اياد العناز
امتدت الوقائع الميدانية التي كانت من أبرز نتائج المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية لتصل في مداها إلى إعلان واضح وصريح باحتلال اقطار عربية مجاورة لإيران من قبل الحرس الثوري وفصائل مسلحة ترتبط بالمشروع السياسي الإقليمي الإيراني، وكان الأكثر حضورًا ما صرح به ( احمد بخشايش أردستاني) عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني في 20 تموز 2026 بإمكانية القيام بتنفيذ هجمات برية تجاه دولة الكويت ومملكة البحرين، إذا ما أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على احتلال أراضي إيرانية، معتبراً أن ( أي سيطرة أمريكية على جزيرة خرج ستكون مؤقتة وأنها ستتحول إلى هدف مباشر للصواريخ الإيرانية)، وجاء التصريح بعد أن تمكنت الضربات الجوية الأمريكية من استهداف رادارات المراقبة ومنظومات الدفاع الجوي ومنصات الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة بالقرب من السواحل الإيرانية ومدن ( بندر عباس وسيريك وكنارك وتشابهار في مناطق سيستان وبلوشستان وهرمزغان) وجزيرة قشم ومحافظتي فارس وإيلام داخل عمق الأراضي الإيرانية، بهدف تقليص القدرة العسكرية وإمكانية الردع المقابل والأداء والتحكم بمضيق هرمز.
أن التصريحات الإيرانية والبيانات العسكرية تتحدث عن نوايا أمريكية وأهداف ميدانية تتجه نحو احتمالية تعرض بعض الجزر والساحل الجنوبية لإيران لمحاولة إنزال جوي أو غزو بري لقوات أمريكية مظلية أو برية وبحرية، بعد اشتداد القصف الأمريكي لأيام متوالية وليالي مستمرة للمناطق المطلة على مضيق هرمز والذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية للتجارة الدولية والطاقة العالمية.
تتداول معلومات أمنية وعسكرية عن الهدف القادم للقوات الأمريكية باستهداف (جزيرة بوبيان) التي تعتبر أكبر الجزر الكويتية في تصعيد لتوسيع رقعة المواجهة بين واشنطن وطهران، وهناك معلومات متداولة عبر حسابات وشخصيات سياسية إيرانية مقربة من الحرس الثوري الإيراني بإمكانية استخدام وحدات خاصة عبر المنطقة الجنوبية للعراق تدعم الغايات والأهداف الإيرانية، وأتى إعلان المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمي نيا في 21 تموز 2026 ( أن طهران ستتبع سياسة الارض المحروقة وتقصف حتى أراضيها لمنع السيطرة الأمريكية عليها).
أن المعلومات المتداولة عن نوايا إيرانية وتهديدات معلنة باحتلال عواصم اقطار خليجية عربية، ينبغي التعامل معها بدقة ومتابعة جادة كونها تشكل مؤشرًا سياسيًا واستراتيجيًا حتى في حالة وجود ضعف في عمليات التنفيذ والافتقار لقدرة عسكرية متكاملة للعمل الميداني، ولكنها من الممكن أن تؤدي إلى إعادة تقييم مستوى المخاطر الأمنية التي تنظر إليها اقطار مجلس التعاون الخليجي العربي بعدم اقتصارها على التهديد بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، بل النظر إلى جميع أشكال التهديد مما يعني الحاجة لمنظومة دفاع خليجية مشتركة ذات قيادة محددة وتخطيط ميداني فعال وقواعد اشتباك بموافقات جماعية، بحيث يصبح أي اعتداء على دولة عضو في المجلس يمثل اعتداء موجه نحو جميع اقطار مجلس التعاون الخليجي.
تتحدد أهداف القيادة المشتركة عبر أهدافها بتكامل استخباري وانذار مبكر وحماية البنى التحتية الحيوية وبناء قدرة ردع مشتركة، فأي محاولة لاحتلال مدينة خليجية بالقوة يواجه تحديات عملياتية وسياسية ولوجستية عالية وكبيرة بوجود التزامات دفاعية وشركات أمنية إقليمية دولية تجعل من التهديد الإيراني شديد التعقيد، وهنا من المناسب الانتباه للتهديدات الكلامية التي لا تعني بالضرورة تنفيذها بشكل كامل، لكنها تبقى عامل مؤثر في حسابات الردع والاستعداد لخوض المواجهة المباشرة، وأن أمن الخليج العربي لم يعد يحتمل ردود أفعال متفرقة، بل يحتاج لمنظومة ردع جماعي قادرة على تحويل أي تهديد ضد دولة خليجية إلى تهديد يواجه استجابة موحدة، وكلما ارتفع مستوى الخطاب التهديدي الموجه إلى دول الخليج، ازدادت الحاجة إلى الانتقال من مفهوم التعاون الدفاعي إلى مفهوم الدفاع الخليجي الجماعي، بوصفه الركيزة الأساسية لاستقرار الإقليم وردع أي مغامرة عسكرية محتملة.
أمام الخطاب الإيراني السياسي والأمني تجاه منطقة الخليج العربي، تنظر إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى استقرار المنطقة أنها امتداد حيوي مرتبط بأمن الطاقة العالمي وحرية الملاحة واستراتيجية علاقتها مع حلفائها الرئيسين، ومن هنا فهي مع أي مشروع يمنح منظمومة الأمن الخليجي العربي كفاءة دفاعية لانه يخفف العبء عنها ويعزز الردع المشترك ويزيد من حالة التنسيق والتضامن الخليجي العربي.
ينظر إلى الهندسة الأمنية الخليجية ومستقبلها وفعالياتها وأهدافها أنها تمثل القوة الأساسية والدرع الحصين عبر قيادة مشتركة وقرار سياسي يعطي ملامح ميدانية لمواجهة أي مخاطر يهدد وجودها واستقلالها، بوجود أدوات فاعلة من تكنولوجيا المعلومات ( الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي) ودور ريادي للتحركات الاستخبارية وسبق الأحداث قبل وقوعها ودعم لوجستي يساهم في تحصين اقطار دول مجلس التعاون الخليجي ببناء القدرات الذاتية وتحسين المهام الدفاعية ليمنح المنظومة عمقًا استراتيجيًا أكبر ويقلل من اعتمادها على جهة واحدة.
وكلما اشتدت التهديدات الإيرانية سنكون أمام تحول في الرؤية الميدانية من دفاع عن حدود دولة إلى دفاع عن إقليم كامل بمساحته وإمكانياته وقدراته الاقتصادية والعسكرية، أي أن أمن الكويت والبحرين لن ينظر إليه باعتباره مسؤولية وطنية بل مسؤولية خليجية جماعية، وهو ما سيمنح منظومة الردع مصداقية أكبر في مواجهة أي تهديد مستقبلي.
الوساطات السياسية الإقليمية والخليجية تسعى إلى تخفيف حالة التصعيد ومنع انتقال المواجهة الفعلية بين واشنطن وطهران إلى مواجهة مباشرة بين إيران واقطار مجلس التعاون الخليجي العربي، وتأخذ بالاعتبار المصالح الاقتصادية والأمنية للمجلس، وهذا يتطلب استمرار في تطوير الامكانيات الدفاعية وحماية البني التحتية لتكون دافع يساهم في تعزيز التحرك الدبلوماسي، لأن نجاح الوساطة لا يلغي الحاجة للأخذ بمسارات الاستعداد لأي مواجهة أو تغير وتطور ميداني عسكري، حماية لاستقرار أسواق الطاقة العالمية واستمرار تدفق أصول التجارة الدولية، وهو ما يساهم في جعل منطقة الخليج العربي طرفًا رئيسيًا في أي ترتيبات إقليمية قادمة.
أن الدبلوماسية الناجحة هي التي تعتمد على مقومات فاعلة وأدوات داخلية لها القدرة والامكانية على تحسين الأداء الدفاعي الموازي للنشاط الدبلوماسي ليمنحه القدر على الوصول لنتائج إيجابية، وفي المنظور الخليجي العربي فإن الاستحقاقات الاستراتيجية ستكون أمام منعطفات تتمثل في السعي لضبط إيقاع المساريين الدبلوماسي والدفاعي بعد أن أصبح مضيق هرمز ساحة لازمات متلاحقة ومكررة، لهذا فإنها ستجد نفسها أمام مرحلة انتقالية من حماية الحدود إلى حماية الممرات البحرية ومنشآت الطاقة وهذا يتطلب الاعداد الدائم لبناء قوة بحرية خليجية أكثر تكاملاً مع قيادة وسيطرة مشتركة تتلازم مع موقف سياسي موحد تجاه أي تهديد لحرية الملاحة بتسريع التكامل الدفاعي حتى لا تبقى الاستجابة رهنًا بتحركات القوى الخارجية وحدها، وأي وساطة سياسية وعمل دبلوماسي سيكون رهينة بعدم خرق التفاهمات لأنها ستقلل من مساحة المناورة الدبلوماسية وتزيد من وزن الردع العسكري في حسابات جميع الأطراف، وهنا تبرز حالة مهمة تقترن بأنه كلما تراجعت الثقة في الالتزامات السياسية ارتفعت قيمة المنظومات الدفاعية المشتركة بوصفها الضامن العملي للاستقرار الإقليمي.
إذا لم تستند الدبلوماسية لقوة ردع واضحة قد تفسر من قبل الطرف الآخر على أنها رغبة في تجنب المواجهة بأي ثمن، بينما الدبلوماسية التي تتحرك بالتوازي مع جاهزية دفاعية تمنح المفاوض الخليجي ثقلًا أكبر.
وإما التهديد والتصعيد الإيراني، فإذا كانت طهران ترى أن الضغط على طرق الملاحة وضرب المنشآت النفطية ومحطات التحلية يمكن أن يغير المواقف السياسية، فإن الرد المناسب ليش عسكريًا فقط وليس دبلوماسيًا أيضًا وإنما الجمع بين المساريين، عبر خط حواري سياسي يعمل على اختواد الأزمة ومنع توسعها وقوة ميدانية مشتركة نجعل تكلفة أي تصعيد مرتفعة وغير مضمونة النتائج، وأن تكون الرسالة الخليجية العربية لإيران بالانفتاح على أي جهد سياسي يحقق الأمن والاستقرار، لكننا في الوقت نفسه لدينا منظومة دفاعية مشتركة قادرة على حماية المدن والبنية التحتية والممرات البحرية الخليجية، وهذا مبدأ اساسي في اعتماد الدبلوماسية الفاعلة القائمة على قوة ردع تمنح العمل الدبلوماسي فرصة للنجاح.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
