بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زيارة تاريخية إلى الصين هي الثانية له منذ عام 2017 في مسعى سياسي واقتصادي لعقد اتفاقيات واسعة وإنشاء مجلس اقتصادي مشترك وتعزيز التبادل التجاري بينهما وتبادل الأنشطة المشتركة فيما يتعلق بالرقائق الصناعية والذكاء الصناعي وإمكانية قيام الصين بشراء المزيد من المنتوجات والسلع الأمريكية ومنع أي حالة من التوتر الثنائي بوقوع حرب تجارية محتملة بعد قيام واشنطن برفع الرسوم الكمركية وقابلتها الحكومة الصينية بالإجراءات نفسها.
رافق موعد الزيارة الأمريكية ما حدث في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي من مواجهة عسكرية ابتدأت في 28 شباط 2026 ضربات جوية أمريكية إسرائيلبة تجاه العمق الأراضي، كان من نتائجها غلق مضيق هرمز وإيقاف الملاحة البحرية وحركة السفن والناقلات وارتفاع في أسعار الطاقة والأسهم العالمية وارتفاع في ميزان التعاملات التجارية ورفع أسعار الشحن وتكاليف النقل مما أدى إلى أزمة اقتصادية عالمية بسبب تداعيات عدم وجود آليات معالجات لعبور السفن الناقلة للنفط والغاز المسال والمواد الأساسية الداخلة في الصناعات والإنتاج العالمي.
سعت إيران إلى إطلاق شروطها الخمسة والتي تضمنتها ورقتها التفاوضية التي سلمتها للقيادة الباكستانيه قبل (24) ساعة من موعد زيارة الرئيس الأميركي للصين، وهي محاولة للضغط السياسي وإعطاء دور مهم للصين في حالة مناقشة الوضع في مضيق هرمز أو دعوة الصين من قبل أمريكا للقيام بوساطة حول معالجة التوترات القائمة في الخليج العربي.
تتضمن الشروط الإيرانية وقف العلميات العسكرية على مختلف الجبهات ومنها ما يحدث في الجنوب اللبناني ورفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية وإطلاق الأموال المجمدة واستعادة إيران لكامل أرصدتها المالية المحتجزة في الخارج وانهاء الحصار البحري الأمريكي ودفع تعويضات مالية أمريكية عن جميع الخسائر المادية والبشرية الناتجة عن المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران وتل أبيب مع الاعتراف بحق إيران السيادي الكامل في إدارة مضيق هرمز وعدم التدخل في ترتيباته القانونية.
ويمكن الاستدلال على الشروط الإيرانية بأنها تشكل عودة إلى الأيام الأولى من القتال، وهي بذلك تعيد صياغة بداية للتفاوض ومن ثم الجلوس للحوار وهذا ما تم رفضه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وتوافق مع مطالبة دولية كبيرة بقيام إيران بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، حيث حظي القرار الأمريكي الخليجي العربي الذي يطالب بفتح المضيق من قبل طهران بدون أي عوائق بتأييد (113) دولة عضو في منظمة الأمم المتحدة قبل طرحه في مجلس الأمن الدولي، تم صياغة القرار من قبل ( الولايات المتحدة الأمريكية والبحرين) نيابة عن المملكة العربية السعودية والكويت وقطر والإمارات، والذي أكد على توقف إيران عن مهاجمة وتهديد السفن التجارية والناقلات والكشف عن مواقع الألغام البحرية المزروعة داخل المضيق والقيام بازالتها ووضع حد للرسوم غير القانونية المفروضة على حركة الملاحة التجارية الدولية عبر ممر مائي دولي.
جاءت موافقة الدول على القرار الأمريكي الخليجي ليؤكد عمق العزلة الدولية التي تعاني منها إيران والموقف السياسي من المجتمع الدولي تجاه تحركاتها ومواقفها وحالة الامتعاض الذي يسود معظم بلدان العالم بعد قيامها بإغلاق مضيق هرمز وخرقها لكل المواثيق والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحرية الملاحة والنقل البحري في الممرات والمضائق الدولية والذي تسبب في عرقلة حركة التجارة البحرية وأثر سلبيًا على أسواق الطاقة العالمية وسلاسل التوريد وعمليات إيصال السلع الأساسية من التغذية والأسمدة الكيميائية، وتم الاتفاق على تأجيل عملية التصويت على القرار في أروقة مجلس الأمن الدولي حتى عودة الرئيس ترامب من زيارته للصين على أمل اعتماد مضيق هرمز فقرة رئيسية في المباحثات الثنائية بين واشنطن وبكين وإمكانية مساهمة الرئيس شي جين بينج في إقناع المسؤولين الإيرانيين وقادة الحرس الثوري بفتح المضيق.
تحاول إيران صياغة هيكلية جديدة للتفاوض تنطلق من عملية رفع العقوبات الاقتصادية واعتماد سياسة البدائل عند حوارها الدبلوماسي وتفاوضها السياسي مع الولايات المتحده الامريكيه، وترى في توجهاتها أنها تساعد الوسيطين ( الصيني والباكستاني) في تفكيك الخلافات ومنع أي عودة للقتال، ولكنها في سعيها تحرص على إيجاد ضامن دولي في عدم عودة واشنطن وتل أبيب للقتال والالتزام بأي اتفاق شامل يحصل بين جميع الأطراف، وترى في القيادة الصينية داعم لها في ضمان تحقيق أي اتفاق قادم لعلاقتها الاستراتيجية معها وهو ما تتمناه أن يحصل في الزيارة الأمريكية للصين، ولكن هناك من الأصوات داخل المؤسسة السياسية الإيرانية ما يدعو لحوار متوازن وأن يكون الرد على تصريحات الرئيس ترامب بنفس القوة والصيغة المعتمدة في توجيه الاتهامات لإيران، وهو ما تحرص عليه قيادات الخرس الثوري الإيراني التي اوعزت لوكالة فارس القريبة منها بإعلان الشروط الخمسة الإيرانية التي سبقت زيارة الرئيس الأمريكي للصين ولكي تحدث حالة من التوافق والتوازن السياسي بين إيران وامريكا.
القيادة الصينية لا تريد أن تكون ضامن دولي لأنها تدرك مكانتها وتعمل من أجل مصالحها، فهي ترتبط بعلاقات وثيقة سياسية واقتصادية واستثمارات مالية ومشاريع عملاقة مع دول مجلس التعاون الخليجي العربي، وتريد أن تكون على مسافة جيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد التقدم والنجاح الذي احرزته بعلاقتها معها في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب ولهذا فهي لا تقبل أن تكون قضية فتح مضيق هرمز وعلاقتها مع إيران حجر عثرة في اللقاء التاريخي الذي يجمع بين الرئيس الأمريكي والزعيم الصيني، فسعت إلى العمل على توضيح موقفها بعدم موافقتها واعتراضها على السلوك الإيراني بغلق مضيق هرمز وفرض إيرادات مالية، واكد الموقف ممثل الصين في الأمم المتحدة (إن بكين تؤكد ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن،و ينبغي على إيران رفع القيود المفروضة على المضيق.
تسعى القيادة الصينية إلى العمل باتجاه الانتقال من نقطة الأزمة القائمة في مضيق هرمز والحصار البحري الأمريكي إلى مرونة التفاوض لكي تضمن عملية الحفاظ على مصالحها وأهدافها في تأمين الحصول على النفط الإيراني والعمل على مسار التراجع الميداني للازمة الاقتصادية العالمية وحماية حرية الملاحة الدولية وحركة السفن والناقلات وتوريد الطاقة، وقد أكد هذه الثوابت الرئيس الصيني شي جين بينغ بعرض مساعدة بلاده في فتح مضيق هرمز، وأنه لن يرسل معدات عسكرية لدعم إيران في حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مع عدم توريد أي مواد وأدوات ومعدات تساهم في تطوير برنامج الصواريخ البالستية ومنع إيران من امتلاك السلاح النووي.
وافق الموقف الصيني تحرك أوروبي بشأن مضيق هرمز بإعلان مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوربي (كايا كالاس) أن الاتحاد يدرس توسيع مهمته في البحر الأحمر المسماة ( اسبيدس) لتشمل مضيق هرمز بعد انتهاء القتال مع إيران، مع تعهد عدد من الدول الأوربية بارسال عدد من السفن لنجاح المهمة وتوسيع نطاق عملها.
أن القيادة الصينية التي بدأت مراحل عملية والتقدم بثبات للتحول من قوة كبرى إلى قوة عظمى عسكريًا واقتصاديًا، لها القدرة على إقناع الإيرانيين بفتح مضيق هرمز ولكن بالمقابل تسعى طهران لضمان الاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية أن تكون الصين دولة ضامنة وليس وسيطًا سياسيًا،وهذا ما يذهب إليه ويعمل من اجله الجناح السياسي في النظام الإيراني لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، والصين يمكن أن تطرح حلًا توافقيًا إذا ما تمكنت من الضغط على قيادات الحرس الثوري، وإلا فإن إيران ذاهبة لعزلة دولية إقليمية واسعة، وعودة للمسار العسكري الذي بدأت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية بالتحضير له ضمن عملية جديدة اطلق عليها تسمية ( المطرقة الثقيلة) بوجود 4 حاملات للطائرات المقاتلة و11 مدمرة تنتشر في الشرق الأوسط لتدمير الأهداف المتبقية في إيران.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
