عامر العمران
في سوقٍ يفترض أن تحكمه الأرقام الباردة، فجّر العراق مفاجأة ساخنة قلبت قواعد التسعير رأساً على عقب. خصومات تصل إلى أكثر من 30 دولاراً للبرميل على خام البصرة ليست مجرد تخفيضات عابرة، بل إشارة صريحة إلى أن سوق النفط لم يعد يُدار فقط بمنطق العرض والطلب، بل بمنطق المخاطر والصراعات والنفوذ. ما يحدث اليوم ليس منافسة تقليدية بين منتجين، بل سباق بقاء في بيئة تتآكل فيها هوامش الأمان، ويُعاد فيها تعريف “السعر العادل” تحت ضغط الجغرافيا السياسية. وبينما ترتفع الأسعار عالمياً، يختار العراق أن يسير عكس التيار، في خطوة جريئة تطرح سؤالاً حاداً: هل نحن أمام مناورة ذكية لاقتناص الأسواق، أم بداية نزيف اقتصادي يصعب وقفه؟
سياق جيوسياسي ضاغط على التسعير
العراق، الذي يعتمد على النفط في تمويل ما يزيد عن 90% من إيرادات موازنته، يجد نفسه أمام معادلة قاسية: إما الحفاظ على تدفق الصادرات ولو بأسعار منخفضة، أو المخاطرة بفقدان الأسواق في ظل ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين المرتبطة بممرات حساسة مثل الخليج العربي. في هذا السياق، يمكن قراءة الخصم البالغ نحو 33 دولاراً للبرميل، أي ما يعادل تقريباً 30% إلى 35% من سعر نفط يدور حول 100 دولار، كأداة لتعويض المخاطر التي لم يعد المشترون مستعدين لتحملها دون مقابل.
نزيف الإيرادات: حسابات تقريبية بواقع ثقيل
غير أن هذه السياسة، رغم وجاهتها التكتيكية، تحمل كلفة اقتصادية مباشرة. فإذا افترضنا أن العراق يصدر نحو 3.3 مليون برميل يومياً، فإن خصماً بمتوسط 30 دولاراً يعني خسارة تقارب 99 مليون دولار يومياً، أي ما يزيد عن 36 مليار دولار سنوياً إذا استمرت هذه المعادلة لفترة طويلة. هذه الأرقام ليست نظرية، بل تعني عملياً تقلص القدرة المالية للدولة على تمويل الرواتب، ودعم الخدمات، وتنفيذ المشاريع الاستثمارية.
التجارب الدولية تقدم أمثلة واضحة على هذا النمط من “التسعير القسري”. فخلال العقوبات الغربية على روسيا بعد 2022، اضطرت موسكو إلى بيع نفطها بخصومات وصلت في بعض الفترات إلى 25–35 دولاراً للبرميل مقارنة بخام برنت، ما أدى إلى تراجع إيراداتها النفطية بنسبة قاربت 20% رغم استمرار حجم الصادرات. ورغم أن روسيا تمكنت لاحقاً من إعادة التوازن تدريجياً، إلا أن ذلك تطلب وقتاً وإعادة تشكيل لشبكات التصدير والتحالفات التجارية.
الوضع العراقي يختلف من حيث البنية التحتية والمرونة اللوجستية. فبينما تمتلك بعض الدول منافذ تصدير متعددة أو خطوط أنابيب بديلة تقلل من اعتمادها على نقاط اختناق جغرافية، يبقى العراق أكثر عرضة للتقلبات، ما يحد من قدرته على المناورة. هذا ما يجعل الخصومات ليست خياراً استراتيجياً بقدر ما هي انعكاس لقيود واقعية.
انعكاسات مباشرة على الموازنة والنمو
الأثر الأعمق يظهر في الموازنة العامة. فإذا كانت الموازنة مبنية على سعر تقديري يقارب 70 أو 80 دولاراً للبرميل، فإن البيع الفعلي عند مستويات أدنى بكثير سيخلق فجوة تمويلية قد تتجاوز 15% إلى 25% من إجمالي الإيرادات المتوقعة، وهو ما يضع الحكومة أمام خيارات صعبة بين زيادة العجز أو تقليص الإنفاق. وفي اقتصاد يعتمد فيه النشاط المحلي بشكل كبير على الإنفاق الحكومي، فإن أي انكماش مالي سينعكس مباشرة على معدلات النمو وفرص العمل.
من يربح من الخصومات؟ قراءة في سلوك السوق
الخصومات الكبيرة لا تمر دون مستفيدين. شركات التكرير، خصوصاً في آسيا، ولا سيما المصافي المستقلة في الصين والهند، تُعد من أبرز الرابحين، إذ تحصل على خام بأسعار أقل من المنافسين، ما يعزز هوامش أرباحها. لكن في المقابل، لا يعني ذلك بالضرورة زيادة كبيرة في الطلب، بل في كثير من الحالات يقتصر الأثر على إعادة توجيه المشتريات نحو الخام الأرخص بدلاً من إضافة طلب جديد.
وهذا يعني أن العراق قد ينجح في الحفاظ على عملائه، لكنه لا يضمن بالضرورة توسيع حصته السوقية، وهو فارق مهم في تقييم جدوى هذه السياسة.
هل الخصومات مفيدة أم خسارة؟
مع كل ما سبق، لا يمكن وصف هذه السياسة بالخسارة المطلقة. ففقدان الأسواق أو تعطل الصادرات كان سيكلف العراق أكثر بكثير، ليس فقط من حيث الإيرادات، بل أيضاً من حيث فقدان الثقة التجارية على المدى الطويل. الحفاظ على تدفق النفط وان كان بسعر أقل، يعني الحفاظ على العلاقات التعاقدية وسلاسل التوريد، وهو عنصر حاسم في سوق تنافسية.
في الختام، تعكس الخصومات النفطية العراقية مفارقة اقتصادية واضحة: هي في الوقت ذاته أداة إنقاذ قصيرة الأجل ومصدر استنزاف طويل الأجل. نجاحها لا يُقاس بحجم الصادرات التي تحافظ عليها فحسب، بل بقدرة العراق على الخروج منها في الوقت المناسب. فالسوق قد يتفهم الخصم كاستثناء، لكنه سرعان ما يتعامل معه كقاعدة إذا طال أمده، وعندها تصبح استعادة القيمة الحقيقية للنفط أكثر صعوبة وكلفة.
