اعلان إيران تكليف محمد باقر قاليباف رئيس مجلس النواب الإيراني ليكون مبعوثًا رسميًا للقيادة الصينية له دلالاته السياسية وابعاده الاقتصادية، ويأتي بعد يومين من انتهاء زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العاصمة (بكين) ولقائه مع الرئيس جين شين بينغ وما تلاه من حديث عن إمكانية أن يكون للصين دورًا مهمًا في الضغط على إيران ودعم المبادرة الباكستانية في السماح للسفن البحرية وناقلات النفط والغاز والمواد الأساسية بالمرور عبر مضيق وايقاف الإجراءات الإيرانية،
مع تصاعد الحركة الدبلوماسية بزيارة وزير الداخلية الباكستاني لإيران وتكثيف الجهود البناءة لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، بعد إعلان إيران عن فرض آلية جديدة ومقيدة للعبور في مضيق هرمز، وهي الآلية التي تلزم أي سفينة ترغب في عبور المضيق بالتنسيق المباشر بين وزارة خارجية الدولة التابعة لها ووزارة الخارجية الإيرانية بغية اشعار القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، مع تصاعد حدة المواجهة الاعلامية بإعلان القوات المسلحة الإيرانية جاهزيتها لتنفيذ رد فوري لأي محاولات تستهدف العمق الإيراني ومن أي جهة كانت.
أن الرسالة الأمريكية التي جاءت ردًا على الشروط الإيرانية بالعودة للمفاوضات تضمنت رفض دفع أي تعويضات مادية لإيران
مع تسليم طهران 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب إلى الولايات المتحدة
ووقف أنشطتها في جميع منشآتها النووية باستثناء واحدة فقط
وعدم الإفراج عن أصول إيران المجمدة
وقف الحرب على جميع الجبهات، وأتت الرسالة لتشكل عامل دفع اساسي للصين لدفعها لدور سياسي أكبر في معالجة أزمة تخصيب اليورانيوم وتهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات، وهذا ما شعرت به إيران ورأت فيه مخرجًا واضحاً يتطلب وساطة دولية قادرة على تقريب وجهات النظر بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، وكان من أحد الاسباب الرئيسية في تكليف قاليباف بالمهمة الرسمية التي جاءت بترشيح من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وموافقة المرشد مجتبى خامنئي، ومحاولة التخفيف من التهديدات التي أطلقها الرئيس ترامب باستعادة خطاب الردع العسكري والتلويح باستخدام القوة وضرب أهداف حيوية ومهمة على الصعيدين الاقتصادي والعسكري وضمان الحفاظ على التوازنات الإقليمية وإعادة تشكيلها بما يخدم التوجهات الأمريكية والأهداف الإسرائيلية وإضعاف إيران وحلفائها وتصعيد حالة الضغط الاقصى وجعل المواجهة ما تزال قائمة.
تعتمد التحركات الصينية نحو أهداف معينة ورؤى سياسية تصاحبها منافع ومصالح اقتصادية تهدف فيها إلى منع حالة التصعيد في منطقة الشرق الأوسط وتأمين الحماية اللوجستية لمبادرة الحزام والطريق وتحديث أساليب التجارة الأوراسية بانشاء روابط لبنى تحتية تشمل ممرات تجارية وشبكات للسكك الحديدية القارية تمتد من الساحل الشرقي للصين عبر آسيا الوسطى إلى أوروبا الغربية، وربط الممرات البرية من جنوب غرب الصين إلى ميناء جوادر في الباكستان والاتفاق مع أوزبكستان وقرغيزستان على بناء خط للسكك الحديد يربط منطقة كاشغار في مدينة شينجيانغ الصينية بشرق أوزبكستان مرورًا بجنوب قرغيزستان بكلفة خمسة مليارات دولار وصولاً لتركيا ومنها لأوروبا الغربية ، وهذا لا يمكن الاستمرار في تنفيذه مع وجود واستمرار المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية وعدم الوصول لاتفاق شامل يبقي الحليف الاستراتيجي الإيراني دون هزيمة سياسية وعسكرية كما يسعى إليها الرئيس ترامب والذي اخذ تعهد من الرئيس الصيني بعدم تزويد إيران بالأسلحة والمعدات المتطورة والمواد ذات الاستخدام المزدوج التي تدخل في تطوير برنامج الصواريخ الباليستية.
الأهداف الصينية لها أولوياتها في عدم الشروع بالعمل كضامن أساسي كما ترغب إيران ولكنها ترسم ملامح دورها كوسيط دولي مساند للمبادرة الباكستانية وفي نفس الوقت تسعى للحفاظ على النظام الإيراني وبقائه والضغط عليه لقبول العودة للمفاوضات بمرونة سياسية دون انهزامية عسكرية، وتدرك أن هناك منافس لها في تنفيذ مشروعها الاقتصادي لطريق التنمية يتمثل في ممر ( الهند – الشرق الأوسط – أوروبا) الاقتصادي الذي يتميز بنفس الأهداف والطموحات الاقتصادية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الإقليميين، والذي يسعى الرئيس ترامب لجعله نموذجًا جديدًا للتجارة العالمية يعزز العلاقات والروابط التجارية بين الهند كمركز تجاري عالمي والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة اللتين تتمتعان بفوائض تجارية كبيرة، وللأهمية التي تتمتع بها الهند في التصنيع العالمي والتكامل الاقتصادي.
تصاعد حدة الخطاب الأمريكي تجاه إيران تتابعه القيادة الصينية مع اعتقادها باحتمال ارتفاع شن هجمات مباشرة على الدفاعات الجوية الإيرانية ومنشآتها لإنتاج النفط والغاز وشبكات الطاقة الكهربائية والموارد المائية وقواعدها العسكرية ومواقع برامجها للأسلحة النووية والصواريخ الباليستية، لهذا فهي تسارع الخطى لإقناع المسؤولين الإيرانيين بالعودة للحوار الدبلوماسي والتفاوض السياسي والابتعاد عن سياسة التهديد والتصعيد وهذا ما سيكون من أولى النقاط التي ستناقشها مع المبعوث الرسمي الإيراني محمد باقر قاليباف، ولكي تضمن حماية مصالحها وأهدافها الاقتصادية واستثماراتها المالية في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي واستمرار دورها ووجودها الإقليمي.
بدأ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بخطاب جديد يسعى فيه للانفتاح والعودة للمجتمع الدولي وتقديم سلوك سياسي أكثر وضوحًا وتوافقًا بين المصالح الإيرانية والغايات والأهداف الدولية والإقليمية بعد الإجراءات الإيرانية في غلق مضيق هرمز،وهو ما يشكل تحولًا في سياق التوجهات السياسية للمنظومة الإيرانية التي تحتكم في تأثيرها على الدور الميداني والسطوة الأمنية والعسكرية لقيادات الحرس الثوري وتمسكهم بزمام الأمور في إدارة شؤون الدولة الإيرانية،
وهنا تسعى الصين لاعتماد توجيه استراتيجي في التعامل مع الملف السياسي الإيراني باقناع قيادات الحرس بالابتعاد نسبيًا عن الخطاب الأيديولوجي لمصلحة الخطاب الواقعي والبراغماتي واغتنام الفرصة لتحقيق المكاسب والابتعاد عن أي أخطار قد تؤدي مجددًا إلى خسائر كبيرة وواسعة تلحق بإيران.
إيران لا زالت ترى في ورقة مضيق هرمز رهان لها في دعم تفاوضها حول البرنامج النووي وترى فيه إمكانية لعقد صفقة أوسع تحقق لها قدرًا من العودة لمكانتها الإقليمية ومعالجة أزماتها الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها أبناء الشعوب الإيرانية واعادة الثقة الداخلية بها، ولا زالت ترى أن إجراءاتها من الممكن أن تؤدي للتأثير على موقف الرئيس ترامب والحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية في تشرين الثاني القادم، هذا ما سيكون ضمن النقاط الرئيسية التي ستعمل القيادة الصينية على توضحيها لإيران بأنها لا تشكل عاملًا مؤثرًا على إدارة الرئيس ترامب.
أن استعراض القدرات العسكرية والتمسك بخيار الرد على أي مواجهة عسكرية قادمة من واشنطن وتل ابيب لا يعني أن طهران أسقطت من حساباتها إمكانية إعطاء الحلول السياسية والتفاوضية فرصة للتوصل إلى صيغة تضمن لها تحقيق إنجاز يعفيها أو يفتح الطريق أمامها للتخلي عن الخيار العسكري، وما فيه من محاذير وما قد ينتج منه من تداعيات لا ترغب فيها، وسعيها لاعتماد الصين ضامن دولي يساهم في إيقاف القتال والبدأ بمفاوضات شاملة لاتفاق دائم يحقق لها أهدافها في رفع العقوبات الاقتصادية وإطلاق اموالها المجمدة وحماية نظامها السياسي، مقابل العمل على استخدام المرونة السياسية والأداء الميداني في التعامل الجوهري مع الشروط الأمريكية.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
