الفساد في العراق وآلية مواجهته

الفساد في العراق وآلية مواجهته

66260011255c61a625c659928729167

الفساد كما حدده الدكتور داود خير الله استناداً الى الاصل اللاتيني والى القواميس العربية، هو الانحلال والانحراف والتدهور او الشر ومخالفة الناموس الادبي، بل هو كل ما يمكن اعتباره ضد الصلاح وفق الموسوعي والمؤرخ بطرس البستاني في كتابه “محيط المحيط”. في هذا السياق، رأى خير الله ان الفساد داء ينهش النسيج الاجتماعي من جوانبه الثقافية والسياسية والاقتصادية، وتعده منظمة الشفافية العالمية من اكبر التحديات التي تواجه عالمنا الحديث، فهو يقوّض الحكم الصالح ويشوه السياسة العامة ويضر بالقطاع الخاص ويلحق الضرر بالفقراء اما الأكاديمي شربل نحاس، فرأى ان الفساد إما هو سلوك فردي طارئ يشذ عن قواعد الانتظام العام او هو نتاج منظومة اجتماعية وسياسية واقتصادية مستقرة ومعترف بها. وفي كل الحالات، إنه شر يجب اجتثاثه بالإصرار على تثبيت قواعد الانتظام العام من خلال توعية الناس والضغط على القضاء للقيام بواجبه، واضطلاع المثقف بحشر مؤسسات النظام امام الرأي العام
وجد الباحثون ان للفساد اثراً بليغاً في تزايد العنف، حيث اكدت استطلاعات الرأي ان الفساد يتصدر شكاوى المواطنين في الدول التي تعرضت لنزاعات مسلحة. ووفق منظمة الشفافية العالمية ومؤشراتها، ان احدى عشرة دولة من اصل العشرين الاكثر معاناة من الفساد، عانت من نزاعات مسلحة، وأن خمساً من هذه الدول اعضاء في جامعة الدول العربية. ولوحظ من خلال تطور مؤشرات الفساد في الدول العربية بين عامي 2008 و2013 ان الدول التي عرفت ما سمي الربيع العربي اليمن ومصر وتونس وليبيا والمغرب شهدت ارتفاعاً في مؤشرات الفساد
مع ذلك، لا يوجد ما يدل إطلاقاً على ان هناك إدراكاً لدى المسؤولين او النخب المثقفة للمخاطر والاضرار التي يلحقها الفساد بالمجتمع، وما يشكله من إعاقة في سبل نموه وتطوره. في هذا الاطار، رسم الفضل شلق الصحفي اللبناني صورة قاتمة للامة العربية: «امة ارادت الانخراط في العالم في القرن التاسع عشر، فكان سايكس ـ بيكو لتقسيمها، ووعد بلفور لهزيمتها. امة ينتابها الشعور بالعار في حياتها اليومية والخجل في علاقتها بالخالق. خذلتها اصولية «الاخوان المسلمين» وقومية البعث وعقلانية مفترضة عند الليبرالية والشيوعية. امة قوض الاستبداد اركانها، ما عادت تؤمن بنفسها، وهذا هو الاساس في جعلها فاقدة الامن”. هذه هي الصورة القاتمة التي تكاد تختصر رؤى الباحثين لواقع الامة وحال الفساد في العالم العربي.

الفساد في العراق

لم يعد الفساد المستشري في مختلف مفاصل العراق أمراً تنكره الحكومة ولا مؤسساتها المختلفة، ولا يمكن برأي الكثيرين تحديد حجمه لتشابك خيوطه. ولهذا لم يكن مستغرباً خروج الآلاف من العراقيين مطالبين بالإصلاح ومحاسبة الفاسدين. ما حمل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الاعلان وبتأييد من المرجعية الدينية عن عدة إجراءات ضد الفساد، ولكن ومع مضي الوقت ستواجه تلك الإجراءات بانتقادات واسعة لأنهالم تلامس جوهر العملية السياسية التي افضت إلى حكومة طائفية ينخرها الفساد، فضلاً عن عدم اتخاذ اجراءات حاسمة تتعلق بمحاكمة الفاسدين المتنفذين.

ويصنف الجهاز الإداري واحدا من اهم مكامن الفساد في العراق، لخضوع بنائه لاعتبارات المحاصصة الطائفية إذ ظلت الدولة تستحدث الوظائف العليا للإيفاء بوعودها لجهة إرضاء أطرافها، حتى أصبح ذلك عاملاً من عوامل تبديد الموارد وإرباك العمل التنفيذي لتنازع الصلاحيات.

ويعد الفساد الإقتصادي من أكبر المشاكل في العراق، لشموله مختلف العقود التي تبرمها الوزرات، وهو الاكثر تأثيراً على عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية فى المجتمعات النامية .فالنمو الاقتصادى يتأثر بعلاقات الفساد، من خلال آثاره السلبية على مناخ الاستثمار وتكلفة المشاريع التى ترتفع بسبب تصاريح التنفيذ التى يتطلب الحصول عليها درجات من الفساد, مما يزيد من التكلفة ويخفض العائد من الاستثمار ويتأثر النمو الاقتصادى سلباً, بجانب أثر الفساد على الحد من إقامة مشاريع استثمارية جديدة .

وعلى سبيل المثال لا الحصر، تصنف الأمانة العامة لمجلس الوزراء على رأس المؤسسات الفاسدة في البلاد، لمسؤوليتها عن توقيع مختلف العقود الضخمة في البلاد دون الخضوع لأي مسائلة، كما يحتل فساد وزراة الدفاع مرتبة متقدمة فيما يتعلق بشؤون بناء وتسليح الجيش العراقي، بينما يبدأ فساد قطاع النفط من مراحل ابرام العقود والتراخيص، وصولاً لعمليات بيع النفط خارج النظام الرسمي للدولة. ويحذر الكثيرون ان استمرار قطاع النفط على هذا المنوال يدمر كل الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في الدولة العراقية.

ومن القطاعات التي ارتبطت بالفساد وزارة الكهرباء، حيث تتحدث الحكومات السابقة والحكومة الحالية عن انفاق أكثر من 30 مليار دولار أميركي بقصد تحسين الشبكة الكهربائية، دون ان يطرأ أي جديد يلمس على مستوى الإنتاجية أو وقف استيراد الكهرباء من إيران أو إيجاد محطات التوليد العائمة.

ويمتد الفساد إلى قوت العراقيين أنفسهم من خلال عقود وزراة التجارة المتعلقة بالبطاقة التموينية، حيث اعترفت لجنة الخدمات النيابية مؤخراً، ان عدم تمكن الوزراة من توفير المفردات الأساسية لهذه البطاقة يرجع إلى الفساد الكبير الذي يسيطر عليها.

اما العقدة العصية في رأي الكثيرين فتتمثل في الفساد القضائي، الذي طالما تحدثت عنه جهات حقوقية وغير حقوقية، وارتبط مباشرة بضياع حقوق وثروات العراقيين، فضلاً من الآثار السلبية للأحكام الظالمة التي تصدر عن هذا القطاع. فالسلطة القضائية العليا مسيسة وخاضعة للأمزجة السياسية، التي تلاعبت بقضايا الإرهاب لجهة فتح وتعليق الملفات، واصدار الاحكام استجابة للمتنفذين السياسيين وبعد محاكمات صورية، لا تتوافر فيها مقتضيات العدالة والانصاف.

على ضوء كل ذلك لم يكن مستغرباً أن يصنف العراق لعامين متتاليين في صدارة الدول الأكثر فساداً على في الجماعة الدولية حيث حلّ في آخر تقارير منظمة الشفافية الدولية في مرتبة 170قبل السودان والصومال وكوريا الشمالية وجنوب السودان. فأرقام الفساد في العراق ما بعد 2003م مذهلة، منها على سبيل المثال بلغ الهدر المالي في عهد رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي 109 مليار دولار أمريكي، كما بلغت خسائر العراق المالية وفق تقرير للبرلمان العراقي في عهد ذات رئيس الوزراء ما بين عامي 2006م-2014م، ما يقارب 360 مليار دولار أمريكي. وقد تحدث المستشار الإقتصادي لرئيس الوزراء العراقي عن وجود 7 آلاف مشروع في عام 2014م، لم ينفذ منها إلا 400 مشروع، لم تتجاوز نسبة الإنجاز ما بين 2 إلى 10 بالمئة. كما تحدث نائب رئيس اللجنة المالية في البرلمان العراقي الدكتورة ماجدة التميمي عن وجود 6آلاف مشروع وهمي قيمتها 228 مليار دولار أمريكي في عام 2014م. حيث أهدرت الحكومات العراقية المتعاقبة على المشاريع الإنتاجية الوهمية أكثر من 250 مليار دولار أمريكي.

وأمام هذا الواقع المؤلم ووفق بيانات البنك الدولي يعيش 20 بالمئة من العراقيين تحت خط الفقر. ووفق تقارير منظمة  الشفافية الدولية فإن نسبة 29 بالمئة من العراقيين يقرون بدفع رشاوى مقابل الخدمات.

وإزاء هذا فساد الذي يعد من أهم مخرجات العملية السياسية في عراق ما بعد 2003م، وفي هذا السياق نتساءل عن أسباب الفساد في العراق، وما دور لجان النزاهة في مواجهته، وهل الفساد في طبقة السياسية بالكامل أم إنه في بعض منها، وهل بامكان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي اجتثاثه؟

للفساد أسباب كثيرة، لكن هناك سبب له تأثير مباشر نتج عنه كل فساد العراق، ويتمثل بانحراف النظام السياسي العراقي عن تطبيق الديمقراطية والاكتفاء بمظاهرها الشكلية ليس الا، الأمر الذي نتج عنه انعدام المسائلة والشفافية وغياب سيادة القانون. حيث أسس ذلك لعملية سياسية قائمة على الفساد، بسب المحاصصة الطائفية والاثنية، التي اوجدت حكومات ائتلافية، عاجزة عن إتخاذ القرارات. ومايزيد المشكلة تعقيدا هو مطاولة الاطراف المشتركة بالعملية السياسية والأستمرار للتمتع بالأمتيازات على حساب  تحقيق اي تطور للمواطن العراقي في مختلف المجالات .

ولذلك وجدت الطبقة السياسية في أموال الدولة الوسيلة، في ديمومتها واستمراها في الحكم. وهذا ما فعله رئيس الوزراء العراقي السابق نوري الماكي حينما اقنع نفسه بأن الاستيلاء على الأموال العراق سيمهد له الطريق لحكمه إلى ما شاء الله.

والدليل على ذلك، أنه أي نوري المالكي حينما أجبر على ترك منصبه لم يكن في خزينة  البنك المركزي العراقي أكثر من 3 مليارات دولار.

من المتعارف عليه أن اداء الجهات الرقابية لمهامها مثل هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية ومكاتب المفتشين العموميين، يتطلب توفير الدعم السياسي لهم، وهذا ما لم يتحقق في العراق، لأن القيادات السياسية والتنفيذية والتشريعية والقضائية معظمها متورط في الفساد بشكل او آخر، وإذا كان الأمر على هذا النحو، فإنه من المستحيل على الجهات الرقابية أن تنجز شيء يذكر في مجال مواجهة الفساد، خاصة إذا علمنا بأن تلك الجهات ما هي إلا عدد من المهنيين المستقلين يقومون بأعمالهم بعيدين عن السياسة والتحكم الحزبي.

ومن الصعوبة بمكان تعميم الفساد على الطبقة السياسية بشكل كامل، إلا إنها في ممارساتها العملية قامت بتعميقه. فالنظام السياسي الذي شكل ما بعد عام 2003م، بني في جوهره على التوافق، بمعنى أن هناك نخب تمثل جماعات إثنية وطائفية تشكل حكومة وحدة وطنية أوشراكة وطنية تتوزع المناصب التنفيذية فيما بينها، إلا أن هذا النظام من الناحية العملية تحول تدريجيا إلى ما يسمى في العراق اليوم بنظام المحاصصة، الذي اتخذ اشكالا طائفية أو إثنية أو حزبية.

بمعنى آخر فأن عملية توزيع المناصب تحصل وفق معادلة رياضية كل حزب ممثل في البرلمان يحصل على نسبة في المناصب التنفيذية، حيث تجري داخل كل جماعة طائفية وإثنية محاصصة أخرى. بحيث أصبحت مناصب سيادية مهمة حصة حزب سياسي معين، فعلى سبيل المثال، منذ عام 2006، وحتى الآن يعد منصب رئيس الجمهورية حكراً على حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، أما منصب رئيس الوزراء فهو من حصة الائتلاف الشيعي، وكانت رئاسة البرلمان من نصيب السنّة. وبهذه المحاصصة والاحتكار انشأ كيان حكومي غير متجانس، تسوده الاقطاعيات الحزبية.

مما لاشك فيه أن مصادقة أعضاء البرلمان العراقي بشكل جماعي على إجراءات رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي لم تكن؛ لتعبر عن رغبتهم الحقيقية بالاصلاح وإنما خشيتهم من ردود فعل الشارع العراقي المنتفض على الفساد، ومن الصعوبة بمكان أن يكون المجلس وأعضاؤه بعيدين عنه، لذلك جاء التصويت لصالح إجراءات رئيس الوزراء.

ولكن من المفيد الإشارة هنا، أن أمر مواجهة الفساد لا يتعلق فقط بإجراءات رئيس الوزراء وقدرته على اجتثاثه أو يرتبط بحركة الشارع العربي مع أهميتها أو مباركة المرجعية التي جاءت متأخرة، وإنما الأمر يتعلق بالعامل الإقليمي وأقصد هنا إيران التي تتحكم في العراق منذ عام 2006م، وحتى يومنا هذا، وعليه نتساءل هل ستسمح طهران بمضي بتلك الإصلاحات أم لا؟ وهل إذا سمحت ستكون إصلاحات جذرية أم شكلية، وهل ستسمح بتفعيل سلطة القضاء العراقي وتطهيره من الفاسدين المرتبطين بها لنرى فيما بعد، بعض شخصيات المتنفذة في العراق توجه لها تهم الفساد ويمكن إحالتها إلى المحاكم الجنائية؟ أم سيقوم الفاسدون من أجل الحفاظ على امتيازاتهم في التصدي لإجراءات رئيس الوزراء العراقي من خلال تفجير الوضع الأمني لكي يستمر قطار الفساد المالي والإداري والسياسي في “الدولة العراقية” في سكته اللانهائية؟.

دعنا نراقب.

وحدة الدراسات العراقية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الإستراتيجية