مذكرة التفاهم حماية لإيران، أم احتواء لها؟

مذكرة التفاهم حماية لإيران، أم احتواء لها؟

اياد العناز

تأتي أهمية التوقيع على مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، أنها جاءت في وقت امتدت وتوسعت فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع الإيراني، بحيث ادرك المسؤولين الإيرانيين أن هذه الأوضاع الداخلية لم تعد مرتبطة بالعقوبات أو أنها وليدة الأحداث التي اعقبت الضربات الجوية والصاروخية الأمريكية الإسرائيلية في 28 شباط 2026، وإنما باتت تشكل حالة من التراجع في الثقة بين النظام ومؤسساته السياسية والاقتصادية وأبناء الشعوب الإيرانية وزادت نسبة الضغوطات التي يعاني منها المواطنين وأظهرت قدرة محدودة على مواجهتها والتغلب عليها من قبل الحكومة الإيرانية.
أصبحت التيارات السياسية والقيادات العسكرية والأمنية وخاصة في الحرس الثوري الإيراني تنظر إلى الأوضاع التي أخذت بالتأزم باعتبارها التهديد الأكثر خطورة على استقرار وبقاء النظام السياسي، وبدأت تشعر بفقدان هيبتها وضعف سيطرتها التي حاولت الدوائر الأمنية العمل عليها طوال السنوات الماضية، ولهذا جاءت النداءات التي ركز عليها مجلس الشورى الإيراني والرئيس مسعود بزشكيان بضرورة الاهتمام ووضع البرامج والخطط الإصلاحية لمواجهة ملفات التضخم وتراجع المنظومة الاقتصادية وارتفاع نسب البطالة والفقر والانهيار المتواصل في الحياة المعيشية وارتفاع أسعار المواد الغذائية مع استمرار انهيار العملة المحلية وتأثير العقوبات الاقتصادية وتراجع واضح في قدرة مؤسسات الدولة الإيرانية القيام بواجباتها واحتوائها للأوضاع السائدة.
ستكون من أولى مهام المؤسسة السياسية والأمنية الأمنية أمام هذه الأحداث الميدانية الوقائع الداخلية تشديد السيطرة الأمنية والإعلامية لمنع تصاعد أي حالة اعتراض داخلي قد تتحول إلى مواجهة مباشرة لسلطة الدولة.
ثوابت العقيدة السياسية الإيرانية هي الحفاظ على ديمومة وبقاء النظام ومؤسساته العسكرية والأمنية وسعيها لتفعيل دورها الإقليمي والتمسك بنظريتها الأيديولوجية في نشر امتداد نفوذها السياسي في الشرق الأوسط والوطن العربي، والعمل على إعادة خطابه السياسي بعدائه للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وتحمليهما مسؤولية الأوضاع الداخلية والأزمات التي يعاني منها المجتمع الإيراني، في محاولة منه لاحتواء حالة الاحباط واليأس ومنع انتقال المكابدة والألم المجتمعي إلى مستويات من الاحتجاجات الشعبية والصراعات الاجتماعية التي تهدد بنية النظام وهيكلته السياسية.
تتجه أمكانيات الحرس الثوري وتأثيراته في أروقة النظام السياسي الإيراني إلى إعادة ترتيب مراكز النفوذ بينه وبين التيارات السياسية والدوائر المرتبطة بالسلطة لضمان منع أي حالة توتر وتدهور داخلي يضعف مراكز القرار الإيراني ويؤثر على موقف الدولة الإيرانية بعد الانتهاء من المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية وتوقيع مذكرة التفاهم المشتركة.
استشعر المرشد الأعلى مجتبى خامنئي ما يحيط بالمؤسسة السياسية والأمنية والعسكرية من تصدع واختلاف وصراع ميداني، فوجه بضرورة الانتقال من ادارة المواجهة الخارجية إلى التوازي في مرحلة احتواء تداعياتها الداخلية، وإظهار حالة التماسك والابتعاد عن الخلافات الجانبية الصراعات السياسية، فالخطر الحقيقي لم يعد سببه الضربات الجوية والصاروخية الأمريكية والإسرائيلية والضغوط والعقوبات الدولية، بل في احتمالية تحول الأزمات التي يعاني منها أبناء الشعوب الإيرانية إلى حالة إنهاك وتمرد ثم انتفاضة وثورة شعبية تضرب النظام في جميع دوائره ومؤسساته التنفيذية والاستخبارية، وعليها أن تنظر إلى أن مهمتها هي الاهتمام بملف الانقسام الداخلي الذي يشكل أولوية استراتيجية في رؤية العقيدة الإيرانية الحالية.
تدرك إيران أن الولايات المتحدة الأمريكية ليس لها النية في العودة للقتال أو دعم أي مواجهة عسكرية ضدها، ولكن الرئيس ترامب يرغب في إعادة صياغة قواعد الاشتباك الاستراتيجية بين واشنطن وطهران والابتعاد عن سياسة الرد بالرد ولكنه يعمل على منع إيران من استخدام التصعيد العسكري في التعامل مع مضيق هرمز كأداة لتحسين شروط التفاوض أو فرض وقائع وأدوات جديدة في الميدان.
والقيادة العسكرية الأمريكية تذهب باتجاه وضع إيران أمام احتمالين، أما قبول الصفقة السياسية وفق ماورد بمذكرة التفاهم والعمل بموجبها أو أن تتحمل عملية تصعيد متقدم قد يتوسع سياسيًا وعسكريًا، واقناع المفاوض الإيراني بأن هامش المناورة الذي اعتاد العمل عليه في جميع المفاوضات السياسية والحوارات الدبلوماسية السابقة أصبح يضيق عليه، رغم أن إيران لا زالت تسعى ميدانيًا لاختبار الإرادة السياسية الأمريكية قبل أن تعيد حساباتها ونظرتها لمرحلة تسوية مرحلية.
أن التفاوض الأمريكي الإيراني لم يعد مجرد خلاف على أسس سابقة تتعلق بفتح مضيق هرمز وإيقاف الحصار البحري الأمريكي وتفكيك البرنامج النووي الإيراني أو تحيد الصواريخ الباليستية وإيقاف الدعم للفصائل والمليشيات والوكلاء المرتبطين بالحرس الثوري في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي، بل أصبح يرتبط بأهداف سياسية وأمنية مستقبلية تتعلق بإعادة رسم موازين القوى والأمن الإقليمي في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط.
ودول مجلس التعاون الخليجي العربي لها منظورها السياسي الميداني في اعتماد المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران الخيار الذي يمثل الحالة الاستراتيجية التي تتطابق مع تعزيز الأمن الخليجي الإقليمي واستقرار المنطقة، لأن أي مسار أخر يعني اتساع دائرة المواجهة العسكرية وتاثيراتها على أمن دول مجلس التعاون وحماية الممرات والمضايق البحرية وحركة السفن والناقلات بما له تأثير على التجارة الدولية وسوق الطاقة العالمية.
توجد أمام إيران مراحل عديدة للتغلب على أوضاعها الداخلية وازماتها الاقتصادية والاجتماعية وما خلفته الضربات الأمريكية والإسرائيلية من تدمير شبه كامل لقدرات إيران العسكرية والصاروخية وتهاوي قيمة عملتها وتراجع قدراتها الصناعية وحاجتها لسيولة نقدية لإنقاذ عملتها وشعبها الذي يتحمل كاهل المعاناة اليومية نتيجة التضخم المالي وارتفاع الأسعار وصعوبة الوضع المعيشي، إلى عودة لتدراك اوضاعها السياسية والاقتصادية والتوجه لحياة جديدة آفاقها التنمية المستدامة والبناء والإصلاح والقضاء على الفساد السياسي والاقتصادي وإصلاح وعودة العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي العربي التي تعتبر رئة الاقتصاد الإيراني وفك عزلتها المالية وتوسيع دائرة الاستثمارات الاقتصادية وإقامة المشاريع العملاقة الداعمة للإنتاج النفطي والصناعي.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتجية