلومات الطاقة في شركة IIR Energy قائلة (أن الإيرانيين استهدفوا مصفاة ينبع التابعة لشركة أرامكو موبيل السعودية بطائرة مسيرة في 19 آذار مما أدى إلى انخفاض الإنتاج إلى حوالي 70% من طاقتها الإنتاجية حتى 9 منتصف نيسان).
ويمكن تحديد أبرز الاستنتاجات التي وردت في تقرير وكالة رويترز وقراءته وفق النقاط التالية:
1.تعرض 84 منشأة للبنية التحتية في سبع دول خليجية عربية إلى (135) هجومًا بطائرات مسيرة وصواريخ إيرانية وعمليات هجومية نفذتها فصائل ومليشيات مسلحة مرتبطة بإيران منذ بدء المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في 28 شباط 2026.
2.اصابت ميناء الفجيرة والمنشآت النفطية في مدينة الفجيرة ب(19) هجومًا، ما أضر بقدرتها على العمل باعتبارها مسارًا بديلًا لنقل النفط بعيدًا عن مضيق هرمز.
3.اصيب رأس لفان للغاز المسال بعدة ضربات استهدفت معدات تبريد أساسية في منشأة الغاز الطبيعي.
4.تضرر الخط الرئيس لنقل النفط السعودي (شرق – غرب) مما أدى إلى تعطيل تدفق النفط وتهديد احد المسارات البديلة لنقل الطاقة بعيدًا عن مضيق هرمز.
أرادت إيران من ضرب هذه المنشآت والأماكن الحيوية للطاقة، أحداث اضطرابات اقتصادية مستمرة ورفع كلفة استمرار ألمواجهة العسكرية وتقليص قدرة دول الخليج العربي على تجاوز القيود المفروضة على الملاحة في مضيق هرمز، وإثبات أن الردع الإيراني لا يقوم على السلاح وحده، بل القدرة على أحداث كلفة إقليمية.
قد لا تستطيع إيران من مجاراة الولايات المتحده الامريكيه في التفوق الجوي والتقني، لكنها تستطيع التأثير على حسابات واشنطن عبر استهداف نقاط حساسة في الاقتصاد الإقليمي، وهو ما لم يحقق لإيران أهدافها السياسية.
تنظر إيران لمضيق هرمز ليس كونه ورقة جغرافية سياسية فحسب، بل أداة ضغط اقتصادي أوسع، إذا تضررت الموانئ وخطوط الأنابيب التي توفر بدائل للمضيق، فإن قدرة دول الخليج العربي على تخفيف آثار تعطيل الملاحة تتراجع، وهذا يعزز القيمة التفاوضية التي تسعى طهران لاكتسابها من موقعها الجغرافي.
الضغط العسكري والاقتصادي قد يعززان قدرة إيران على المساومة، لكنهما لا يضمنان بقاء النظام والقدرة على إلحاق الضرر لا تعني القدرة على تحمله إلى أجل غير محدد، فإيران تواجه بدورها الحصار والقيود على صادرات النفط وتكاليف إعادة بناء منشآتها وقدراتها العسكرية ومن ثم يجب تقييم الردع الإيراني بمقارنة ما تستطيع إلحاقه بالخصوم بما تستطيع تحمله من استنزاف.
أن الضربات الإيرانية أعطت لمفهوم هندسة المنظومة الأمنية الخليجية أهميته في أن حماية المنشآت لا يمكن أن تظل مسؤولية وطنية منفصلة في كل دولة، فالضربات التي تستهدف منشآة في دولة واحدة قد تؤثر في إمدادات الطاقة ومسارات التجارة وقدرة دول أخرى على تعويض النقص، وهو ما يدعو لتنسيق خليجي عربي موحد في الانذار المبكر وحماية البنية التحتية الحيوية وتبادل المعلومات وتأمين مسارات بديلة للطاقة والملاحة.
الرسالة الأعمق في تحقيق رويترز هي أن إيران حاولت تعويض فجوة القوة العسكرية عبر استهداف نقاط حساسة في الاقتصاد الخليجي، بحيث يصبح الضرر الاقتصادي جزءًا من معادلة الردع والتفاوض.
لكن هذا الأسلوب يحمل مخاطرة استراتيجية كبيرة لطهران أيضًا، فقد يؤدي إلى تقوية التنسيق الدفاعي الخليجي، وزيادة العزلة السياسية الإيرانية، وتعزيز المطالب بإدراج الصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات الإقليمية ضمن أي تسوية مستقبلية.

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية