الباحثة شذا خليل*
عاد الجدل حول أسعار الفائدة على بطاقات الائتمان في الولايات المتحدة إلى الواجهة مع وصول ديون الأسر إلى مستويات تاريخية مرتفعة. فقد تجاوز إجمالي ديون بطاقات الائتمان تريليون دولار، بينما بلغ متوسط سعر الفائدة نحو 22%، ما يجعل دين المستهلك مشكلة اقتصادية هيكلية وليست مجرد ضائقة مالية مؤقتة. وفي هذا السياق، يسلّط اقتراح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتحديد سقف فائدة بطاقات الائتمان عند 10% لمدة عام واحد الضوء على التوتر القائم بين حماية المستهلك واستقرار القطاع المالي.
من منظور اقتصادي كلي، يعكس تصاعد ديون بطاقات الائتمان ضغوطاً أوسع على دخل الأسر. فركود الأجور الحقيقية، وارتفاع تكاليف المعيشة، والصدمات الاقتصادية مثل إغلاقات الحكومة وعدم استقرار الوظائف، دفعت العديد من الأسر إلى الاعتماد على الائتمان الدوّار لتغطية نفقاتها الأساسية. ومع ارتفاع أسعار الفائدة، تتحول هذه القروض قصيرة الأجل بسرعة إلى عبء مالي طويل الأمد، كما توضح تجارب مقترضين مثل سيلينا كوبر ومورغان، حيث يتفاقم الدين بمجرد تعثر الدخل.
أنصار تحديد السقف يرون أنه قد يشكّل أداة مباشرة للتخفيف المالي، من خلال زيادة الدخل المتاح للأسر وتقليل الضغط على ميزانياتها. وتشير دراسات إلى أن توفير ما يصل إلى 100 مليار دولار سنوياً من مدفوعات الفائدة يمكن أن يترك أثراً تحفيزياً ملموساً على الاقتصاد، لا سيما عبر دعم الاستهلاك لدى ذوي الدخل المنخفض والمتوسط. ومن هذا المنظور، فإن خفض تكاليف الفائدة قد يعزز القدرة الاقتصادية للأسر بدلاً من إضعافها.
في المقابل، تحذّر البنوك من آثار جانبية غير مقصودة. فإيرادات الفوائد تشكّل عنصراً أساسياً في ربحية بطاقات الائتمان، وقد يؤدي فرض سقف للفائدة إلى تقليص الوصول إلى الائتمان، أو خفض برامج المكافآت، أو تعويض الخسائر عبر رفع الرسوم في مجالات أخرى. اقتصادياً، يثير ذلك مخاوف من تقييد الإقراض، خصوصاً للفئات الأعلى مخاطرة التي تعتمد على بطاقات الائتمان لتغطية الفجوات المؤقتة في السيولة.
يبقى السؤال الاقتصادي الجوهري هو ما إذا كانت هذه السياسة تعيد توزيع التكاليف بشكل أكثر عدالة أم تنقلها فقط من طرف إلى آخر. ففي حين تؤكد البنوك أن الإقراض سيتراجع، يشير منتقدو هذا الرأي إلى الهوامش الربحية القوية والإيرادات غير المعتمدة على الفوائد في سوق بطاقات الائتمان. وإذا لجأت المؤسسات المالية إلى خفض نفقاتها التشغيلية بدلاً من تقليص الائتمان، فقد تكون الحصيلة النهائية إيجابية من حيث الرفاه الاقتصادي.
وفي المحصلة، فإن فرض سقف مؤقت على أسعار الفائدة لن يكون حلاً كاملاً لأزمة الدين في الولايات المتحدة. فالمشكلة تتطلب إصلاحات هيكلية أعمق تشمل استقرار الدخل، وتعزيز حماية المستهلك، وتوفير بدائل عادلة للائتمان مرتفع التكلفة. ومع ذلك، يعكس هذا المقترح إدراكاً متزايداً بأن ديون المستهلك غير المنضبطة لا تمثل عبئاً فردياً فحسب، بل خطراً على الاستقرار الاقتصادي الكلي. ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان الضغط السياسي قادراً على تجاوز نفوذ القطاع المالي وتحويل الفكرة من نقاش إلى سياسة فعلية.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
