استراتيجية الحرب بين الضغط الأمريكي والتصعيد الإيراني

استراتيجية الحرب بين الضغط الأمريكي والتصعيد الإيراني

اتسمت مسارات المفاوضات والحوارات التي تجربها أطراف إقليمية وعربية مع الولايات المتحدة الأمريكية وإيران للوصول إلى أسس لمذكرة تفاهم تمثل أولى الخطوات الرئيسية للشروع بتوحيد الأفكار والآراء لإعداد اتفاق شامل يمنح المفاوض الأمريكي قدرًا من التحرك ضمن دائرة الشروط التي تبنتها إدارة الرئيس ترامب ويعطي المفاوض الإيراني مساحة للعمل ضمن إطار المرونة السياسية والبرغماتية العملية وفك حالة الجمود القائمة رغم جميع التصريحات التي تنطلق من واشنطن وطهران.
هناك ثلاث صور ميدانية يمكن الاستدلال عليها عند النظر إلى طبيعة العمل الجاري حول المذكرة المشتركة وأهمها ما يبرز من حالة الغموض الذي يتناب مسار التفاوض السلمي والأداء الدبلوماسي وعدم وجود حالة من اليقين في اعتماد صيغ فاعلة لاتفاق قادم شامل مع تشابك واضح في ترتيب الأولويات والحفاظ على هامش من المناورة السياسية في التعامل مع الطرفين عبر استقبالهم للوفود الإقليمية أو الرسائل التي يتداولها الوسيط الباكستاني واعتماد الاستثمار في الوقت أداة لتحقيق مكاسب مرحلية توصل لغايات مستقبلية، وهي الأدوات التي تسعى فيها إيران لتحقيق إنجازات اقتصادية تشمل رفع العقوبات وإطلاق الأموال المجمدة واستعادة حصتها في سوق النفط العالمية، بينما تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على التركيز المتعلق بالملفات الأمنية والاستراتيجية المرتبطة بالأمن الإقليمي في الخليج العربي والشرق الأوسط وحماية الممرات البحرية، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا عبر حوار جاد ونقاط أساسية ومرونة سياسية من واشنطن وطهران.
إيران لا تزال تعمل باتجاه الاعتراف بهمينتها على مضيق هرمز مقابل تنازلها عن استحصال رسوم مالية لعبور السفن والناقلات البحرية وتعزيز دورها الإقليمي والاعتراف بها كدولة ذات تأثير سياسي دولي لتمكينها من استعادة هيبتها الإقليمية، ولا زالت تتمسك بورقة المضيق ليس كأداة ردع مؤقتة بل ركيزة دائمة في نظرتها الاستراتيجية في التعامل الميداني مع الأحداث الجارية في الإقليم واستخدمت ادواتها بالانتقال من التهديد بالإغلاق إلى محاولة إدارة المضيق الذي، يعطي مفهومًا وتحولاً عميقًا في التفكير الإستراتيجي لإيران ويمثل حالة من المواجهة الفعلية مع النظام العالمي.
أن سعي قيادات الحرس الثوري الإيراني لتقديم نفسها كضامن اساسي ولاعب رئيسي في تحقيق غايتها وأهدافها النفوذ والهيمنة على مضيق هرمز، إنما يعطي دلالة واضحة للتدخل الميداني في حماية أمن الملاحة وسعيها لتقليص الوجود العسكري الأمريكي ودوره وإعادة تركيبة ومفهوم الأمن في منطقة الخليج العربي.
أن ما يحدث من اشتباكات متفرقة واحتكاكات عسكرية محدودة مع القطعات العسكرية الأمريكية من قبل القوات الإيرانية إنما هي استراتيجية ميدانية ورسائل غير مباشرة وضغوط عسكرية تمتد نحو بعض من مدن واقطار مجلس التعاون الخليجي العربي كما حدث قبل أيام في ( الكويت والبحرين والإمارات)، وجميعها تهدف إلى محاولة استفزاز واختيار محدود الرد الأمريكي وإمكانية التصعيد دون الانزلاق لحرب مفتوحة شاملة الجبهات، وهو ما تراه واشنطن نوع من المراوغة والتعقيد في التصرف والأداء الإيراني.
تعتمد إيران أدوات مختلفة ومتداخلة في الوقت نفسه تجاه أحكام قبضتها على مضيق هرمز كونه يعطيها مجالًا واسعًا في الحصول على فوائد مالية من خلال فرض رسوم واعداد خدمات بحرية، ويمنحها صيغة سياسة فاعلة في إعادة دورها الإقليمي بالحوار المباشر مع الدول المستهلكة للطاقة لتأمين مرور آمن لناقلاتها وسفنها البحرية، وورقة دائمة للمساومة عند أي حوار أو تفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية أو الدول الأخرى، وبهذا يكون مضيق هرمز قد تحول من ممر مائي استراتيجي إلى محور مركزي في معادلة الصراع القائم بين واشنطن وطهران وأداة رئيسية لإعادة تشكيل موازين القوة في منطقة الخليج العربي بعد اعتماد إيران على إستراتيجية إدارة المضيق بوصفه أصلاً سيادياً وعدم الاكتفاء بإغلاقه واعتباره ورقة ضغط مؤقتة.
تمسك إيران بمسار التفاوض بقوة يعود لإدراكها أن إغلاق مضيق هرمز الذي لم تخطط له واشنطن بشكل واسع، يمكن أن يحقق لها مناورة غير متكافئة فعالة، ثم التعامل الجاد الذي بدأت تلمسه من روسيا والصين كحلفاء رئيسين في تماسكهما من أجل العمل على حماية النظام الإيراني والحفاظ على بقائه.
رغم التصريحات المستمرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب من هزيمة إيران والقضاء على قوتها البحربة وانعدام فاعلية قوتها الجوية وتحيد قوتها الصاروخية ومقتل المئات من قيادتها السياسية والعسكرية والأمنية، إلا أن النظام في إيران لا يزال يجد نفسه أن بقائه في سدة الحكم تكفيه للقول بأنه المنتصر في المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية.
لا تزال حركة الوسطاء السياسين من الباكستانيين وبدعم من القيادة الصينية والاسناد الدائم من الفاعل العربي الخليجي مستمرة القرار صيغة أولية للتفاهم يضع حدًا لمنع أي عودة للقتال، إلا أن واقع الحال لا يعكس أي حالة من التقدم الملموس بل التوافق فقط على مواصلة الاتصالات وتبادل الأفكار، وهو ما يعيد للاذهان سياسة الضغط الأقصى الذي
قد تعتمده الولايات المتحدة الأمريكية في العمل بمبدأ الضربات الانتقائية لمنشآت حيوية وتعطيل الأنشطة النووية وإيقاف العمل في تفعيل أجهزة الطرد المركزي، بعد وصول واشنطن وطهران لطريق مسدود بشأن اخراج المخزون المخصب من اليورانيوم بنسبة 60٪، مما يدفع الإدارة الأمريكية لتفعيل آليات عقوبات أشد قساوة وتعزيز عمليات الحصار البحري، وهذا ما سيكون له ردود أفعال إيرانية بالتعنت في مسار التفاوض الدبلوماسي والحوار السياسي والابتعاد عن التعامل مع أي مبادرة سلمية أو إيقاف اللقاء مع أي وسيط دولي أو إقليمي، وهو ما قد يساعد على الانتقال لمرحلة أكثر خطورة في تحقيق الهدف الأمريكي السيطرة على مخزون اليورانيوم المخصب عبر قوات برية خاصة يمكنها الوصول إلى أعماق المنشآت النووية في ( فوردو نطنز وأصفهان) واستخراج حاويات اليورانيوم ونقلها للولايات المتحدة، إذا ما تعذر قبول إيران بشروط واشنطن في تفكيك البرنامج النووي، أو تفجيرها بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وحدة الدراسات الإيرانية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة