العراق على حافة العاصفة المالية: هل تنقذ خطة الطوارئ الاقتصاد قبل فوات الأوان؟

العراق على حافة العاصفة المالية: هل تنقذ خطة الطوارئ الاقتصاد قبل فوات الأوان؟

الباحثة شذا خليل*

في عالم الاقتصاد لا تبدأ الأزمات يوم تعلن الحكومات عجزها عن دفع الرواتب، ولا عندما تنخفض الاحتياطيات النقدية إلى مستويات خطيرة، بل تبدأ عندما تتجاهل الدول الإشارات المبكرة التي تنذر بقدوم العاصفة. واليوم يقف العراق أمام واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية حساسية منذ سنوات، ليس بسبب انخفاض أسعار النفط فقط، بل نتيجة التحديات الإقليمية المتسارعة التي تهدد شريان الاقتصاد العراقي الرئيسي المتمثل بالصادرات النفطية.

يعتمد العراق على النفط في تمويل أكثر من 85% من إيرادات الموازنة العامة، وهو ما يجعل الاقتصاد شديد الحساسية لأي اضطراب في الأسواق العالمية أو في طرق تصدير النفط. وفي ظل التوترات المتصاعدة في منطقة الخليج والمخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، يواجه العراق احتمال تعرض جزء من صادراته النفطية للاضطراب أو التراجع، وهو سيناريو قد ينعكس مباشرة على الإيرادات الحكومية والاستقرار النقدي وسعر صرف الدينار.

وتزداد المخاطر مع استمرار تعطل صادرات نفط إقليم كردستان منذ فترة طويلة، الأمر الذي حرم الخزينة العراقية من مليارات الدولارات التي كان يمكن أن تسهم في تعزيز الإيرادات وتخفيف الضغوط المالية. وفي الوقت نفسه، تستمر الدولة في تحمل فاتورة ضخمة من الرواتب والدعم والإنفاق التشغيلي، بينما تبقى الإيرادات غير النفطية محدودة وغير قادرة على تعويض أي تراجع كبير في عائدات النفط.

ورغم هذه التحديات، فإن العراق لا يزال يمتلك عناصر قوة مهمة. فالبلاد تمتلك احتياطيات نقدية وذهبية كبيرة، وأصولاً خارجية، وسندات مالية، إضافة إلى احتياطيات نفطية هائلة وموقع جغرافي استراتيجي يربط الخليج بتركيا وأوروبا. لكن المشكلة الأساسية لا تكمن في نقص الموارد، بل في كيفية إدارتها وفي سرعة اتخاذ القرارات المناسبة قبل تحول الضغوط الحالية إلى أزمة مالية أوسع.

ومن هنا تبرز أهمية تبني خطة طوارئ اقتصادية ومالية عاجلة تقوم على عدة محاور متوازية. أول هذه المحاور يتمثل في إعادة تشغيل صادرات نفط إقليم كردستان عبر التوصل إلى اتفاق مؤقت بين بغداد وأربيل يضمن استئناف التدفقات النفطية بأسرع وقت ممكن. فكل يوم يمر دون استعادة هذه الصادرات يعني خسارة إضافية للإيرادات وزيادة الضغط على الموازنة.

أما المحور الثاني فيتعلق بحماية الاحتياطي النقدي وإدارة الدولار بكفاءة أعلى. فبدلاً من استنزاف الاحتياطيات أو بيع الأصول الاستراتيجية، يمكن للعراق استخدام أدوات مالية حديثة تسمح بالحصول على سيولة مؤقتة مع الحفاظ على أصوله المالية. كما ينبغي إعطاء الأولوية لاستيراد السلع الأساسية والمواد الأولية اللازمة للإنتاج، مع الحد من الاستيراد الكمالي والتحويلات غير الضرورية التي تستنزف العملة الصعبة.

ويتمثل المحور الثالث في رفع الإيرادات غير النفطية التي ما زالت تشكل نسبة متواضعة من موارد الدولة. فالعراق يمتلك إمكانات كبيرة في مجالات الجمارك والضرائب والخدمات الحكومية، إلا أن ضعف الجباية والفساد الإداري والاقتصاد غير الرسمي ما زالت تحد من قدرة الدولة على الاستفادة من هذه الموارد.

كذلك ينبغي استغلال الأزمة الحالية لإعادة توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية، خصوصاً الكهرباء والغاز والصناعات التحويلية والنقل والخدمات اللوجستية. فهذه القطاعات لا توفر فرص عمل فحسب، بل تساهم أيضاً في تقليل الاعتماد على الاستيراد وتحقيق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني.

ومن الملفات التي تستحق اهتماماً خاصاً الاقتصاد الرقمي. فالعراق يمتلك شريحة شبابية واسعة قادرة على العمل في مجالات البرمجيات والخدمات الرقمية والتجارة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي. وفي ظل محدودية فرص العمل التقليدية، يمكن أن يشكل الاقتصاد الرقمي أحد أسرع المسارات لخلق الوظائف وزيادة الدخل وتنويع مصادر النمو الاقتصادي.

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في انخفاض الإيرادات فقط، بل في كيفية التعامل معها. فإذا استُخدمت أي موارد إضافية في توسيع الإنفاق الاستهلاكي والتوظيف غير المنتج، فإن الأزمة ستعود مجدداً بعد فترة قصيرة. أما إذا تم توجيه هذه الموارد نحو الاستثمار والإنتاج وتحسين البنية التحتية، فإن العراق قد يحول الأزمة الحالية إلى نقطة انطلاق نحو اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.

إن التجارب الاقتصادية العالمية أثبتت أن الدول لا تنهض بوفرة الموارد وحدها، بل بقدرتها على إدارة الأزمات واتخاذ القرارات الصعبة في الوقت المناسب. والعراق اليوم أمام اختبار حقيقي. فهو يمتلك النفط والاحتياطيات والموقع الجغرافي والسوق المحلية والموارد البشرية، لكنه يحتاج إلى رؤية اقتصادية واضحة تضع الإنتاج والاستثمار فوق الاعتبارات قصيرة الأجل.

وفي النهاية، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كان العراق يمتلك الموارد الكافية لتجاوز الأزمة، بل ما إذا كان يمتلك الإرادة السياسية والقدرة المؤسسية لاستثمار هذه الموارد قبل فوات الأوان. فالوقت أصبح عاملاً اقتصادياً لا يقل أهمية عن النفط نفسه، وكلما تأخرت الإصلاحات ارتفعت كلفة المعالجة. وبين الفرصة والمخاطرة يقف العراق اليوم أمام لحظة قد تحدد شكل اقتصاده لعقد كامل قادم.

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية