اياد العناز
بتاريخ 21 نيسان 2026 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمديد وقف القتال وتحديد هدنة أخرى تستمر لحين تقديم إيران اقتراحًا موحدًا يمثل صيغة التوافق السياسي بين أجنحة النظام الإيراني للعودة إلى العاصمة الباكستانية ( اسلام آباد) وبدأ جولة ثانية من الحوار الدبلوماسي والتفاوض السياسي مع الولايات المتحدة الأمريكية، وجاءت الموافقة الأمريكية بعد طلب واتصال من قبل رئيس الوزراء الباكستاني ( شهباز شريف) والجنرال ( عاصم منير) وإعطاء فرصة للاستمرار في إدامة الاتصال مع المسؤولين الإيرانيين وحثهم على التفاوض وتقديم رأيهم النهائي منعًا لعودة القتال، في الوقت الذي وجه الرئيس ترامب القوات الامريكية بمواصلة الحصار البحري لإيران والبقاء على اهبة الاستعداد لمواجهة أي احتمالات وإجراءات تنذر بالمواجهة العسكرية مرة ثانية.
افرزت الايام الاخيرة وتحديدًا بعد انتهاء جولة المفاوضات الأولى بين واشنطن وطهران أن هناك حالة من الانقسام السياسي والصراع الرسمي داخل الهيكلية العسكرية والأمنية الإيرانية، بين جهة تدفع باتجاه التشدد واعتماد صيغ ووسائل ضاغطة يقودها ( احمد وحيدي) قائد الحرس الثوري، وتيار آخر يرى من الحوار والدبلوماسية طريقًا ناجحًا للوصول إلى غايات وأهداف تؤدي إلى رفع العقوبات الاقتصادية ويقوده الرئيس الإيراني (مسعود بزشكيان) ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في وقت تتعاظم مشاكل النظام الإيراني الاقتصادية والاجتماعية بسبب الحصار البحري الذي يكلفه (500) مليون دولار يوميًا إضافة لارتفاع نسبة التضخم المالي إلى 68٪ منذ بداية المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في 28 شباط 2026 مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 110٪ عن العام الماضي وتراجع الريال الإيراني إلى 8٪ منذ بداية الهجمات الصاروخية والجوية داخل العمق الإيراني، مما أدى إلى أحداث حالة من انخفاض القدرة الشرائية وصعوبة العيش وارتفاع كاهل المعاناة التي يعيشها أبناء الشعوب الإيرانية، مع التزامن بتوقف عمليات الإنتاج في معامل وشركات البتروكيماويات والصلب والحديد والالمنيوم نتيجة الضربات الجوية الإسرائيلية التي طالت القطاعات الصناعية وأدت إلى تسريح آلاف من العمال وإغلاق مصانع ومعامل عديدة وتراجع الإنتاج في قطاعات أخرى تمثل ركيزة مهمة للاقتصاد الإيراني والتي قدرتها الناطقة باسم الرئاسة الإيرانية ب ( 270) مليار دولار، وجميع هذه الخسائر التي تعكس حجم الضربات العسكرية تضع سوق العمل الإيراني أمام أزمة كبيرة تتصاعد فيها نسبة البطالة التي كانت تشكل عبئًا على الحكومة الإيرانية قبل تاريخ المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران وتل أبيب.
ويمكن تحديد تاريخ إعلان وقف إطلاق النار في 8 نيسان 2026 ليشكل بداية لحالة الانقسام السياسي الإيراني والتي بدأ فيها المجلس الأعلى للأمن القومي الذي يضم الرئيس بزشكيان ورئيس مجلس النواب محمد باقر قاليباف ورؤوساء الأجهزة الأمنية، يمارس مهامه شكليًا ليكون القرار السياسي والعسكري وكل ما يتعلق بالسياسة الخارجية الإيرانية وسياق التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية تقررها قيادة الحرس الثوري ومؤسسة خاتم الأنبياء، التي سعت لاختيار (قاليباف) لقيادة جولة المفاوضات في إسلام آباد كونه أحد قادتها والعاملين في تشكيلاتها، والتي اتسمت خلافًا للوفود المشاركة بأي تفاوضات وحوارات بعد وقف القتال بأنها احتوت على (80) ثمانين مسؤولًا إيرانياً من جميع المؤسسات والاختصاصات الأمنية والعسكرية والفنية، أبرزهم ( مجيد تخت روانجي) الذي كان أحد المسؤولين عن اعداد الاتفاق النووي الإيراني في تموز 2015.
أعطى غياب المرشد ( مجتبى خامنئي) وعدم حضوره للاجتماعات التي تدار من قبل الرئاسة الإيرانية ومجلس الأمن القومي وفقدان التوجيهات المركزية الموجه من قبله للقيادات العسكرية والأمنية في فيلق القدس والحرس الثوري، حالة احتدام وصراع وخلاف بين جميع التيارات السياسية والقيادات العاملة في إدارة الدولة الإيرانية، وهو ما أدى إلى تفكك وانعدام القرار السياسي الموحد وعدم الوصول إلى رأي مستدام باستمرار الحوار والتفاوض مع الولايات المتحدة استجابة للوساطة الباكستانية، ويمكن اعتبار أحد أوجه الانقسام السياسي ما تعرض له وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من انتقادات واتهامات من قبل بعض القيادات العسكرية في الحرس الثوري بعد إعلانه عن فتح مضيق هرمز للملاحة في 17 نيسان 2026، متهمة اياه بتجاهل شروط الحرس الثوري لفتح المضيق.
الرؤية التي يستند إليها المسؤولين الإيرانيين انهم يعتبرون أن الهدنة التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للبدأ بالمفاوضات هي إعلان لنصرهم وأنهم متمسكون بهذا الاعتقاد ويعتبرونه قوة إضافية تساعدهم على تحديد شروطهم وطبيعة موافقتهم على أي موضوع يتم مناقشته خلال المفاوضات التي لم تشهد حسم استراتيجي وحقيقي للمواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، مع الأخذ بالاعتبار أن القيادة العسكرية والسياسية الأمريكية تعتمد صيغة اعداد اتفاق شامل يفضي لتحقيق نتائج إيجابية يخدم توجهاتها وما آلت إليه نتائج القتال والتمسك بشروطها بالتخلي عن عملية التمويل والتسليح للفصائل والمليشيات المرتبطة بالحرس الثوري في اليمن ولبنان والعراق وتفكيك البرنامج النووي وإيقاف عملية تخصيب اليورانيوم وتسليم نسبة المخزون منه والتي تقدر ب (400) كغم وتحديد كمية الصواريخ الباليستية ومداها، وهناك حديث يشير إلى إمكانية نقل اليورانيوم المخصب إلى باكستان والذي تحدث عنه موقع (الجزيرة نت) في 17 نيسان 2026 ويتم عبر ترتيب من قبل القيادة الباكستانية التي ترى فيه حلًا وسطًا لدفع حركة المفاوضات وحل الأشكالات التي تتعلق بنسبة بتخصيب اليورانيوم الذي يمثل العنصر الأهم في عملية إيقاف الأنشطة النووية داخل إيران.
يعمل الجنرال ( عاصم منير) على التمسك بإيقاف القتال وهذا ما سعى إليه بتمديده لفترة معينة بعد أن استشعر حقيقة التهديد الأمريكي بمعاودة القتال وسعى الرئيس ترامب لسحب آخر ورقة تتمتع بها إيران في إغلاق مضيق هرمز وأن التهديد أصبح حالة معلنة وجزء من الخطاب الرئاسي بإعلان ترامب ( أن كل محطة طاقة وجسر في إيران) سيكون هدفًا لعمليات عسكرية قادمة إذا لم توافق ايران على شروط بلاده وأن تلويحها بإغلاق مضيق هرمز أصبح دون فعالية بعد سيطرة القوات العسكرية الأمريكية وفرض امكانياتها على تطبيق وإعلان الحصار البحري على موانئ وسواحل إيران، وسعيه لإعداد أرضية عسكرية بشرعية دولية باتهام إيران بتهديد الملاحة العالمية في مضيق هرمز بعد قيام الحرس الثوري بإطلاق النار على سفن فرنسية بريطانية وأن التهديد أصبح لا يخص فقط المصالح الأمريكية.
تعتمد الولايات المتحدة الأمريكية سياسة إدارة الصراع عبر احتواء إيران استراتيجيًا باستخدام أدوات الردع والضغط المستمر دون مواجهة مباشرة لانتزاع تنازلات وإظهار معارضة شديدة واستثمار حالة الانقسام التي يعاني منها النظام الإيراني، وأن ما تراه من عملية تفاهم ما هو إلا حالة مختصرة تحتاج إلى تفصيل سياسي واقتصادي وعسكري تفاوض مستمر بعد هدنة مؤقتة للوصول لاتفاق شامل تتحدد فيه مستلزمات إدامة وقف القتال والضمانة الإقليمية بعدم العودة للمواجهة العسكرية، وما تحديد وقت لإيران لتحديد مواقفها عبر اتفاق بين مسؤوليها إلا مسارًا وعنوانًا للدبلوماسية واختبار لحسابات استراتيجية تتداخل فيها المصالح الجيوسياسية مع تهديدات عسكرية واضحة ربما تقود إلى تغيير ملامح الإقليم، بإنهاء عقدة مضيق هرمز والسعي لترتيبات أمنية تحمي منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي، وتحقيق تسوية شاملة عبر حوار سياسي وتفاوض دبلوماسي أو بضغظ ونفوذ وتوجه عسكري يفتح الأبواب لمواجهة دائمة تطيح بكل الأهداف والغايات الإيرانية.
