اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والهند تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وتزيد الضغط على الولايات المتحدة

اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والهند تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وتزيد الضغط على الولايات المتحدة

الباحثة شذا خليل*
تمثل اتفاقية التجارة الحرة الجديدة بين الاتحاد الأوروبي والهند واحدة من أكثر التحولات الاقتصادية أهمية خلال هذا العقد. فهي تغطي ما يقرب من ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي وتربط سوقاً يضم ملياري شخص. ولا يقتصر هذا الاتفاق على خفض الرسوم الجمركية فحسب، بل يعكس استجابة استراتيجية لتزايد الانقسامات الجيوسياسية، وتصاعد الضغوط التجارية الأميركية، وتحول الاقتصاد العالمي نحو تكتلات متنافسة بدلاً من قواعد موحدة.

صدمة في تدفقات التجارة العالمية

يقوم جوهر الاتفاق على تحرير واسع للتعريفات الجمركية. إذ ستخفض الهند الرسوم على الآلات والمواد الكيميائية ومنتجات الطيران والسيارات الأوروبية، مع هبوط التعرفة على المركبات من 110 في المئة إلى 10 في المئة ضمن حصة كبيرة. في المقابل، يحصل المصدرون الهنود على وصول تفضيلي إلى سوق الاتحاد الأوروبي في قطاعات المنسوجات والجلود والأحجار الكريمة والمأكولات البحرية والحرف اليدوية.

اقتصادياً، يسرّع هذا الاتفاق تنويع سلاسل التوريد بعيداً عن الاعتماد على دولة واحدة. فالشركات الأوروبية الباحثة عن بدائل للصين تجد فرصاً أوسع في قاعدة التصنيع الهندية، بينما يعوض المنتجون الهنود خسائرهم في السوق الأميركية التي نتجت عن الرسوم خلال حقبة ترامب. هذا التحوط المتبادل يقلل من هشاشة الاقتصادات أمام الصدمات السياسية ويعزز ممرات التجارة بين الجنوب العالمي وبين الشرق والغرب.

لماذا تراقب الولايات المتحدة عن كثب

من منظور واشنطن، يبدو الاتفاق مقلقاً. فقد اعتمدت الولايات المتحدة طويلاً على قوة سوقها للتأثير في شركائها عبر الرسوم الجمركية والمفاوضات الثنائية. أما بروكسل ونيودلهي فترسلان إشارة مختلفة تقوم على التكامل التجاري بدلاً من الإكراه.

وإذا توسع التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي والهند بسرعة، فقد يواجه المصدرون الأميركيون أوضاعاً تنافسية أصعب في قطاعات مثل السيارات ومكونات الطيران والأدوية والخدمات. والأهم من ذلك أن الاتفاق يضعف فعالية الرسوم الجمركية كأداة جيوسياسية، إذ إن بناء شبكات بديلة بين الاقتصادات الكبرى يقلص قدرة أي دولة واحدة على ممارسة الضغط الاقتصادي.

وعلى المستوى الكلي، يدفع هذا التطور العالم خطوة أقرب نحو نظام تجاري متعدد الأقطاب تتوزع فيه الاستثمارات والنمو بين عدة مراكز بدلاً من الدوران حول النظام الذي تقوده الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

الرابحون والمخاطر

من المتوقع أن تستفيد الصناعات كثيفة العمالة في الهند، مثل تربية الروبيان والملابس والمجوهرات، مع إمكانية خلق وظائف وزيادة الإيرادات التصديرية في وقت تقلص فيه الوصول إلى السوق الأميركية. أما الاقتصادات الأوروبية، ولا سيما ألمانيا وفرنسا، فتستفيد من الطلب المتزايد على السلع الصناعية المتقدمة ومن قدر أكبر من اليقين الاستثماري في أسرع الأسواق الآسيوية نمواً.

لكن التحديات قائمة أيضاً. فالمعايير البيئية والكربونية الصارمة في الاتحاد الأوروبي تفرض على المصانع الهندية تحديث عمليات الإنتاج أو المخاطرة بالإقصاء من السوق. وعلى المدى القصير قد ترتفع التكاليف على المصدرين الصغار، غير أن هذه المتطلبات قد تدفع الهند على المدى الطويل نحو تصنيع أكثر خضرة وإنتاج ذي قيمة مضافة أعلى.

الأمن والمناخ والاستقلالية الاستراتيجية

يرافق الاتفاق الاقتصادي تقدم في المحادثات بشأن التعاون الدفاعي والأمن البحري والمرونة السيبرانية والعمل المناخي. ويعكس هذا الدمج بين التجارة والأمن اتجاهاً عالمياً أوسع، حيث باتت الاتفاقات الاقتصادية أدوات للاستقلالية الاستراتيجية وليست مجرد محركات للنمو.

بالنسبة لأوروبا، يخفف تعميق العلاقات مع الهند الاعتماد على مسارات إمداد غير مستقرة ويعزز حضورها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. أما الهند، فيقوي هذا التعاون موقعها التفاوضي في مواجهة كل من واشنطن وبكين.

تداعيات عالمية

يشير الاتفاق إلى عودة عصر التكتلات التجارية الكبرى، ولكن بصيغة جديدة تتشكل حول سياسات المناخ والمعايير الرقمية والتعاون الأمني. وستراقب دول آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية هذا التطور عن كثب، وقد تسعى إلى إبرام ترتيبات مماثلة لتجنب الوقوع بين تنافس الولايات المتحدة والصين.

اقتصادياً، لا يطيح اتفاق الاتحاد الأوروبي والهند بالولايات المتحدة بين ليلة وضحاها. فما تزال واشنطن أكبر سوق استهلاكية في العالم وقوة تكنولوجية كبرى. لكن على المستويين السياسي والرمزي، يبرهن الاتفاق على أن مراكز ثقل بديلة في التجارة العالمية تزداد ثقة وتأثيراً.

إن الاقتصاد العالمي ينتقل من محور مهيمن واحد إلى عدة مراكز متنافسة. ويعد هذا الاتفاق واحداً من أوضح الإشارات حتى الآن على أن العولمة يعاد تشكيلها بدلاً من أن تتراجع.

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية