اياد العناز
أخذ الحصار البحري الأمريكي والعقوبات الاقتصادية ضد إيران بالتاثير على الحياة المعيشية وارتفاع منسوب الأزمات الاجتماعية والمالية التي يعاني منها المجتمع الإيراني، وبدأت العاصمة (طهران) تعاني الاختناق تحت وطأة مسار العقوبات التي تمثل أكثر الفترات قسوة وايلامًا التي مرت في تاريخها السياسي المعاصر، بعد أن تمكن الحصار وأدواته من شل حركة الصادرات النفطية وإيقاف حركة الناقلات والسفن البحرية الإيرانية، وتمددت آثار العقوبات لتشمل حصارًا بريًا امتد من الحدود الباكستانية التي تم إغلاقها وأدت إلى تكدس الآف الشاحنات المحملة بالبضائع على المعاير الحدودية، وسببت ارتفاع في اسعار المواد الغذائية وازمة خانقة في الحياة المعيشية للمواطنين الإيرانيين، في وقت وجد النظام الإيراني نفسه أمام عودة لمواجهة عسكرية جديدة مع الولايات المتحدة الأمريكية وتصعيد في الخيارات العسكرية بكافة اتجاهاتها في الميدان وداخل العمق الإيراني.
وأمام هذه الإجراءات الاقتصادية، أعلن مسؤولي غرفة تجارة طهران عن تكدس أكثر من (17) ألف شاحنة محملة بالبضائع عند الحدود الإيرانية الممتدة مع (تركيا وافغانستان وأذربيجان وباكستان)، مما أدى إلى تلف المواد الغذائية وارتفاع كلفة النقل البري وفشل سياسة (اقتصاد الالتفاف) التي انتهجتها السلطات الإيرانية في مواجهة العقوبات الاقتصادية مع عجز الممرات البرية المحدودة عن تعويض الموانئ البحرية المغلقة.
جاء التقرير الاقتصادي الصادر عن صندوق النقد الدولي ليشير إلى عمق الفجوة والاختناق الذي تعانيه الموارد الاقتصادية، حيث خفض الصندوق توقعاته للاقتصاد الإيراني مجددًا ليؤكد انكماشه بنسبة 7،6٪ لعام 2026 بسبب القيود الأمريكية والتشديد الميداني والمراقبة المستمرة على الصادرات والحصار البحري الأمريكي.
ولم تتمكن الجهات والمؤسسات الإيرانية من إخفاء حقيقة النتائج الجسيمة الحصار والعقوبات الاقتصادية، فقد أشارت بيانات مركز الإحصاء الإيراني عن انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 10٪ في آذار 2026 مقارنة بالعام السابق، وهو أكبر تراجع فصلي منذ 15 عامًا، وشمل الانهيار قطاع النفط والغاز بنسبة تراجع بلغت 26،4٪ والصناعة والتعدين بنسبة 14،7٪ والصادرات بنسبة 36٪، وبلغ التضخم النقطي السنوي مستويات تجاوزت 89،8٪، وارتفعت أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية الأساسية بنسبة تجاوزت 128٪، مما سبب ارهاقًا ومعاناة كبيرة ارهقت العوائل الإيرانية وأضعفت قدرتها الشرائية ودفعت ملايين المواطنين لحافة الفقر.
كانت إحدى النتائج الكبيرة والمؤثرة الحصار البحري الأمريكي أن تسببت في منع إيران من تحميل شحنة واحدة من النفط الخام عبر ناقلاتها خلال شهر أيلول 2026 وحسب التقارير والبيانات التي أعلنتها شركة (كبلر) المتخصصة بتتبع حركة الناقلات.
لم تجد إيران أي إجراءات فاعلة وقرارات ميدانية لإيقاف زخم تأثير العقوبات والحصار البحري إلا عبارات التهديد التي أطلقها المتحدث بأسم الحرس الثوري الإيراني (حسين محبي) باستهداف القواعد الامريكيه والإسرائيلية والتأثير على حركة الملاحة وامدادات التجارة العالمية والطاقة الدولية وتطوير القدرات الصاروخية الإيرانية لاستنزاف القوة العسكرية الأمريكية.
إيران متمسكة بقرارها برفع التهديدات العسكرية والحصار والعقوبات الأمريكية ليتم بعدها إجراء جولات من الحوار السياسي والتفاوض الدبلوماسي وفتح مضيق هرمز.
أن التهديد الإيراني باستهداف معادلة الأمن الاقتصادي بالتعرض على المنشآت النفطية والمطارات العسكرية وخطوط نقل الطاقة يوسع نطاق الضغط والانتقال من المجال العسكري إلى الاقتصاد والنقل والاستثمار.
وأمام هذه الأحداث الميدانية والتطورات السياسية، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي في حديث لهما بتاريخ 23 تشرين الأول 2026 عن رفض طهران المطلق إجراء أي محادثات مع الولايات المتحدة الأمريكية إذا لم تُرفع العقوبات الاقتصادية وتطلق الأموال المجمدة مع إيقاف جميع انواع التهديدات العسكرية والتمسك بالشروط الإيرانية قبل أي عملية متقدمة لفتح مضيق هرمز وبدأ للحوار السياسي، وهذا الموقف أكدته وكالة (نور نيوز) الايرانية في تقريرها عن زيارة عاصم منير قائد الجيش الباكستاني ولقائه مسعود بزشكيان الذي ذكر له أن (الشعب الإيراني لا يثق بأمريكا اليوم، ويعتقد أننا إن تفاوضنا فسوف يهاجموننا مجددًا).
تأتي هذه المواقف السياسية الإيرانية لتلقي ظلال من الشك في العلاقة بين واشنطن وطهران وإضعاف لكل الوساطات التي تقوم بها (قطر والباكستان) وعدم تحقيق القدر الكافي على إنقاذ ما يمكن الوصول اليه عبر التفاوض الدبلوماسي، بعد تعثر تنفيذ ( مذكرة إسلام آباد) التي وقعت في حزيران 2026.
التطور البياني العسكري يشير إلى اتساع جبهة التهديد والتصعيد وارتباطه بما يحدث على الأرض اليمنية مع ما يمكن أن تتمخض عليه الأيام القادمة على صعيد المواجهة الأمريكية الإيرانية، مما يعني اتساع دائرة الخطر من البحر الأحمر وباب المندب إلى الخليج العربي ومضيق هرمز، وهذا ما يعني التواصل الفعلي لاقطار مجلس التعاون الخليجي العربي في الاعتماد على القدرات الأمريكية في مجالات الدفاع الجوي والإنذار المبكر والتنسيق الأمني وتبادل المعلومات الاستخبارية.
أن التهديدات الإيرانية لا زلت موجهة نحو المنشآت النفطية وخطوط إمدادات الطاقة الدولية والتجارة العالمية والقواعد العسكرية الإيرانية.
أن اتساع دائرة المواجهة الأمريكية الإيرانية قد يفرض من فرص تداخل الجبهات وتفاعلها عبر العمليات التي توجهها جماعة الحوثيين نحو الأراضي السعودية واستهدافها للمطارات المدنية والمصافي النفطية ومحطات الضخ وخطوط نقل النفط بهدف الضغط على الاقتصاد السعودي وصادرات الطاقة ورفع الكلفة الاقتصادية والأمنية لاستمرار المواجهة وتحويل الضغط العسكري إلى ورقة تفاوضية مرتبطة بالتصعيد الإقليمي.
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
