جولة التفاوض الأمريكي الإيراني مرحلة استنزاف سياسي ومساومة متبادلة

جولة التفاوض الأمريكي الإيراني مرحلة استنزاف سياسي ومساومة متبادلة

 

حال دخول مذكرة التفاهم المشتركة بين الولايات المتحده الامريكيه وإيران والتي تم التوقيع عليها في 17 حزيران 2026، بدأ الاعداد لأولى خطوات المفاوضات السياسية والحوارات السياسية في العاصمة السويسرية (جنيف) والتي تتابع الأوساط الدولية والإقليمية نتائجها وما سيتم خلالها من قرارات وإجراءات قد تفضي لاتفاق شامل خلال المدة التي حددت ب(60) يومًا.
بدأ الاعداد لجولة المفاوضات الأولى من قبل رئيس الوزراء الباكستاني ( شهباز شريف) وبدعم من دولة قطر والتشاور مع كل من واشنطن وطهران وتم اختيار
( منتجع بورغنشتوك) في سويسرا ليكون أولى محطات اللقاء الأمريكي الإيراني بحضور إقليمي باكستاني ومساندة صينية عالمية وحضور عربي قطري يمثل المساندة السياسية لدول مجلس التعاون الخليجي، تهدف هذه الجولة إلى دفع مسار تنفيذ مذكرة التفاهم وتكوين رؤية ميدانية لوقف القتال والتركز على إنهاء الحرب ومناقشة الأوضاع القائمة في الجنوب اللبناني، على أن تكون باقي الملفات الرئيسية قيد الحوار المشترك خلال المدة المحددة في المذكرة الموقع والتي ستناقش باهتمام ملفات البرنامج النووي الإيراني والصواريخ البالستية والدور الإقليمي السياسي الإيراني وعلاقتها ودعمها للمليشيات والفصائل المسلحة ووكلائها في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي.
انطلقت يوم 21 حزيران 2026 جولة المحادثات الإيرانية الأمريكية في سويسرا، بحضور نائب الرئيس الأمريكي (جي دي فانس) ، ورئيس البرلمان الإيراني (محمد باقر قاليباف) بعد أن تم احتواء معظم الخلافات الأولية عبر الوساطة الباكستانية والسويسرية وتمكنهما من إقناع إدارة الرئيس ترامب من تقديم تطمينات محدودة لطهران بشأن العمليات القتالية الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية وإطلاق بعض من الأموال المجمدة واتخاذ الإجراءات المناسبة بخصوص رفع الإجراءات العقابية عن تصدير النفط الإيراني.
يمكن اعتبار أن الأسس الرئيسية قد انتجت عوامل مهمة لمرحلة اختبار حقيقي للنوايا الأمريكية الإيرانية في عدم استخدام واعتماد أدوات ووسائل ضاغطة سياسية في أي مناقشة لفقرات مذكرة التفاهم وعدم التحول من الالتزام المتبادل إلى حالة من الخلاف السياسي عند الوقوف حول كل قضية ميدانية واعتمادها ورقة ضغط على طاولة التفاوض.
هدف إيران من المفاوضات هو الوصول إلى رفع جزئي للعقوبات الاقتصادية والإفراج عن أموالها المجمدة وإيجاد آليات متفق عليها في إدارة العمل في مضيق هرمز للملاحة البحرية وحرية التنقل للسفن والناقلات، وهي الأولويات التي من الممكن أن تساهم في أحداث تطور اساسي في موضوع تفكيك البرنامج النووي الإيراني، لأن ما اتفق عليه في مذكرة التفاهم جعل الأبواب مشرعة أمام إعادة الملاحة البحرية بشكل هادئ وطبيعي دون أي عوائق أو قرارات آنية تستخدم من قبل الطرفين في الابطاء بحركة المفاوضات والمضي بها قدمًا، ولكن يبقى الفعل الميداني عامل رئيسي لحسم الأمور بشكلها النهائي بما يتعلق بالترتيبات الأمنية وأفاقها المستقبلية وانعكاسها على الأمن الإقليمي في منطقة الخليج العربي وما يتعلق بأمن البحر العربي والسواحل المطلة على مضيق هرمز وطبيعة الضمامات المطلوبة من إيران والولايات المتحدة الأمريكية.
أن ما تحقق ميدانيًا في المراحل الأولية لتنفيذ مذكرة التفاهم هو وقف القتال وإعادة إطلاق الملاحة في مضيق هرمز لأهداف مشتركة تخدم جميع الأطراف، أهمها تهدئة سوق الاسهم العالمية وخفض أسعار النفط والغاز والعودة الطبيعة لمسار التجارة العالمية والطاقة الدولية، وهو ما تسعى إليها الولايات المتحدة الأمريكية وما ينتظره الرئيس ترامب لتخفيف عنه في الأوساط الداخلية السياسية والاقتصادية الأمريكية والسعي لمرحلة قادمة مهمة في العمل السياسي الذي يدعم موقف الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية، كذلك المسؤولين الإيرانيين يعملون على مواجهة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية وارتفاع أسعار المواد الغذائية ونسب البطالة والتضخم وزيادة نسب الفقر في الأوساط الشعبية وانخفاض العملة المحلية والركود التام للتعاملات المالية في الأسواق الإيرانية وإيقاف مليوني موظف عن عمله بإلغاء علاقتهم مع مؤسسات الدولة ، عبر الوصول إلى تفاهمات مشتركة في الحوارات المتبادلة مع وفد التفاوض الأمريكي لرفع محتمل للعقوبات وإطلاق جزء من الأموال المجمدة الإيرانية.
تحاول إيران تنفيذ الفقرة التي تنص على ( وقف الحرب على جميع الجبهات بما في ذلك لبنان) كونها تحقق لها حضورًا سياسيًا وإعادة لدورها الإقليمي ومشروعها السياسي القائم على مساندة فكرة (وحدة الساحات)، وتحاول التقيد به عند أي عملية تقدم أو انجاز لفقرة من مذكرة التفاهم، والتي تعمل الإدارة الأمريكية على محاولة التنسيق في هذا الجانب مع تحركاتها الدبلوماسية والسياسية لإطلاق الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية والتي ستستضيفها واشنطن نهاية شهر حزيران 2026.
لإيران غاياتها في تهدئة الأوضاع الداخلية وتحقيق جانب مهم من الاتفاق المشترك الذي يواجه رفضًا من قبل بعض التيارات والاوساط السياسية الإيرانية من المتشددين والمحافظين الذين يرون في الجلوس لطاولة التفاوض مع الولايات المتحدة تنكرًا لدماء القيادات السياسية والعسكرية والأمنية التي تم استهدافها أثناء العمليات العسكرية الضربات الجوية والصاروخية الأمريكية الإسرائيلية مع بداية المواجهة العسكرية في 28 شباط 2026 وفي مقدمتهم المرشد الأعلى علي خامنئي، والادارة الأمريكية تحاول جاهدة التوصل إلى تفاهمات مع الجانب الإيراني وموازنتها مع علاقتها الاستراتيجية باسرائيل، وكل من واشنطن وطهران لهما أولويات وملفات يعلمان على تعزيز موقعها التفاوضي قبل الانتقال إلى الاتفاق النهائي.
يشكل الملف اللبناني معيار مهم في عملية التفاهم الأمريكي الإيراني ونقطة تحول مهمة لانجاح أولى خطوات تنفيذ المهام السياسية، فأي استمرار للعمليات العسكرية في الجنوب اللبناني بين القوات الإسرائيلية وحزب الله اللبناني سيؤدي إلى إيقاف المفاوضات أو انهيارها واحتمالية العودة مرة أخرى للتصعيد بما يؤثر على المصالح الدولية والإقليمية والوضع الأمني في منطقة الخليج العربي واستهداف حركة الملاحة والتجارة العالمية.
إذا ما استمرت حالة التباعد في الفهم المشترك والاتفاق المتبادل بين واشنطن وطهران حول نقاط جوهرية تتعلق بمضيق هرمز والوضع في الضاحية الجنوبية اللبنانية والأموال المعتمدة في صندوق الاستثمار والإعمار الإيراني، مع استمرار حالة الجدل السياسي والتعنت الدبلوماسي فقد تتحول فترة الشهرين التي نصت عليها مذكرة التفاهم الي حالة استنزاف سياسي ومساومة متبادلة، فجميع جهود الوساطة الباكستانية القطرية قد نجحت في التوصل لتفاهم امريكي إيراني في وقف المواجهة العسكرية لكنها لم تتوصل بشكل جدي في تحقيق تفاهم مستمر حول المراحل القادمة ما بعد إيقاف القتال، وهو ما يضعف أدوات تحقيق تسوية شاملة قابلة للاستمرار.
الإدارة الأمريكية وعلى لسان الرئيس دونالد ترامب نفى ( وجود أي التزام أمريكي أو خليجي مباشر) حول ما اعتمد عليه في شاكلية (صندوق إعمار إيران) وهو ما يعني وجود اختلافات جوهرية بين ما ترغب به طهران وما تسعى إليه واشنطن، رغم ما تم الحديث عنه بتوجيه الأموال المتوقعة في صندوق الإعمار لاستثمارات في قطاع الطاقة النفطية والتصنيع والنقل في إيران، عبر مشاركة واستثمار شركات أمريكية يابانية ودول اسيوية ( كوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا) وعدد من دول الخليج العربي، في حين شدد الرئيس الأميركي ترامب على عدم قيام واشنطن باي استثمارات مالية داخل إيران.
أن مذكرة التفاهم تحتوي على أولويات تتعلق بنقاط إقليمية في جوهرها ومضمونها العملي والميداني عبر إعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري الأمريكي والزام إسرائيل بإنهاء عملياتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية، ومعالجة الملفات الأمنية المتعلقة بتأمين الحماية واحترام سيادة دول مجلس التعاون الخليجي العربي وايقاف الدعم السياسي والعسكري الإيراني لوكلائها وفصائلها المسلحة العاملة في الساحات الإقليمية.

وحدة الدراسات الإيرانية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيج