عامر العمران
في أرضٍ كان النفط فيها وعدًا لا ينضب، وكان التاريخ يزهر بين ضفتي دجلة والفرات، تتكشف اليوم مفارقة اقتصادية أكثر قسوة من أي وقت مضى: دولة تمتلك واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، لكنها تقف على حافة اختلال مالي متكرر، يضع قدرتها على إدارة أبسط التزاماتها، مثل الرواتب، تحت ضغط دائم.
هذه المفارقة ليست حدثًا عابرًا، بل نتيجة بنية اقتصادية تشكلت عبر عقود من الاعتماد شبه الكامل على مورد واحد، جعل الاقتصاد العراقي شديد الحساسية لأي صدمة في الأسعار أو الإمدادات أو الجغرافيا السياسية.
صدمة الصادرات وتراجع الإيرادات
تشير بيانات وزارة النفط لشهر آذار إلى أن صادرات النفط الخام والمكثفات بلغت نحو 18.6 مليون برميل فقط، بإيرادات تقل عن ملياري دولار. هذا التراجع يُقدَّر بأكثر من 80% مقارنة بالشهر السابق، أي بفارق يُقدَّر بنحو 5 إلى 7 مليارات دولار، عند صادرات تقارب 3.3 مليون برميل يوميًا.
لكن القراءة الأهم ليست رقمية فقط، بل بنيوية: ما حدث لم يكن مجرد تراجع في الكميات أو الأسعار، بل صدمة جيوسياسية مرتبطة باضطرابات في مضيق هرمز، الذي يُعد المنفذ الحيوي الأهم لصادرات الطاقة العراقية. أكثر من 85% من صادرات النفط تمر عبر الموانئ الجنوبية المطلة على الخليج، ما يجعل أي اضطراب في هذا الممر البحري بمثابة تهديد مباشر لاستقرار الدولة المالي.
الجغرافيا كعامل ضغط اقتصادي
في هذا السياق، يتحول العراق من دولة مُصدِّرة كبرى إلى اقتصاد مكشوف بالكامل أمام الجغرافيا، حيث لا يملك بدائل لوجستية حقيقية لتصدير النفط، ولا مخزونات مالية سيادية كافية لامتصاص الصدمات طويلة الأمد، كما هو الحال في بعض الاقتصادات النفطية الأخرى.
الموازنة العامة، المقدّرة بأكثر من 150 تريليون دينار عراقي (ما يزيد على 100 مليار دولار)، تعتمد بنسبة تفوق 90% على الإيرادات النفطية. هذا يعني أن أي تراجع في التصدير أو الأسعار ينعكس مباشرة على قدرة الدولة في تمويل إنفاقها الجاري، وليس الاستثماري فقط.
خيارات مكلفة
ومع اتساع فجوة الإيرادات، تتقلص الخيارات أمام الحكومة إلى ثلاث مسارات جميعها مكلفة:
الأول: الاقتراض، الذي يرفع الدين العام الذي يقترب من 70 مليار دولار، ويزيد كلفة الخدمة المالية في المستقبل.
الثاني: التقليص والضغط المالي، عبر تأجيل مشاريع أو خفض الإنفاق الاستثماري، وهو ما ينعكس مباشرة على النمو وفرص العمل.
الثالث: وهو الأكثر حساسية، إدارة الإنفاق التشغيلي، حيث تشكل الرواتب والتقاعد أكثر من 40% من إجمالي الإنفاق العام، ما يجعلها في قلب أي أزمة سيولة محتملة.
إلى جانب ذلك، قد تلجأ الدولة إلى إجراءات إضافية مثل إعادة جدولة بعض الالتزامات، أو تقليص الدعم غير المباشر، أو زيادة الضرائب والرسوم على قطاعات مختارة، وهي أدوات تحمل كلفة اجتماعية مرتفعة في بيئة تعاني أصلًا من بطالة تتجاوز 14%، وفقر يقترب من ربع السكان في بعض المحافظات.
فرص ضائعة
لكن جوهر الأزمة أعمق من العجز المالي اللحظي. العراق، رغم امتلاكه احتياطيات نفطية تتجاوز 145 مليار برميل، لم ينجح في تحويل هذه الثروة إلى قاعدة إنتاجية متنوعة. مساهمة القطاع الصناعي لا تزال دون 2% من الناتج المحلي، بينما القطاع الزراعي، الذي كان تاريخيًا ركيزة أساسية، يعاني من تراجع مزمن رغم توفر الموارد الطبيعية.
للمقارنة، فإن دولًا نفطية أخرى استطاعت خلال فترات الازدهار النفطي بناء صناديق سيادية ضخمة، مثل مملكة النرويج، وتنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط في تمويل الميزانيات. أما في الحالة العراقية، فقد بقيت الوفرة النفطية مرتبطة بالاستهلاك لا الاستثمار، وبالإنفاق لا بالتحول الهيكلي.
الحل لا يكمن في انتظار تحسن أسعار النفط أو استقرار الجغرافيا السياسية، بل في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والاقتصاد.
أولًا: ضبط الإنفاق العام، خصوصًا النفقات الجارية التي تتوسع سنويًا بوتيرة تفوق النمو الحقيقي للاقتصاد.
ثانيًا: إعادة هيكلة نظام الدعم، من نموذج شامل مكلف إلى نموذج موجه للفئات الأكثر هشاشة، بما يقلل الهدر دون تفجير التوازن الاجتماعي.
ثالثًا: تنويع الإيرادات عبر تفعيل قطاعات مهملة مثل الزراعة الحديثة، والصناعة التحويلية، والسياحة الدينية، وهي قطاعات تمتلك قاعدة كامنة لكنها غير مستغلة.
رابعًا: إصلاح بيئة الاستثمار عبر تقليل البيروقراطية، وتعزيز الشفافية، وتقليص نفوذ الاقتصاد غير الرسمي، بما يفتح المجال لرأس المال المحلي والأجنبي.
خامسًا: إعادة هيكلة القطاع العام، الذي يضم أكثر من 4 ملايين موظف، وتحويله تدريجيًا من عبء تشغيلي إلى قوة إنتاجية أو شراكة مع القطاع الخاص.
ختاماً، العراق لا يواجه أزمة نفط، بل أزمة نموذج اقتصادي كامل يعيش على مورد واحد دون بديل.
وعندما يتوقف النفط، لا تتعطل الأرقام فقط… بل تتعرّى الدولة من قدرتها على الاستمرار.
السؤال لم يعد هل ينهار الاقتصاد… بل كم مرة يحتاج أن ينهار حتى يُعاد تعريفه؟
